اتصل بنا
 

ديوان التشريع والرأي : أمام مسؤوليه تاريخيه قانون الادارة المحلية 2026 فجوات وخلل - ودولة تبحث عن استقرارها المؤسسي

نيسان ـ نشر في 2026-05-24 الساعة 15:30

نيسان ـ في اللحظات التي يُعاد فيها تشكيل العلاقة بين الدولة والإدارة المحلية، لا تصبح القوانين مجرد نصوص تنظيمية، بل تتحول إلى أدوات تعيد رسم شكل السلطة، وحدود المشاركة الشعبية، وآليات الرقابة والمساءلة. ومن هنا، فإن مسودة قانون الإدارة المحلية المطروحة اليوم لا تمثل مجرد تعديل إداري عابر، بل مشروعًا سيحدد مستقبل التنميه المحليه في الأردن لسنوات طويلة قادمة.
وفي ظل ما تتضمنه المسودة من فجوات قانونية وإدارية عميقة، فإن المسؤولية الكبرى اليوم تقع على عاتق ديوان التشريع والرأي، بوصفه الجهة التي يفترض أن تشكل خط الدفاع الأخير عن سلامة التشريع واتساقه مع الدستور ومبادئ الحوكمة الرشيدة.
لكن التحدي الحقيقي لا يقتصر فقط على معالجة بعض المواد أو إعادة الصياغة القانونية، بل يمتد إلى ضرورة التصدي لحالة التخبط التشريعي الواضحة التي أصبحت تحكم ملف الإدارة المحلية في الأردن. فهذا القانون يُعد التشريع الثالث خلال أقل من عشر سنوات، في مؤشر خطير على غياب الاستقرار التشريعي والرؤية المؤسسية طويلة المدى، وتحول التشريعات إلى مساحات مرتبطة بتغير الحكومات والأشخاص، بدل أن تكون إطارًا وطنيًا ثابتًا لبناء مؤسسات الحكم المحلي.
فالدول لا تعيد صياغة قوانين الإدارة المحلية بصورة متكررة إلا عندما تكون هناك أزمة حقيقية في فلسفة الإدارة العامة، أو عندما يصبح القانون نفسه انعكاسًا لحلول مؤقتة وشخصية، لا لسياسات دولة مستقرة. والأخطر أن الحكومات المتعاقبة ما تزال تتعامل مع الإدارة المحلية باعتبارها ملفًا إداريًا يمكن تعديله أو إعادة تشكيله وفق الظروف السياسية، لا باعتبارها أحد أعمدة الاستقرار الديمقراطي والتنمية المحلية.
ورغم كل الشعارات المرتبطة بالتحديث والتطوير والحوكمة، فإن المسودة الحالية لم تقدم أي معالجة حقيقية للمشكلات الجوهرية التي تعاني منها البلديات ومجالس المحافظات، سواء على المستوى المالي أو الإداري أو التنظيمي أو حتى الخدمي. فلا يوجد تصور واضح لمعالجة المديونية المزمنة للبلديات، ولا لإصلاح التشوهات الإدارية، ولا لإعادة هيكلة الموارد المحلية، ولا لتعزيز الكفاءة التشغيلية أو تحسين مستوى الخدمات. وكأن القانون اختار الالتفاف حول المشكلات الحقيقية بدل مواجهتها بصورة مباشرة، ولجأ بدلًا من ذلك إلى إطلاق عناوين وشعارات رنانة لا تنعكس فعليًا في النصوص القانونية أو في واقع الإدارة المحلية القائم.
بل إن ما يثير القلق بصورة أكبر هو أن المسودة قامت بتعليق معظم التفاصيل الجوهرية على أنظمة وتعليمات لاحقة لا تخضع أصلًا لرقابة مجلس النواب، ويمكن تعديلها أو تغييرها بقرارات حكومية سريعة وفي أي وقت. وهذا يشكل خطرًا بالغًا على الاستقرار التشريعي، لأنه يحول القانون إلى إطار عام هش، بينما تصبح السلطة الحقيقية بيد الأنظمة التنفيذية المتغيرة، الأمر الذي يضعف الرقابة البرلمانية ويفتح الباب أمام إدارة منظومة الحكم المحلي وفق المزاج الإداري والسياسي للحكومات المتعاقبة بدلًا من وجود قواعد قانونية مستقرة وواضحة.
