الكشف عن 50 ألف نقش أثري في'الحرة الأردنية' تعود للقرون الميلادية الأولى

نيسان ـ نشر في 2019/07/06 الساعة 00:00
لم تكن رحلة عادية .. بل كانت رحلة فريدة الى الصحراء الأردنية في الشمال الشرقي، حيث الجفاف والحجارة السوداء راهنا، فإذا هي عبر البحث والاستقراء والتنقيب جنة معرفية تنبئ عن مكنونات غنية متعددة تمثلت بنقوش لغوية منقوشة على أسطح الحجارة السوداء، تتحدث عن خصوصية الانسان والمكان وعمق الزمان وتعدد الحضارات .
وبعد رحلة ساعات طويلة وسط حرارة عالية برفقة باحثين من جامعة اكسفورد بإشراف اردني بامتياز يترأسه الباحث الدكتور علي المناصير لترصد بالقلم والصورة تفاصيل الحياة الاثرية في المكان وترصد عمليات المسح والاكتشاف .
كتابات الحرة
أعداد جديدة من النقوش العربية الشمالية التي تعرف بنقوش «الحرَّة الأردنية» نسبة إلى الحرَّة في البادية الشمالية الشرقية الأردنية، أو النقوش الصفوية نسبة إلى منطقة الصفا والعائدة إلى فترات ما قبل الإسلام من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن الثاني بعد الميلاد، وهي نقوش على الحجارة البازلتية البركانية، وتجمع النقوش بين الكتابات والرسومات كشف عنها المسح الاثري في المنطقة التي تبلغ مساحتها 12 الف كم مربع .
نصوص كتابات الحرة أو كتابات البادية أو الكتابات الصفوية التي تركها عرب ما قبل الإسلام في مناطق البادية والحرات الأردنية على طول وادي السرحان المختلطة بالنقوش الثمودية في منطقة شمالي الحجاز التي اصطلح على تسميتها بالنقوش الصفوية اضافة الى نقوش تدمري, نبطي يوناني, عربي شمالي (صفوي ثمودي ) ,سرياني ,ارامي ,حوراني ,عربي مبكر (اسلامي) , ايوبي ,مملوكي ,عربي حديث والاف من الرسوم الصخرية.
يوضح مستشار وزير السياحة مدير المشروع الوطني لتوثيق النقوش والكتابات في الاردن الباحث الدكتور علي المناصير أن نبش نصوص البادية واستنطاقها يرسم ملامح الفعل الحياتي اليومي والمجتمعي عند عرب البادية أصحاب هذه النقوش، فقد بدت سيرة المرض والألم والحزن واحدة من معكوسات قسوة الحياة عبر قرون وجود أصحاب هذه النصوص.. وهي مؤشرات تنبش وجدان المجتمعات العربية تجاه الموت والفراق والحزن والمرض، وقد يكون هذ المشهد سمة طاغية في مجتمع متنقل يبحث عن سبل العيش القليلة التي يتحتم عليه تقاسمها مع غيره من قبائل العرب.
نقوش صفوية
وتشكل تلك النقوش وثائق كتبها العرب القدماء في شؤون حياتهم اليومية والذاتية كما تكشف عن بعض جوانب الحياة وأنساقها الدينية والاجتماعية والقبلية السياسية وعلاقة العرب الصفويين مع بعضهم بعضًا ومع غيرهم من قبائل وممالك العرب مثل الثموديين والأنباط ومع غيرهم من الشعوب مثل: الرومان والفرس وغيرهما.
ولفت إلى أهمية قراءة النصوص النقوشية مثل سواها من الموروثات الكتابية عبر فهم بيئة النص وطبيعته من جهة، وهويته الزمنية والمكانية من جهة أخرى.
خريطة التراث العالمي
وضع «الحرة الأردنية» على خريطة التراث العالمي ضمن المشروع الوطني النقوش والكتابات أحد أهم المشاريع التي أطلقتها وزارة السياحة لاكتشاف التراث بالطرق العلمية الحديثة.
ويهدف إلى وضع الحرة الأردنية على قائمة التراث العالمي لليونسكو باعتبارها احد اهم مناطق الإنسانية التي تضم تراثا ثقافيا كتابيا يزيد عن مئة الف .
وتمكن فريق البحث من مسح واكتشاف 50 ألف نقش حتى الان تعود الى القرون الميلادية الأولى وتعبر عن ثقافة المنطقة وعلاقتها مع الحضارات التي كانت سائدة آنذاك .
