التعليم المنزلي بين تنمية المهارات والحصول على الشهادات
نيسان ـ نشر في 2015/07/25 الساعة 00:00
لم تقف الحكمة التي اشتهر بها الروائي الأمريكي جورج سانتايانا في القرن التاسع عشر التي تقول "الطفل الذي اقتصر تعليمه على المدرسة هو طفل لم يتعلم"، عند حدود الزمان والمكان، بل أخذت المقولة بالانتشار في العالم.
وذاع صدى تلك الحكمة في العالم العربي في الآونة الأخيرة بين الأمهات الشابات، اللواتي بدأن يروجن لفكرة "التعليم المنزلي"، اللاتي يحاولن من خلاله الهروب من مشكلات التعليم النظامي في العالم العربي، والبحث عن المهارات والسمات الشخصية لأطفالهن وتنميتها.
- مميزات التعليم المنزلي
ويختلف التعليم المنزلي عن نظيره النظامي في أمور عدة؛ كون الأول يتمركز حول الطفل ومهاراته، ويتمتع بمرونه فائقة في التوقيت والمكان فمقره الرئيسي المنزل، ولا يكون لمدة طويله فغالباً ما تقتصر مدته على ساعتين في صباح اليوم.
ويستند التعليم المنزلي في الأساس على "منطق الطفل" وحاجته ودوافعه واهتماماته التي تختلف من طفل إلى آخر، كما يعتمد ذلك النمط من التعليم على تواجد الطفل مع أسرته باستمرار، لا يكل هو ولا تمل الأسرة من الأسئلة الكثيرة التي يطرحها عليهما، فأساسه هو "الحوار الأسري والمجتمعي".
ويعتبر التعلم الذاتي والفردي أساساً للتعليم المنزلي، إذ يُطلق العنان للطفل وتُترك الفرص أمامه ليكون مبدعاً، ومن أهم سمات التعليم المنزلي عن التعليم النظامي أنه لا يعتمد على الدرجات أو الاختبارات في تقييم الطفل، ولا تعد الأعمال الكتابية من الخطوات الهامة التي يركز عليها الآباء.
كما يعتمد على ممارسة الأنشطة والمشاركة في الأعمال المنزلية، والقراءة الحرة وفق اهتمامات الطفل، واستخدام الكمبيوتر والتقنيات الحديثة في التعليم.
تلك المميزات، لم تكن كافية لدفع الأمهات للإقبال على التعليم المنزلي، كونه لا يوفر شهادات للطلاب حول إتمام مستوى تعليمي معين، كما أن بعض الأمهات أبدت تحفظها من نظام التعليم المنزلي لخوفها من أن يؤثر إنشغالها في عملها وواجباتها الأسرية على تعليم أبنائها.
في المقابل، دفعت عيوب التعليم النظامي الذي يعتمد على التلقين والحفظ، ولا يبحث عن المهارات المختلفه للطلاب، والاختبارات التي لا تقيس المستوى الفعلي للطالب، ناهيك عن السمات الأخلاقية السلبية الناتجة من الاحتكاك بين الكم الهائل من الطلاب الذين يتعلمون نظامياً إما في مدارس حكومية أو أخرى خاصة أو دولية، الأسر للبحث عن بدائل له.
يسرى جلال، أم لطفلين أحدهما سبع سنوات والآخر خمسة سنوات، اشارت إلى أنها منذ أن سافرت إلى دولة الكويت أدخلت أبناءها مدرسة باكستانية إلى أن تلك التجربة باءت بالفشل.
وأكدت أنها منذ أكثر من سبعة أشهر أخرجت ولديها من المدرسة وشرعت في تعليمهما منزلياً، وأنها قدمت لهما في مدرسة السفارة المصرية بالكويت لكي يؤدون الاختبارات فقط وذلك لتفادي مشكلة الحصول على شهادات.
وحول الأسباب التي دفعت الأسرة لتعليم الطفلين منزلياً، قالت "يسرى"، إن أبناءها كانوا يقضون يومهم كاملًا بالمدرسة التي لا يستفيدون منها شيئاً، خاصة بعدما قررت التقديم لهم في مدرسة كويتيه باللغة العربية هروباً من كثرة المناهج التي كانا يدرسانها داخل المدرسة الباكستانية، لافتة إلى أن المنهج الذي تلقاه إبنيها داخل المدسة الكويتيه كان ضعيفا، كما أن طريقة الاختبارات حولتهما إلى "جهاز تسجيل"، حسب قولها.
