فائض التنظير السياسي في رمضان

د. زيد النوايسة
نيسان ـ نشر في 2019/05/23 الساعة 00:00
على خلاف شھر رمضان في العام الماضي الذي شھد حراكاً احتجاجیاً أطاح بحكومة الدكتور ھاني الملقي یغیب حراك الدوار الرابع لغیاب الأسباب المباشرة التي تحاول حكومة الرزاز تجنبھا.
ولكن یحضر حراك مختلف ھذه المرة تمیزه التصریحات الیومیة لمجموعة من الشخصیات السیاسیة سواء المتقاعدة أو العاملة من خلال المشاركة في معظم السھرات الرمضانیة التي تقیمھا مؤسسات المجتمع المدني الممولة من المساعدات التي تقدم للأردن تحت مسمیات التمكین السیاسي وتمكین الشباب والمرأة والدیمقراطیة.
ولكن یبدو أن توظیفھا یكون في اتجاه آخر، أو المقابلات التلفزیونیة التي یقدم فیھا معظم الذین تربعوا على دفة قیادة العمل الحكومي لما یقارب الخمسة عقود جردة حساب لإنجازاتھم التي یغیب عنھا الاعتراف ولو بخطأ اداري بسیط أثناء مسیرتھم.
لیس محظوراً الحدیث في السیاسة فھي لا تحتاج لمؤھلات وھو ما یمیز الشعب الأردني على اختلاف مستویاتھ الثقافیة والسیاسیة خاصة في زمن التواصل الاجتماعي الذي أسقط كل الضوابط والحدود. اللافت ھنا أن التصریحات السیاسیة ھذا العام فیھا إسھاب في توصیف مجمل المشاكل والتحدیات التي یعیشھا الأردن دون تقدیم حلول منتجة، ودون الاعتراف بتحمل المسؤولیة عن مآلات المشھد الأردني.
فمن یستمع لأحادیث بعضھم وھم یشخصون الحالة الأردنیة ویقدمون توصیفا لأزمتنا وخاصة في إدارة الدولة یسأل نفسھ سؤالاً بسیطاً ھل الذین أداروا الدولة على الأقل خلال الخمسة عقود الأخیرة مخلوقات من كوكب آخر؟! ولا أعرف إذا كان ھؤلاء یتابعون ردود فعل الناس على مواقع التواصل الاجتماعي التي تثبت أن حجم انعدام الثقة فیھم وفي المنظومة السیاسیة تجاوز حدود رفض ما یقولون للسخریة اللاذعة والحادة والشعور بالخیبة.
في العالم ینصرف السیاسي المتقاعد أو من غادر موقعھ إلى كتابة تجربتھ السیاسیة والانجازات التي حققھا، فمنھم من یؤسس مركزاً للدراسات الاستراتیجیة، أو یلتحق بمعاھد وجامعات عریقة للعمل كمحاضر، أو الكتابة في صحف ومجلات سیاسیة متخصصة، تاركاً للناس والتاریخ تقییم تجربتھ بموضوعیة بعیدا عن سلطة الموقع السیاسي التي قد تفرض على الأخرین ممالأتھ والنفاق لھ، لكن الحالة في بلادنا مختلفة كلیاً فلا أحد یؤمن بالتقاعد لأن التجارب تثبت أن فكرة إعادة إنتاج الشخصیات حتى لو طواھا النسیان والزمن ولم تعد مناسبة للمرحلة تبقى واردة وھذ مفارقة مدھشة في عقل الدولة التي تباھي بأنھا ترید تمكین الشباب لیتقدموا لإدارة بلادھم على ما نسمع كل یوم وممارستھا الفعلیة!!
تصر ھذه الطبقة من المسؤولین على اختصار الأردن بعمان ومجتمعھا والحدیث لنخبھا وھذا ینسحب على الحكومة نفسھا التي لا تحبذ الحدیث للناس في المحافظات، وتتسابق للتواصل مع فعالیات منظمات التمویل الأجنبي والاستجابة لدعواتھا، وتتعامل معھا وكأنھا صاحبة رأي وتمثیل سیاسي یجب أن یؤخذ بھ على حساب من یملكون صیغة تمثیلیة حقیقة وما جرى خلال الأیام الأخیرة من تجاوز على نقابة الصحفیین في قضیة توقیف مالك قناة فضائیة ومقدمة برنامج تلفزیوني من ناحیة التواصل مع مركز تمویل أجنبي دلیل على طریقة تفكیر الحكومة وھو ما ینسحب للأسف على معظم من یسمى نخب سیاسیة التي لا ترید أن تعترف بفشلھا وبمسؤولیتھا وھناك من یصر من المجتمع نفسھ على توفیر منابر ومنصات لھم للتعبیر والتنظیر الفائض عن الحاجة والذي لم یعد مقبولاً لبلد قد یواجھ تحدیات كبیرة في قادم الأیام، فمشكلتنا لیست فقط في الاستھداف الخارجي بل في استمرار حالة الإنكار واستغفال الناس.
باختصار المشھد كاریكاتوري ساخر وبدلاً من فائض التنظیر المطلوب شجاعة الاعتراف بتحمل مسؤولیة الأخطاء.
الغد
    نيسان ـ نشر في 2019/05/23 الساعة 00:00