كامل أبو جابر.. البدوي الفلاح

نيسان ـ نشر في: 2020-06-01 الساعة:

كامل أبو جابر البدوي الفلاح

فاطمة العفيشات
"من يعرف كامل أبو جابر يستطيع أن يفكك شيفرة التماسك الأردني والعلاقة الإسلامية المسيحية وكيف ظهرت في هذه الصورة من السماحة والصفاء".

هذا ليس حديث لاستاذ العلوم السياسية والوزير الاسبق الدكتور ربيحات عن الراحل، بل اطار جامع عرف به الأردنيون ابو جابر مبكرا، المتوفى يوم الجمعة 29 آيار العام (2020).

حسنا. يمكن فهم ذلك بسهولة. فقد صاغت التلول الخمسة الشاب برفق، فكان وعاش حتى غادرنا من بوابة الملوك، وفي قلبه الكثير من الحب.


كإسم القرية التي ترعرع فيها، حاملاً طموحه وسط أمتعته مبحراً به إلى الغرب، وإيمانه بجملة لم يكف عنها "إن الله معنا", حتى عاد إلى وطنه ليزرع فيه ماتعلم ويجني ثمار سنين غربته عنه.

الإيمان بالنسبة له هو الله والدين هو التعايش. فكانت رئة لمآذن المساجد والأخرى لتراتيل الكنائس. اما قلبه فانشطر بالتساوي بين حب الأردن وفلسطين. كيف لا وهو وليد حبٍ نشأ في رحلة هروب بين البلدين من الحرب العالمية الأولى.


"البدوي الأبيض". هذا لقبه. الأصيل الفلاح ابن الفلاحين من نسل "آل جابر".


هو كامل، او كامر ابو جابر. او ذو الشخصية المفتوحة على الاخر حتى اخر نفس.

سياسي عاصر الكثير، واقتصادي اختبرت حنكته تجارب عدة.

مبكرا حمل راية العروبة عازفاً سمفونية السلام. وأحد رجالات الأردن ممن وضعوا بصماتهم الخاصة، ليغدو "كامل أبو جابر" أيقونة حداثة لا تتكرر.

ولد كامل أبو جابر في قرية اليادودة في عمان عام (1932), لأب مزارع وأم معلقة بالعلم والدراسة, والده ابن السلط صالح أبو جابر, ووالدته ابنة الرملة أنيسة زعرب, تعرفا على بعضهما في أوج الحرب العالمية الأولى اثناء هروب عائلاتهما من الحرب.


في الزيارة الأولى نشأت قصة الحب، واثناء هجرة اهالي السلط إلى فلسطين هربا من الإستعمار البريطاني التقت العائلتان في فلسطين وتزوج الشابان, وانجبا 8 أطفال 7 ذكور وانثيتهم الوحيدة.

كان والد كامل يفضل أن يعمل أطفاله في الزراعة لإكتساب مهارة الأجداد القرويين الذين اشتهروا بتجارة القلو والزراعة والحراثة، إلا أن والدته كانت تصر على التعليم والثقافة حتى أنها كانت تعلم ابناء الحراثين في المنطقة.

هكذا انهى أبو جابر دراسته الثانوية من مدرسة المطران عام (1951), وسافر للولايات المتحدة الأمريكية لإكمال الدراسة الجامعية في جامعة سيراكوز.

عمل فقيدنا الحاضر في عدة وظائف ليستطيع تسديد الأقساط الجامعية، فالمبلغ المالي الذي أرسله شقيقه قبيل سفره وسواري والدته اللاتي باعتهن لدفع ثمن الرحلة، لم يكفياه لأيام، ليعمل بالإضافة للدراسة كسائق تكسي، وعامل في البناء، ونادل للمطاعم.


لم يذهب ذلك سدى. عمله منحه معنى الانسان، فكان ذو قلب أينما حل.

لكن ليس هذا وحسب ما حفر عميقا في شخصيته؛ هناك شويكة عمره التي سيتلقيها أثناء عمله في احد المطاعم.

وهذه القصة بأشواقها: حضرت احدى الفتيات إلى المطعم, وعند إيصال القهوة لطاولتها امتزجت رائحة الحب بالقهوة , فالطالب النادل تعلق بالزبونة الأمريكية , وقدر لهما أن تتكلل مشاعرهما بالزواج عام (1957), فأزهرت في أرضي حبهما (ليندا ونائلة).


في عام (1965) حصل كامل أبو جابر على شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية، فعمل مدرسا في جامعة تينيسي بالولايات المتحدة الامريكية، ثم انتقل للتدريس في جامعة سميث.


عودته للوطن ولقاءه وصفي التل

لم يكن لـ "أبو جابر" أن يطيل مكوثه مغتربا، فعاد إلى موطنه.

ولم يمض وقت طويل حنى كان اجتمع بوصفي التل الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك.

اللقاء لم يكن غريبا. فالرجلان مرتبطان بعلاقات عائلية سابقة، فقد كانت تجمع الشاعر مصطفى وهبي التل والد الشهيد وصفي التل علاقة صداقة مع والد كامل.


الحق أن لقاء وصفي التل كانت احدى محطات الفقيد خلال بحثه عن وظيفة.

عام (1969) التحق ابو جابر بالجامعة الأردنية, ثم أستاذاً فيها عام (1971) وعميدا لكلية الاقتصاد والتجارة.


لم يجد ما يعبر به كامل أبو جابر عن حزنه للكارثة التي حلت بالقدس بفعل الإحتلال، الا بحلق شاربه.