وأشارت إلى أنها كانت تطمح إلى أن تعتمد على التعليم المنزلي فقط، إلا أن زوجها كان يحرص على أن يحصل إبنيهما على شهادة، لذلك قررت تعليمهما منزلياً كذلك التقديم لهما في مدرسة السفارة دون حضور دروس.
وأكدت أنها خاضت التجربه معهما طيلة السبعة أشهر الماضية، فأصبح هناك مرونة في تعاملها مع المناهج الدراسية، تشرح منه ما يفيدهما وينمي قدراتهما، لافتة إلى أن من أهم مميزات ذلك النظام هو توطيد العلاقة بينها وبين أطفالها.
وتابعت: "أعكف الآن بجوار عملي ودراستي على تعليم أطفالي التجارب العلمية والفيزيائية، والكتابة والقراءة في موضوعات خارج المنهج وإمكانية البحث، وتعليم الكومبيوتر، والجغرافيا ورسم الخرائط، بالإضافة إلى حفظ القرآن والحديث والعقيدة، بطرق غير تقليدية تعتمد على المرونة والفهم أكثر من التلقين والحفظ".
- التعليم المنزلي "مُبهم"
اختلفت معها سامية رمضان، أم لثلاثة أطفال أكبرهم مُقبل على المرحلة الثانوية، والتي أكدت أن نظام التعليم المنزلي في مصر "مُبهم"، ولا توجد تجارب تؤكد نجاحه.
وأوضحت أنه بالرغم من العيوب الكثيرة التي يعاني منها التعليم النظامي إلا أنه يمّكن الطلاب من الحصول على شهادة تعليمية تحدد مستواهم الاجتماعي، وتغرس فيهم مفهوم الانضباط والاختلاط والاعتماد على النفس.
كما شددت على أنها لن تُقبل على تعليم أبنائها منزليا دون الارتباط بتأدية امتحانات أو حضور حصص تعليمية، لافتة إلى أنها تحاول سد الثغرة الموجودة بالتعليم النظامي عن طريق تنمية مهارات أبنائها والاشتراك في أحد النوادي والمكتبات العامة.
- ينسف فكرة المواطنة
الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية بالقاهرة، كمال مغيث، أكد أن التعليم المنزلي المتعارف عليه الهدف منه التقدم لأداء الامتحانات ببذل نفس الجهد ولكن في المنزل، دون الذهاب إلى المدرسة، فالطالب من خلاله يستطيع الحصول على شهادة دون الانتظام في حضور المدرسة.
وشدد على أن عزوف عدد من الآباء عن التقديم لأبنائهم في مدارس والإكتفاء بتعليمهم منزلياً لا يُعد تعليماً من الأساس.
كما لفت، إلى أن الإقبال على التعليم المنزلي هو ظاهرة طبيعية في ضوء تدهور منظومة التعليم الحكومي، وعدم حضور الطلاب إلى المدراس والاعتماد على الدروس الخصوصية، ما جعل قيمة المدرسة تقل بالنسبة للطلاب.
وأكد مغيث، أن التعليم المنزلي ليس في الأساس بحثًا عن المهارات والقدرات كما يروج له البعض، لا سيما أنه في مصر ليس نظاماً ناضجاً، أو حفر له مجرى عميق في مجال التعليم، وإنما محاولة لتفادي الآثار السلبية للمدرسة والتعليم النظامي.
وبيّن، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن من عيوب التعليم المنزلي أنه يكرس منظومة الحفظ والتلقين، كما أنه ينسف فكرة المواطنه ولا يتيح للطفل الاختلاط مع الأطفال ذو السمات المتعددة، مشدداً على أن هناك العديد من المهارات التي لا يكتسبها الطالب إلا من المدرسة منها مهارات التعبير عن الذات والعمل في فريق، بالإضافة إلى الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية.
نيسان ـ نشر في 2015/07/25 الساعة 00:00