مثنى غرايبة : العمل وحده يعيد ثقة الناس بالحكومات

نيسان ـ نشر في 2018/06/23 الساعة 00:00
لم يكن الحراكي الأردني مهندس الاتصالات الشاب، مثنى الغرايبة، يعلم وهو يُسطّر انتقاداته لموازنة الدولة لعام 2018، في مقالة نشرها قبل أشهر في أحد المواقع الإخبارية الأردنية، أنه سيصبح وزيرا في حكومة سيكون من واجبها أن تشرف على تنفيذ هذه الموازنة ذاتها، وأن تكون مهمتها إصلاح اختلالاتها وتأمين عجوزاتها. تساءل الغرايبة في مقالته تلك، في معرض انتقاده للحكومة “هل قامت الحكومة بذلك وهي تضع مشروع قانون الموازنة 201مثنى غرايبة لـ'العرب': العمل وحده يعيد ثقة الناس بالحكومات؟”. وكان يتحدث عن فرضية سمعها خلال محاضرة حول التنمية الاقتصادية، وما يجب فعله لينمو الاقتصاد ضمن المتغيرات العالمية. تلك المحاضرة كانت في جامعة هارفارد وكان المتحدث فيها لورنس سمرز رئيس جامعة هارفارد السابق، ووزير الخزانة الأميركية في عهد بيل كلنتون، الفرضية التي عرضها سمرز تتحدث ببساطة، حسب ما أورده الغرايبة في مقالته، عن ضرورة زيادة الإنفاق الرأسمالي، عندما ينخفض النمو الاقتصادي، عبر الإنفاق على مشروعات البنية التحتية، ما من شأنه أن يُحسّن حياة الناس ويحفز الاقتصاد على النمو. لعبة الكراسي الغرايبة بالتأكيد لم يكن يتوقع مستقبله القريب، ولو أنه توقع ذلك، أو مرّ في خاطره، لربما كان خففّ من حدة النقد، أو محّص الفكرة أكثر، وبحث في الأسباب التي حالت دون تطبيق هذا الحل المفترض والسهل نظريا، على الأقل في موازنة هذا العام، وهي تعاني الشُح المزمن الذي أصاب إيرادات مالية الدولة، وكان السبب المباشر في إسقاط حكومة الملقي، التي راحت ضحية محاولاتها تغطية العجوزات المالية بزيادة الإيرادات، عن طريق فرض أو زيادة الضرائب. إنها لعبة التداول غير المنظم أو المبرمج للسلطة، غير الخاضع للبرامجية، أو المدد الزمنية الدستورية المعلومة، حيث لا يعلم فيها الجالس على كرسي الحكم متى سينتهي دوره وأجل حكمه، ولا المعارض يعلم مواقيت محددة لاستلامه زمام الأمور، بل إن عملية الفعل ورد الفعل، وما ينتج عنهما، تشكل العامل الحاسم في تطور الأحداث، الذي يفضي في لحظة معينة، وعلى حين فجأة، إلى عملية التغيير أو الإحلال. فلا الحكومة تمتلك برامجها المتحررة من تأثير المتغيّرات، ولا المعارضة بالغة من النضج والتمكن درجة تطرح فيها مشروعها البديل، ولعل هذا ما يجعل المعارضين أكثر عرضة لهزائم فادحة إن هم تولوا إدارة مؤسسات الدولة في ظرف انتقالي معيّن، وظهر ذلك جليا في أكثر من تجربة في منطقتنا العربية، ما جعل الناس يترحمون على العهود البائدة ويأملون عودتها. كتلة نمو والمواجهة مع الإسلاميين واظب الغرايبة على حضور الفعاليات والأحداث التي اندلعت بعد إعلان مُجمّع النقابات المهنية الإضراب احتجاجا على تقديم حكومة هاني الملقي مشروع قانون جديد لضريبة الدخل، يُوسّع من الشرائح المشمولة بالتكليف، وكان من الطبيعي أن يفعل ذلك، فهو عضو ناشط في الحركات المناهضة للسياسات الحكومية منذ عام 2011، حتى أنه شارك في فعالية 24 مارس على دوّار الداخلية، في العاصمة عمّان، وأُدمي وجهه، نتيجة قيام بعض المعارضين للحراك من جماعات الموالاة برمي المحتجين بالحجارة. يعرف