التوسع العمراني يحرم وادي السير من جنتها الخضراء
نيسان ـ نشر في 2019/11/05 الساعة 00:00
سالي الأخرس
"كنا نلعب واحنا صغار بين أشجار التين والرمان والجوز، ولما نزهق نقطف بندورة من الارض ونشتري رغيف خبز من المخبز ونقعد نحكي ونضحك مع أولاد الحارة"، يقول الناشط البيئي والخبير فيصل ابو السندس عن ذكريات طفولته في منطقته وادي السير ـ وهي من المدن القديمة في الأردن ولقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى إحدى ملكتين كانتا تحكمان المنطقة قبل الميلاد هما الملكتان (سيرا وسارا) تعارف عليها بعد ذلك (بوادي السير) وهي منطقة مشهورة بالزراعة ـ .
يقول أبو السندس أن منطقة وادي السير كانت عبارة عن جنة على الأرض، وتمتلأ بالجبال المكسوة بالأشجار المثمرة، وأنها امتازت بالخضرة النظيفة التي تسقى من ينابيعها، والتين (الزرافي) ـ نوع من انواعه التين يزرع فقط بمنطقة وادي السير ـ .
رئيس جمعيات البيئة عمر شوشان يشير إلى أن في بداية الستينيات بدأ التوسع العمراني في منطقة وادي السير، فنُفّذت مشاريع للتخطيط الحضري أدّت إلى تلاشي الأراضي الزراعية و إِلحاق الضرر بعيون وينابيع الماء.
ويضيف شوشان" هناك تمدد إسمنتي على حساب الرقعة الخضراء ،حوالي 25% من مساحة الأراضي الزراعية بالمملكة للأسف تم الاعتداء عليها من خلال البناء العشوائي."
كمال جلوقة مهندس تخطيط المدن والأقاليم والمستشار في التنمية المكانية أوضح أن التمدد الاسمنتي مشكلة يعاني منها الأردن ككل ولكن عند تسليط الضوء على منطقة مثل بيادر وادي السير لا بد أن هنالك قيمة للأراضي الزراعية عند سكان المنطقة قديما؛ لاعتمادهم عليها بشكل كبير في الزراعة والعيش، الا انه مع الوقت بدأ يتغير الأمر شيئاً فشيئاً مع التمدد العشوائي في المنطقة، والذي كان بناءً على خطط حضرية مستعجلة بعض الشيء.
وأضاف" في الستينات كانت الأراضي الزراعية هي المصدر الرئيسي لحياة كثير من السكان، وفي هذا الوقت ظهرت رغبة متزايدة في تملك الأراضي الموجودة في غرب عمان والتي كانت معظمها زراعية مما جعل سكان المنطقة يطالبون بفرز الأراضي وبيعها ."
وبحسب جلوقة فإن التوسع العمراني في غرب عمان أدى إلى تلاشي غالبية الأراضي الزراعية، بعد أن شهدت المنطقة طلباً كبيراً على شراء أراضيها، وإلحاح أصحاب الأراضي على فرز أراضيهم وبيعها. وتعددت المهن التي يحترفها سكان المنطقة بعد أن كانت مقتصرة بشكل كبير على الزراعة مما ساهم في تقليل ارتباط السكان بأراضيهم، كل هذه الأسباب مهدت الطريق لتلاشي الأراضي الزراعية .
أمانة عمان هي الجهة المسؤولة عن فرز الأراضي وترخيص المباني وتنفيذ مشاريع التخطيط الحضري، بطبيعة الحال الدور الاكبر كان من نصيب الأمانة، المهندسه نور الخطيب من دائرة الأراضي أمانة عمان، تجد أن هنالك معيقات للحد من التوسع العشوائي أهمها المجتمع المحلي الذي لم يفهم أهمية تلك الأراضي كما يجب وتقول ... " هنالك عدة أمور معيقة للموضوع، المجتمع المحلي ليس لديه وعي بالموضوع، أصحاب أراضي وادي السير هم الذين يطالبون بإفراز الأراضي وبيعها بناءً على وجود طلب شراء في المنطقة.
وتتابع "ولأن الأمانة هي المسؤولة عن ترخيص المباني في المدينة في عمان فيتم الرجوع لنا بجميع الامور، وبناء على قانون (البناء والتنظيم) هناك فرز معين وهو فرز 10 دونم كحد أدنى في المناطق الزراعية، فالناس تفرز بناء على نظام "
ومن جانب آخر أشرف وشارك المهندس كمال جلوقة بخطط عديدة للتعامل مع التوسع العمراني في عمان ومنها الخطة التنموية الشاملة لعمان الكبرى عام 2006 والتي حاولت الجهات المعنية من خلالها حصر التوسع العمراني ضمن مناطق محددة.