نقوش ورسوم قيمتها ثقافية
يؤكد الباحث الدكتور المناصير ان النقوش المكتشفة والرسوم تشير الى معطيات حضارية وقيمتها تتمثل بالارث التاريخي والثقافي للمنطقة وليست لها اي قيمة مادية تجسدت عبر نقوش وصور ترسم ملامح الفعل الحياتي اليومي والمجتمعي عند عرب البادية .
بيوت تراثية
تعود المباني التراثية الواقعة عند مدخل بلدة الصفاوي الى بدايات القرن العشرين فترة الانتداب البريطاني حيث تم بناء مباني الخدمات والسكن في تلك الفترة لخدمة القائمين على خط البترول المار من هناك وتتعدد استخدامات تلك المباني اضافة للسكن الى مرافق للخدمات مثل: مخبز وسجن وصفوف تدريس ومحلات تجارية وسينما وغيرها .
كما يضم الموقع محطة لاعادة ضخ النفط عبر خط البترول (H5,كركوك, حيفا) وهي احد الامثلة على الهامة على التراث الصناعي ويوثق مرحلة هامة من تاريخ الاردن السياسي الاقتصادي وذات اهمية لاهالي المنطقة بشكل خاص .
وقال تم اعادة استخدام المنطقة من قبل القوات المسلحة ووزارة التربية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ثم استخدامها من قبل الجمعية الملكية لابحاث وتطوير وتنمية البادية .
وقد وافقت القوات المسلحة مطلع العام الجاري على نقل ملكية الموقع الى وزارة السياحة لغايات ترميمه لدعم ملف الحرة على خريطة السياحة العالمية .
قرية سياحية
وضمن الخطة المستقبلية لتطوير وتاهيل منطقة الصفاوي بما يتواءم مع وضع الحرة الاردنية على قائمة التراث العالمي اجتمعت اللجنة الفنية التي شكلتها وزارة السياحة في ايار الماضي لدراسة وتقييم المباني التراثية في بلدة الصفاوي مع المجتمع المحلي لبحث الية تشغيل المباني بهدف تنمية المجتمع المحلي واحياء تراث منطقة الصفاوي وتوفير فرص عمل لاهل المنطقة .
وتضمنت الخطة صيانة وتاهيل المباني التراثية وتحويلها الى مشاريع تنموية سياحية والى قرية سياحية متكاملة ينطلق منها السائح الى منطقة الحرة والمواقع الاثرية المجاورة، كما انها تشكل بيئة استقرار متكاملة للوفود والبعثات العاملة في المنطقة .
يضاف اليها اقامة متحف للنقوش الاثرية مع قاعة بيانات الى جانب ربط العناصر الطبيعية الهامة مثل المياه المعدنية والنباتات الطبية وغيرها بتجربة زائر المنطقة المتكاملة .
واقامة مشاريع تدريب تنموية للمجتمع المحلي لحماية تراث المنطقة من نحت حجر البازلت مشروع صناعة الادوات الفخارية ومشاريع تتعلق بالصوف الطبيعي وتصنيعه الخياطة والاعشاب الطبية وادوات حياة البداوة التراثية وغيرها .
ومشروع ترميم وفتح بئر المياه الكبريتية الحارة بحيث يصبح تابع للنزل السياحي .
واستخدام المباني الحديثة السكنية الموجودة في الموقع كسكن للاسر العفيفة او للعسكريين والموظفين العاملين في المنطقة وتاجيرها لهم باسعار مناسبة او تحويلها الى مهاجع سكنية للزوار والسياح لخدمة الموقع والمكون من 30 شقة سكنية .
المجتمع المحلي
تفاعل المجتمع المحلي في بلدة الصفاوي مع القيمة التاريخية لمنطقتهم عبر حرصهم على حماية المنطقة الاثرية وتأهيليها والسعي نحو مشروع سياحي تنموي بالتعاون مع الحكومة يهدف الى إشراك المجتمع المحلي بنسبة 50 % من بناء المشروع حتى يتحمل جزءا من المسؤولية وبالتالي المساهمة في استدامة المشروع والحفاظ عليه فضلا على إيجاد منتج محلي أصيل وبالتالي تشجيع الإنتاج المحلي .
اقدم سينما في الاردن
ضمت مرافق الخدمات في منطقة المباني الاثرية سينما عثر عليها فريق البحث الاردني وثقت بدار السينما الأقدم في تاريخ دور العرض السينمائي بالأردن.
وقال الدكتور المناصير ان دار السينما بناها الأردنيين في عهد الانتداب البريطاني بالمنطقة، وذلك خلال الأعوام 1933- 1934، حيث صُممت آنذاك على الطريقة البريطانية.