الغرايبة بنشاطه في نقابة المهندسين المنضوية في تجمع النقابات المهنية والتي كان مجلس نقبائها يدير الحراك ضد مشروعي قانوني الضريبة والخدمة المدنية. وهو أيضا من كتلة “نمو” التي حققت نصرا كاسحا على التيار الإخواني في نقابة المهندسين قبل أشهر قليلة. الكثير من المتابعين يسندون الفضل إلى تيار نمو الذي ينتمي اليه الغرايبة في العودة القوية لحضور المهندسين في النضالات المطلبية المحلية، بينما اقتصرت نشاطات نقابتهم، طوال أكثر من عشرين سنة ماضية، على العناوين السياسية الخارجية، ولم تول الشأن الأردني الداخلي الاهتمام المناسب. اللافت للانتباه، أن أكثر من وزير في الحكومة الجديدة، حكومة عمر الرزاز، كانوا من ضمن الموجودين على الدوار الرابع، في ليالي الاحتجاج الرمضانية التي أطاحت حكومة الملقي، وهذه تكاد تكون من المرات القليلة في تأريخ السياسة الأردنية، التي يدخل فيها لاعبون معارضون مباشرون في دور التصفيات الكبيرة النهائية، التي كانت غالبا ما تذهب الحلول فيها إلى صيغ تمثيلية تُقرب مَنْ هم في محيط الطبقة السياسية من الذين يمتلكون خبراتها وخطابها ليكونوا ممثلين للتلاوين المعارضة الأبعد عن دوائر الولاء الكلاسيكية. صالونات السياسة ولحظة الصدمة عندما نقول إن هؤلاء الوزراء كانوا موجودين على الدوار الرابع، فإننا حتما نقصد وجودهم في الساحات المقابلة لدار رئاسة الوزراء، التي كانت مسرحا للاحتجاج والهتاف ضد سياسات الحكومة، لكن هؤلاء باتوا اليوم في قلب دار الحكومة، يحكمون ويرسمون، أو في أقل تقدير، يناقشون هذه السياسات التي كانوا يحتجون ضدها، فسبحان مغيّر الأحوال. حال يُمسي فيها السياسي معارضا ليصبح في يومه التالي راسما للسياسات. كيف تعاطى شارع السياسة الأردنية مع خبر تكليف الغرايبة بحمل حقيبة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات؟ ببساطة، كانت الصدمة الكبيرة هي الأثر البادي على مستويات سياسية مختلفة، سواء من دائرة الولاء أو المعارضة، والمحافظين والليبراليين. ففي عمّان تتموضع مجموعة من الشخصيات في صالونات سياسية كان قد ازدهر نشاطها نتيجة غياب الأحزاب ودورها في الحياة السياسية، والصالونات عبارة عن حلقات من الأشخاص والجهات التي تدور في فلك شخصية، أو فعالية سياسية معيّنة، يقودها، في الأغلب، سياسي متقاعد “مؤهل” لتشكيل الحكومة في يوم ما. آلية عمل هذه الصالونات بسيطة وبدائية إلى أبعد الحدود، فهي تتابع الأخبار وتبني الاستنتاجات وتحيك المؤامرات ضد الحكومة العاملة، وتتقرب من الشخصيات المرشحة للحقبة الجديدة أو تحاربها من خلال النبش في تاريخها أو ترويج الإشاعات ضدها، الأمر يتوقف على حسب توقعاتها للمكاسب، وهذا ما حصل تجاه حكومة الرزاز بالضبط، فبعد أن أنهت الحكومة تشكيلتها بدأ قصفها، هذ برغم أنها خضعت بتشكيلها لضغوط هذه المراكز وغيرها، ومع أنها أعطت حصصا كبيرة من مقاعد تشكيلتها، بعضها لهذه المراكز، لكنها وبرغم تنازلاتها الكثيرة لم تستطع أن تلبي رغبة الجهات الطامعة كلها. وهذا ما جعلها هدفا لنيران الأصدقاء قبل الأعداء، ومقصدا لعمليات قصف سياسي من مختلف مراكز القوى، كانت الحجة الأبرز لبعض الجهات على الحكومة؛ أنه كيف ضمت في فريقها معارضا كان ينادي بإسقاط النظام؟ وبدأت عمليات التشهير والدسائس والترويج ضد الوزير الغرايبة شخصيا، كما لم يسلَم منها وزراء آخرون في التشكيلة نفسها، بما يمكن وصفه بأنه إذكاء صريح لخطاب كراهية تمّ إشهاره ضد المعارضين للسياسات الحكومية، واعتبار حق ممارسة السياسة عمليا هو حكر وحق حصري لجناح معين، مع أن هذا الجناح ظل مدّاحا، وظيفته، فقط، كيل عبارات الولاء، واستمرأ ذلك على مدى العقود الماضية، من دون أن يقدم نقدا أو حلولا أو مقترحات، كان يمكن لها، لو تمّت بشكلها الصحيح بدلا من إدعاء الحكمة بأثر رجعي، أن تُجنب البلاد كل ما يواجهها من هذه الإشكالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لعلّ هذا من الأمور الطبيعية في بلادنا، ويرتقي إلى رتبة التقاليد المشوهة الراسخة في السياسة، فتقسيم العمل السياسي يتم عبر المحاصصات الجهوية، حتى في ظل الانتخابات البرلمانية، والتي جرت في بلدان عربية قليلة، حيث لا يمكن لها أن تفرز رغبات القواعد إلّا إلى مستوى معيّن، لا تتجاوزه إلّا على أساس تحاصصات الجهات المتناثرة والمتخاصمة والتي تمارس المغالبة بشكلها البدائي، حتى بالبنود التي لا تستقيم إلا بالتوافق. وأكثر ما أبدعت هذه العقلية المخربة فكرة الثلث المعطل، بدل أن تخلق آليات تنتقل بعمليات التمثيل السياسي من مستوى المحاصصات المثبطة للوحدة الوطنية إلى مستويات العمل على بناء التوافقات السياسية الجامعة المنتجة، ولعلها هي ذاتها التي تؤخر، حتى هذه اللحظة، تشكيل الحكومات بعد الانتخابات النيابية التي جرت مؤخرا في العراق ولبنان. الواقع والتحديات كانت هذه المدرسة حاضرة في عمّان بقوة، ويتم تشغيلها الآن للتعطيل، برغم أن الحكومة المُشكّلة لم تلب الطموحات التي كانت ترنو إليها الغالبية العظمى من الجموع التي نزلت إلى الشوارع والساحات، وبرغم أن الحكومة جديدة، وجاءت على أنقاض سابقتها صاحبة السجل غير الشعبي، لكنها متهمة بأنها حكومة تعديلية فقط، ودليل أصحاب هذا الرأي عودة سبعة عشر وزيرا ضمن تشكيلتها ممن عملوا في حكومة الملقي، ما يعزز المخاوف من أنها ستستمر بالسياسات ذاتها، ولن تحقق المأمول منها. ربما يكون فريق الرزاز قد تمكن فعليا من تجاوز آثار الرفض والشعور بالخيبة التي واجهت الحكومة من الشارع فور إعلان تشكيلتها، تحت مظلة إعطاء الفرصة للرزاز ليدير طاقمه وفق نهج جديد يُصلح آثار النهج السابق، ولم يبق أمام هذا الفريق إلا معركة واحدة، وهي الحصول على ثقة مجلس النواب، وهذا الاستحقاق الدستوري يخضع لمعايير كثيرة، سهلة وصعبة في الآن ذاته، ويفترض أن الرزاز يحظى بالرعاية من المرجعيات العليا المتعهدة بتمرير هذه المرحلة وتأمين الأجواء الكفيلة بإعطاء الفرصة لحكومته لتنفذ برنامجها الإصلاحي. لكن هناك بعض الأصوات النيابية والرسمية التي أعلت من صخبها في الأيام الماضية، مُشككة بكفاءة الوزير الغرايبة، المولود عام 1980، من جهة، ومن جهة ثانية مثيرة استهجانها واستنكارها للوزارة التي عينته برغم ماضيه المعارض للسياسات الحكومية، وبما أنها أصوات فردية، ومن لون معيّن، فلن يستعصي أمرها طويلا على مراكز القرار، فهناك مستويات سياسية وازنة معنية بتمرير الحكومة من هذه المآزق المتوقعة. تبقى التحديات الحقيقية ماثلة بعناد أمام