ومن أبرز الإشكاليات التي تتطلب تدخلًا حقيقيًا من ديوان التشريع والرأي، استمرار غياب الوضوح في العلاقة بين المجالس المنتخبة والمجالس التنفيذية، حيث ما تزال الصلاحيات موزعة بصورة ضبابية تسمح بازدواجية القرار وتداخل المسؤوليات. فالمجالس المنتخبة تُحمّل مسؤولية تمثيل المواطنين وتحديد الأولويات، لكنها في المقابل لا تمتلك الأدوات التنفيذية أو الرقابية الكافية لضمان تنفيذ تلك الأولويات، ما يحولها عمليًا إلى أجسام استشارية أكثر منها مؤسسات ادارة محليه حقيقية.
كما أن المسودة لم تحسم بصورة واضحة العلاقة بين منظومة الإدارة المحلية ومنظومة التشكيلات الإدارية التابعة لوزارة الداخلية، الأمر الذي يخلق حالة ازدواجية مؤسسية خطيرة في الصلاحيات والأدوار.
ويزداد القلق في ظل غياب خارطة طريق واضحة تحدد كيف ستنتقل الدولة من النموذج الحالي إلى نموذج إدارة محلية أكثر استقلالية وكفاءة. فالقانون، رغم عبارته وعناوينه الكثيره الاانها فارغه من المضمون ، حيث انها لا تقدم تصورًا حقيقيًا لمراحل الإصلاح، والقانون لا يحدد آليات واضحة لبناء القدرات، أو معالجة التشوهات الإدارية، أو إعادة توزيع الصلاحيات بصورة تدريجية ومدروسة. وكأن المطلوب إعادة إنتاج المنظومة نفسها ، دون وجود رؤية متكاملة للإصلاح المؤسسي الحقيقي.
والأكثر خطورة أن بعض النصوص ما تزال تمنح السلطة التنفيذية و الوزير تحديدا صلاحيات واسعة جدًا في حل المجالس البلدية والمحلية دون وجود ضمانات قضائية كافية أو قرار محكمة مستقل، وهو أمر يمس جوهر العملية الديمقراطية نفسها. فحين تستطيع السلطة التنفيذية حل مجلس منتخب بقرار إداري، فإن ذلك يضعف قيمة الانتخابات ويجعل الإرادة الشعبية عرضة للتعطيل في أي لحظة. وتصبح المجالس المنتخبة في هذه الحالة مجرد هياكل مؤقتة يمكن إنهاء وجودها سياسيًا أو إداريًا دون حماية قانونية حقيقية.
ولا يمكن فصل ذلك عن استمرار حالة التعيينات التي تسعى لها الحكومه و التي تعكس بعقلية إدارية متخلفه، دون وجود صلاحيات واضحة للكفاءة أو المساءلة أو العدالة في التمثيل. وهو من أكثر الملفات تأثيرًا على ثقة المواطنين بالإدارة المحلية. فالتوسع في التعيين على حساب الانتخاب، واستمرار التدخلات الإدارية في تشكيل المجالس أو التأثير على استقلاليتها، يفرغ الادارة المحليه من مضمونها الحقيقي، ويعيد إنتاج النموذج القديم المتخلف بصيغ جديدة.
ورغم أن القرار السياسي النهائي يبقى بيد الحكومة، إلا أن ديوان التشريع والرأي يمتلك مسؤولية قانونية وأخلاقية في إعادة أي نصوص تشريعية تعاني من فجوات جوهرية أو تضارب في الصلاحيات أو تهديد للاستقرار المؤسسي، قبل تحويلها إلى قوانين نافذة يصعب لاحقًا معالجة آثارها , وتمنح المواطن الثقة بأن صوته الانتخابي ليس مجرد تفصيل يمكن تعطيله بقرار إداري أو تغييره بتعليمات مؤقتة.

نيسان ـ نشر في 2026-05-24 الساعة 15:30


رأي: م. رنا خلف الحجايا

الكلمات الأكثر بحثاً