وحسب المهندس كمال "هذه الخطة أصرت على حصر الامتداد العمراني ضمن المناطق المنظمة فقط، بالرغم ان هذه المناطق المنظمة كان بها "فوضى تنظيمية" كما أُسميها، كل شخص يرغب بالفرز كان يتم فرز أرضه كما يشاء ."
المهندس كمال يرى أيضاً أن الجهود المبذولة لا تكفي لحماية الأراضي الزراعية موضحاً ذلك بقولهِ " ما مدى أمكانياتنا للحفاظ على المناطق الزراعية والمهمه بيئياً في وقت مالكي هذه الاراضي يطالبون باستمرار بإزالة الشجر وتحويل فرز أراضيهم لغايات السكن! اذا الجهود يجب أن تكون من قبلنا نحن المخططين ومن قبل الناس! يجب أن يعلموا أهمية تلك الأراضي ."
وفي ذات السياق يقول عمر شوشان : "لم نلتزم بشكل كبير جداً بمخططات استعمالات الأراضي أو حتى القوانين المحلية الناظمة للنظام البيئي أو قطاع البيئة في الاردن، الأراضي الزراعية التي تلاشت بفعل التوسع، والعمران، وشق الطرق ...الخ لن تعود ولكن يجب ان ندرس الخطوات التي علينا اتباعها لإرجاع مفهوم أهمية الأراضي الزراعية والحفاظ على ما تبقى منها، خاصة في وقت أصبح الحديث عن البيئة ترف فكري ".
خطط بدت على أرض الواقع مختلفة بعض الشيء، وما نراه اليوم يعكس اختلاف ما كتب على الورق وما طبق فعلاً، فالخطط الحضارية عنها تحمي الأراضي الزراعية، ولكن إقبال الناس على الشراء يجعل الأمانة أمام سن قوانين لتنظيم هذه الأراضي وبيعها فعلا!
هذا التقرير تم إعداده ضمن مشروع المدافعه الذي تنفذه الجمعية الملكية لحماية البيئة البحرية بدعم من مؤسسة هنرش بل-الأردن وفلسطين وبالتعاون مع موقع نيسان
"كنا نلعب واحنا صغار بين أشجار التين والرمان والجوز، ولما نزهق نقطف بندورة من الارض ونشتري رغيف خبز من المخبز ونقعد نحكي ونضحك مع أولاد الحارة"، يقول الناشط البيئي والخبير فيصل ابو السندس عن ذكريات طفولته في منطقته وادي السير ـ وهي من المدن القديمة في الأردن ولقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى إحدى ملكتين كانتا تحكمان المنطقة قبل الميلاد هما الملكتان (سيرا وسارا) تعارف عليها بعد ذلك (بوادي السير) وهي منطقة مشهورة بالزراعة ـ .
يقول أبو السندس أن منطقة وادي السير كانت عبارة عن جنة على الأرض، وتمتلأ بالجبال المكسوة بالأشجار المثمرة، وأنها امتازت بالخضرة النظيفة التي تسقى من ينابيعها، والتين (الزرافي) ـ نوع من انواعه التين يزرع فقط بمنطقة وادي السير ـ .
رئيس جمعيات البيئة عمر شوشان يشير إلى أن في بداية الستينيات بدأ التوسع العمراني في منطقة وادي السير، فنُفّذت مشاريع للتخطيط الحضري أدّت إلى تلاشي الأراضي الزراعية و إِلحاق الضرر بعيون وينابيع الماء.
ويضيف شوشان" هناك تمدد إسمنتي على حساب الرقعة الخضراء ،حوالي 25% من مساحة الأراضي الزراعية بالمملكة للأسف تم الاعتداء عليها من خلال البناء العشوائي."
كمال جلوقة مهندس تخطيط المدن والأقاليم والمستشار في التنمية المكانية أوضح أن التمدد الاسمنتي مشكلة يعاني منها الأردن ككل ولكن عند تسليط الضوء على منطقة مثل بيادر وادي السير لا بد أن هنالك قيمة للأراضي الزراعية عند سكان المنطقة قديما؛ لاعتمادهم عليها بشكل كبير في الزراعة والعيش، الا انه مع الوقت بدأ يتغير الأمر شيئاً فشيئاً مع التمدد العشوائي في المنطقة، والذي كان بناءً على خطط حضرية مستعجلة بعض الشيء.