الغرايبة، وهو يتولى هذه الوزارة المهمة، وزيرا للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. خصوصا وأن العالم يمر بأقوى ثورة للاتصال، فهذه الوزارة تشرف الآن على بوابات المستقبل وثغوره، التي يمكن العبور من خلالها لحل المشكلات التي تواجه قطاعات واسعة من الشباب والأجيال القادمة. ولسنا بحاجة إلى الشرح المطوّل عن دور الاقتصاد المعرفي في صناعة المستقبل، خصوصا في بلد مثل الأردن، لا يعتمد اقتصاده على الموارد الطبيعية، وكل استثماراته وُجهت، خلال العقود الماضية، للتنمية البشرية والتركيز على قطاع التعليم. هذا إضافة إلى ما تشكله الوزارة من أهمية في مجال إيرادات خزينة الدولة، فحجم الهدر والتهرب الواقع والمُنتج تحت رعاية الإدارات المتعاقبة على هذه الوزارة كان كبيرا في الحقب الماضية، ويكفي أن نتذكر كيف أنه تمّ التهاون في منح الرخص لشركات الاتصالات الخلوية، ما ضيّع على الخزينة العديد من مليارات الدولارات التي باتت تندرج ضمن قوائم المديونية المثقلة لكاهل المالية العامة للدولة، عدا عن أن الجهات التي حصلت على هذه التراخيص ضمن سياسة التنفيعات قامت ببيعها تحت غطاء استقطاب الاستثمارات لشركات أجنبية استطاعت أن تحوّل على مدار السنوات الماضية عشرات المليارت من أرباح هذه الشركات إلى الخارج، من دون أن تقدم أي قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، بل إن ما جرى على العكس من ذلك تماما. لقد تسلم الغرايبة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وهو متخصص في مجال الاتصالات، ويحمل شهادة بكالوريوس في هندسة الاتصالات، فقد استهجن انتشار خبر مفاده أنه لا يحمل شهادة الهندسة، ولا أي خبرة تؤهله للعمل في هذا القطاع، مؤكدا أنه خرّيج كلية الحجاوي بجامعة اليرموك سنة 2003 في هندسة الاتصالات، وله خبرة عملية جيدة في هذا القطاع، حيث عمل مديرا لمكتب شركة إريكسون العالمية في الأردن، وكان مسؤولا عن مشروعات التحوّل الرقمي وتحديث البنية الرقمية في شركات الاتصالات، كما أدار التوسعة الرقمية في الريف السوري من خلال شركة إريكسون عام 2008، ونفذ العديد من المشروعات الصغيرة في العراق ولبنان ومصر وقبرص وأفغانستان، إضافة إلى إطلاق شبكة النورس للاتصالات في سلطنة عُمان. قبل أيام قليلة قال الغرايبة لمنتقديه “انتظروا قبل أن تنتقدوا عملي، قوّموا أدائي، ولا تنشغلوا بالحديث عن خصوصياتي الأسرية”، في رده على النبش في خصوصياته التي لا تختلف عن خصوصيات أي مواطن أردني، لكن مجرد تلاقفها كمعلومات تلبي شراهة وتشوّق الشارع للفضائح السياسية، يجعل منها مواد سريعة الانتشار، مع أنها إما غير مدققة وإما ليس لها أي بعد فضائحي، لكن ليس أسهل من أن تشتعل بها مواقع التواصل الاجتماعي، ويطير بها الذباب الإلكتروني في كل اتجاه. لكن الغرايبة أكد في اتصال هاتفي مباشر أجرته “العرب” أنه يستوعب أسباب هذه الحالة، فمردها الأهم والأساس انهيار الثقة الشعبية بمؤسسات وشخصيات الدولة، وهذا ما يشكل بيئة حاضنة لتفشي هذه الحالة العدائية تجاه أي مسؤول حكومي، وأن العمل الجاد الناجح وحده الكفيل بالقضاء على هذه الظاهرة وبترها من جذورها. محمد قبيلات.. العرب
    نيسان ـ نشر في 2018/06/23 الساعة 00:00