وأضاف أنها شيدت بأيادي أردنية وتصميم انجليزي ويمكن استغلال هذه السينما ضمن الخطة الشاملة التي وضعتها وزارة السياحة والآثار لدراسة وتوثيق المواقع الأثرية ومتعلقاتها في الاردن من خلال تطوير السينما لإعادة احيائها من جديد.
الباحث حمد الشرفات
احد المقيمن في بلدة الصفاوي وصاحب المبادرة الباحث حمد الشرفات حرص على حماية الموقع الاثري في الصفاوي وتنمية المنطقة عبر طرح 10مشاريع تنموية تتعلق بالسياحة وحماية المباني وترميم السينما المرتبطة ارتباطا وثيقا بحضارة الاردن بحسب الشرفات . وتابع الشرفات قائلا « ان التجمع السكاني التراثي يعد أفضل مبنى تراثي في العالم يعود إنشاؤه إلى عام 1934 عندما بدئ بإنشاء طريق بغداد .. المَفرق.
وبين ان تصميم المبنى جاء بتقنية معمارية مميزة وتصميم فني أدى إلى فوزه بالعديد من الجوائز العالمية للمباني التراثية ورغم اقتراب ذكرى مئوية بنائه، إلا أنه لا يزال صامدًا وبحالة إنشائية ممتازة بسبب صلابة صخور البازلت المشذب والجميل الذي بني منه ويمثل حقبة رائعة وتاريخا تراثيا من جماليات الأردن.
وقال الشرفات،إن محطة الصفاوي كانت و ما زالت تحتوي على الفرن الذي يعود تاريخه لعام 1934 و السجن الذي يعود تاريخه لعام 1934 و السينما التي يعود تاريخها لعام 1934 والمدرسة التي يعود تاريخها لعام 1952 اضافة الى غرفة الموتى والهناجر.
المشروع الوطني لتوثيق النقوش والكتابات
وحول المشروع الوطني لتوثيق النقوش والكتابات في الاردن ، قال مدير المشروع الدكتور المناصير ان المشروع يهدف إلى توثيق النقوش المدونة على الصخور في جميع مناطق المملكة ، باستخدام أحدث التكنولوجيا والطرق العلمية والوصول الى رقمنة الآثار في إطار السعي إلى تسجيل كافة النقوش والكتابات نظرا لأهميتها التاريخية والأثرية، فضلا عن كونها تقع في مناطق صحراوية جدباء ونائية يصعب الوصول إليها ودراستها بصفة مستمرة ويعد مركز الحصن للدراسات والبحوث –ابو ظبي – شريك اساس في اعمال المشروع .
واضاف الدكتور المناصير ، إنه جرى استحداث قاعدة بيانات جديدة خاصة بتسجيل النقوش وربطها بصور فائقة الجودة، ووضع إحداثيات على خرائط خاصة بالموقع الأثري لكل نقش ورسوم ابتداءا من الحرة الاردنية التي تعد موطنا حيويا للعديد من الثقافات في فترة ما قبل الإسلام ، ولا تزال نقوشها ومخطوطاتها وآثارها الباقية تشكّل المصدر الرئيس لتوثيق وتأريخ هذا الجزء من الشرق الأوسط.
ولفت الى جهود مستمرة نحو إعداد الخطط والبرامج التطويرية لزيادة الاهتمام بعلم النقوش وبث الوعي المجتمعي حياله لارتباطه المباشر بالهوية الوطنية وتوثيق التاريخ الحضاري بالمملكة.
« الحرة والصفاوي « مدخل مهم الى السياحة التعليمية
تعتبر منطقة الحرة الاردنية والصافوي مدخل مهم وحيوي الى السياحة التعليمية في الاردن الذي من أرقى أنواع التعليم وأكفأه في المنطقة العربية حيث أصبح عاملاً من عوامل النمو الاقتصادي الناتج عن تراكم رأس المال البشري والمادي القائم على الابداع والتطور وعاملاً من عوامل رفد وتعزيز الاقتصاد الوطني حيث تلعب دوراً مهماً في زيادة الدخل للقطاع السياحي بحسب الدكتور المناصير.
واضاف تتطلع خطة تطوير الصفاوي السياحية الى جعلها مسارا سياحيا تعليميا يقصده الباحثين والمهتمين وطلبة العلم عبر زيارتهم الى الحرة الاردنية ورحلتهم السياحية التعليمية ابتداءً من حرة الاردن والمنتهية في القرية السياحية .
الدستور
    نيسان ـ نشر في 2019/07/06 الساعة 00:00