هذا يمنحك مؤشر لما سيقوم به لاحقا عندما اختاره عام (1973) زيد الرفاعي ليتسلم حقيبة الاقتصاد.

ما جرى أنه رفض البقاء في الحكومة رفض لعدم مشاركة الأردن في حرب سوريا ومصر ضد الاحتلال. استقال ببساطة.

لكنه عاد واستدرك. ففي إحدى اللقاءات قال ابو جابر بأنه "يحمد الله على عدم مشاركة الأردن في تلك الحرب لأن الأردن سيخسر الضفة الشرقية، بعد أن تبين انها حرب تحريم للأمور وليست حرب تحرير كما كانوا يصفونها في تلك الأيام".

استقالة ستبعده عن الكراسي الرسمية عقدين قبل ان يختاره طاهر المصري رئيس الحكومة الأردنية آنذاك عام (1991) ليشغل منصب وزير الخارجية خلفاً لعبدالله النسور الذي قدم استقالته من الحكومة.


وفي العام ذاته بعد ما يقارب الشهر والنصف أختير وزيراً للخارجية في حكومة (زيد بن شاكر).

اثناء وجوده في حكومة المصري ترأس أبو جابر وفداً أردنياً وفلسطينياً للمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام, لإجراء مفاوضات ثنائية بين الوفدين الأردني والإسرائيلي.

يقول رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري: "كنا بحاجة لوزير خارجية يرأس الوفد الأردني الفلسطيني المشترك في مدريد, بصفات خاصة، منها إيجاد اللغة الإنجليزية والثقافة والعلم والعمق بتفهم القضية الفلسطينية فكان كامل أبو جابر الخيار الأفضل".


بحسب ما أبلغه المصري لـ"صحيفة نيسان" : "كنت أبحث عن من يشغل منصب وزير الخارجية وعند التباحث مع جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال رحب الجميع بشخصية أبو جابر, وعندما عرضت عليه المنصب قبل به، بعد الإطلاع على قرار مجلس الوزراء بالمشاركة بمؤتمر مدريد وفق أسس محددة , وهو ما شجعه للقبول بترأس الوفدين المشاركين في المفاوضات".


كان لكامل أبو جابر موقفاً لا يمحى من ذاكرةالسياسيين المعاصرين له, ففي مؤتمر مدريد ولقائه للوفد الإسرائيلي للمرة الأولى رفض أبو جابر مصافحة وتقبيل "إسحق شامير" رئيس الوفد الإسرائيلي, حيث رد حينها على السؤال عن السبب بقوله : "لو كان شامير فتاة جميلة لقبلتها", إشارة منه على بشاعة شامير.


شغل كامل أبو جابر عدة مناصب منها مدير المعهد الملكي للدراسات الدينية (RIIFS) (, رئيس المجلس الأعلى للمعلومات (2001-2002( , رئيس المعهد الدبلوماسي الأردني (1997-2001( , سناتور في مجلس الشيوخ في البرلمان الأردني (1993-1997).

لم يغب أبو جابر عن الساحة السياسية، من دون ان يكون ذا مسمى رسميا.

عام (2014) كتب ابو جابر مقالا هاجم فيه "التعنت الإسرائيلي"؟ما اغضب الاحتلال , الذي استدعى السفير الأردني لديه محتجا.


حينها قالت الإذاعة الإسرائيلية أن تل أبيب احتجت و"بشدة" على مقال نشره الوزير السابق أبو جابر في صحيفة "جوردان تايمز"، استخدم خلالها عبارات وصفتها بـ"لا سامية فظة".

عرف أبو جابر بشخصيته المعرفية وفكره المتسامح , فهو كما وصفه الدكتور صبري ربيحات بأنه أحد كنوز الأردن , وخبير البنية الإجتماعية بين شرق الأردن وفلسطين.


ومن أبرز المواقف على تمسك كامل بالأردن والتساوي في الحقوق والترابط بين أبناء البلد هو مشاركته عام (2016) في المهرجان الخطابي للحركة الإسلامية "الإخوان المسلمين" واختياره لإلقاء كلمة رئيسية في حفل الإفتتاح للإعلان عن المرشحين لمجلس النواب, حيث أكد حينها على حقهم بالمشاركة.

قبل أعوام وفي الوقت الذي عانى فيه الإخوان المسلمون من مضايقة البعض والتشديد عليهم لم يجرؤ احد على الظهور بجانبهم في الاماكن العامة الا القليل. ومن القليل ابو جابر.

عن ذلك يقول الوزير الأسبق الدكتور صبري: "الدكتور كامل أبو جابر جاء مدججا بالشعر والحكم والأحاديث النبوية ليحدث الجمهور عن أردنيتنا وخلقنا العربي والتسامح".


"في كل مرة يطل علينا أبو جابر أشعر وكأني أتناول رحيق العروبة وأشعر بعبق الإنسانية تملؤ أرجاء المكان". هذا هو ابو جابر في عين د. ربيحات وعيون الاردنيين ايضا.


ما اجمع عليه السياسيون المعاصرون لكامل أبو جابر ولسماحته وعفويته وقوته وحكمته, بأنه بدوي حداثي, عروبي محب بلا تميز لطرف على حساب الآخر, صاحب مواقف مشرفة, لم يفرق يوماً بين أحد , ذو كرم متناقل من الأجداد, وصاحب حنكة وفطنة وينبوع ثقافة في التاريخ الأردني والفلسطيني, اما هويته فهي بجنسية عربية وبديانة جميع من آمن بالله.