د. رحيل غرايبة يكتب: اسحق الفرحان رمز تنويري قيمي أصيل

نيسان ـ نشر في 2018/07/08 الساعة 00:00
د. رحيل محمد غرايبة
كنا دائماً بين منهجين متصارعين في عصر الانحطاط والتخلف العربي. منهج يقاوم التطوير ويقف حجر عثرة أمام التحديث وتحسين أساليب الحياة بالعلم والمعرفة والاستفادة من كل تجارب الشعوب والأمم المتقدمة بحجة المحافظة على الدين والأخلاق والتراث والتاريخ، ويقابله منهج آخر تغريبي يدعو إلى التنوير والتحديث والتطوير والانسلاخ من الماضي والتمرد على قيود الدين والتراث ومخلفات العصور الظلامية المتحجرة، ويرى اصحاب هذا المنهج انه لا سبيل للتقدم الاّ بأخذ الحضارة الغربية كلها بعجرها وبجرها، وبقيمها ومعاييرها مضمونا وشكلاً وهدفاً ووسيلة، وبقي صوت أتباع المنهجين أو المدرستين عالياً ويحدث ضجيجاً يملاً الآفاق ويشعلها حرباً ضروساً طويلة وممتدة، ويتم الاستعانة بكل ما عرفته البشرية من وسائل التشويه والاغتيال المتبادل بين اتباع المنهجين، والمبالغة في خلع الأوصاف والاتهامات المغرقة بالتعصب والمشبعة بالحقد والكراهية إلى درجة شرعنة المواجهة القائمة على الإقصاء والإبعاد والافناء ولو أدى ذلك إلى حمل السلاح وتسعير الحرب.
ظهر منهج آخر ومدرسة أخرى وسط هذا الصراع العدمي، يقول بضرورة التطوير والتحسين وخوض سباق التقدم والتحضر مع كل الشعوب والأمم دون الانسلاخ من الدين والهوية والتراث والثقافة ، ودون التخلي عن منظومة القيم النبيلة الأصيلة، وكان الدكتور اسحق الفرحان أحد رواد هذه المدرسةفي العصر الحاضر وله كتاب في هذا السياق تحت عنوان التربية الاسلامية بين الأصالة والمعاصرة، فالدكتور اسحق كان حرباً على البلادة الذهنية وحرباً على التخلف والرجعية، وحرباً على الجمود والعجز والكسل العقلي والبدني ، وفي الوقت نفسه كان حرباً على التقليد الأعمى للغرب، وحرباً على دعاة الانسلاخ من القيم والأخلاق، وحرباً على دعاة الرذيلة والتحلل من الالتزام بالأداب والاحتشام والسلوك الرفيع والخلق القويم ونهج في ذلك منهجاً وسطا واضحاً وحاسماً وناجحاً، وحقق ومن معه انتصاراً شعبياً جارفاً، رغم اولئك الذين لايستطيعون الرؤية الاّ بعين واحدة رمداء، ولايعرفون الاّ الزوايا المظلمة ولايتقنون الاّ الرمّي بسهام الاتهام والقذف.
ومن هنا فقد وجد الدكتور الفرحان الحرب الضروس من أصحاب المدرستين المتخاصمتين، فهناك من يحاربه تحت ستار الدين والمحافظة عبر التشدد المفضي إلى الانغلاق المقيت، وهناك من يحاربه تحت ستار التنوير والتحديث المنفلت، وكلاهما يتبع منهجاً مغلوطا ولا يتسم بالعلمية ولا الموضوعية ولا النقد المنصف والؤية الحصيفة .
نحن ما زلنا بحاجة إلى ترسيخ أصول المدرسة الوسطية الثالثة، بعيداً عن التخلف المتلفع بأردية الدين، وبعيداً عن التخلف المتلفع بأغطية العلمنة والتحديث المنفلت ، ولذلك لابد من نشر مفاهيم الدين الصحيحة التي تدعو الى التحضر والتقدم عبر العلم والمعرفة ويقوم على احترام العقل واحترام الارادة البشرية وصيانة الكرامة الانسانية وحفظ الحرية المقدسة، التي تم ترسيخها عبر مجموعة آيات محكمة : ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ )
والأية: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) والأية: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ ) والآية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) والآية : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ).
نحن أيها الناس جميعاً، أيها المختلفون عقيدة ومذهبا وفكرا ومنهجا بحاجة إلى إطار واحد واسع يجمعنا رغم اختلافنا، ويحترم فيه بعضناً بعضاً ونعمل على رفعة وطننا وحفظ مقدراتنا وتنمية ثرواتنا واحترام عقولنا وكرامتنا وحرياتنا ، وامتلاك القدرة على اختيلر القوي الأمين الذي يجعلنا جميعاً في مسار التقدم والتحضر الانساني والتنوير العقلي والتحرر الوجداني ، ويحفظ هويتنا واثقافتنا واصالتنا الذاتية بعيداً عن معارك داحس والغبراء وحروب التنابز بالالقاب واثارة نوازع الحقد والكراهية التي تديم المواجهة الداخلية المدمّرة وتحرق الاخضر واليابس وتديم التخلف والتبعية .
    نيسان ـ نشر في 2018/07/08 الساعة 00:00