وأضاف" في الستينات كانت الأراضي الزراعية هي المصدر الرئيسي لحياة كثير من السكان، وفي هذا الوقت ظهرت رغبة متزايدة في تملك الأراضي الموجودة في غرب عمان والتي كانت معظمها زراعية مما جعل سكان المنطقة يطالبون بفرز الأراضي وبيعها ."
وبحسب جلوقة فإن التوسع العمراني في غرب عمان أدى إلى تلاشي غالبية الأراضي الزراعية، بعد أن شهدت المنطقة طلباً كبيراً على شراء أراضيها، وإلحاح أصحاب الأراضي على فرز أراضيهم وبيعها. وتعددت المهن التي يحترفها سكان المنطقة بعد أن كانت مقتصرة بشكل كبير على الزراعة مما ساهم في تقليل ارتباط السكان بأراضيهم، كل هذه الأسباب مهدت الطريق لتلاشي الأراضي الزراعية .
أمانة عمان هي الجهة المسؤولة عن فرز الأراضي وترخيص المباني وتنفيذ مشاريع التخطيط الحضري، بطبيعة الحال الدور الاكبر كان من نصيب الأمانة، المهندسه نور الخطيب من دائرة الأراضي أمانة عمان، تجد أن هنالك معيقات للحد من التوسع العشوائي أهمها المجتمع المحلي الذي لم يفهم أهمية تلك الأراضي كما يجب وتقول ... " هنالك عدة أمور معيقة للموضوع، المجتمع المحلي ليس لديه وعي بالموضوع، أصحاب أراضي وادي السير هم الذين يطالبون بإفراز الأراضي وبيعها بناءً على وجود طلب شراء في المنطقة.
وتتابع "ولأن الأمانة هي المسؤولة عن ترخيص المباني في المدينة في عمان فيتم الرجوع لنا بجميع الامور، وبناء على قانون (البناء والتنظيم) هناك فرز معين وهو فرز 10 دونم كحد أدنى في المناطق الزراعية، فالناس تفرز بناء على نظام "
ومن جانب آخر أشرف وشارك المهندس كمال جلوقة بخطط عديدة للتعامل مع التوسع العمراني في عمان ومنها الخطة التنموية الشاملة لعمان الكبرى عام 2006 والتي حاولت الجهات المعنية من خلالها حصر التوسع العمراني ضمن مناطق محددة.
وحسب المهندس كمال "هذه الخطة أصرت على حصر الامتداد العمراني ضمن المناطق المنظمة فقط، بالرغم ان هذه المناطق المنظمة كان بها "فوضى تنظيمية" كما أُسميها، كل شخص يرغب بالفرز كان يتم فرز أرضه كما يشاء ."
المهندس كمال يرى أيضاً أن الجهود المبذولة لا تكفي لحماية الأراضي الزراعية موضحاً ذلك بقولهِ " ما مدى أمكانياتنا للحفاظ على المناطق الزراعية والمهمه بيئياً في وقت مالكي هذه الاراضي يطالبون باستمرار بإزالة الشجر وتحويل فرز أراضيهم لغايات السكن! اذا الجهود يجب أن تكون من قبلنا نحن المخططين ومن قبل الناس! يجب أن يعلموا أهمية تلك الأراضي ."
وفي ذات السياق يقول عمر شوشان : "لم نلتزم بشكل كبير جداً بمخططات استعمالات الأراضي أو حتى القوانين المحلية الناظمة للنظام البيئي أو قطاع البيئة في الاردن، الأراضي الزراعية التي تلاشت بفعل التوسع، والعمران، وشق الطرق ...الخ لن تعود ولكن يجب ان ندرس الخطوات التي علينا اتباعها لإرجاع مفهوم أهمية الأراضي الزراعية والحفاظ على ما تبقى منها، خاصة في وقت أصبح الحديث عن البيئة ترف فكري ".
خطط بدت على أرض الواقع مختلفة بعض الشيء، وما نراه اليوم يعكس اختلاف ما كتب على الورق وما طبق فعلاً، فالخطط الحضارية عنها تحمي الأراضي الزراعية، ولكن إقبال الناس على الشراء يجعل الأمانة أمام سن قوانين لتنظيم هذه الأراضي وبيعها فعلا!
هذا التقرير تم إعداده ضمن مشروع المدافعه الذي تنفذه الجمعية الملكية لحماية البيئة البحرية بدعم من مؤسسة هنرش بل-الأردن وفلسطين وبالتعاون مع موقع نيسان
نيسان ـ نشر في 2019/11/05 الساعة 00:00