لا تكن أحمقاً فما عند الناس من حقائق هي على الأغلب أكاذيب عقلية

نيسان ـ نشر في 2015/08/08 الساعة 00:00
عمر لقمان سعادة يقول زكي نجيب محفوظ "الناس في مناخ الصدأ العقلي يحتقرون الحقيقة"، أنظر وأتأمل في جوانب تلك الحياة التي اكتشفت أنني وصلت بنفسي وباستهلاكها إلى مراحل متقدمة من الصدأ، وصلت إلى متلازمة الأكاذيب النفسية حيثُ اعتقدت أنني أهم بالإصلاح وبالبحث عن ما يجب أن أقوم به لإصلاح هذا المجتمع الذي وصلت بهِم آثر الجاهلية إلى بقاع أخذتنا وأغرقتنا فيه، لكنني اكتشفت أنّا نحن ُمن نطلق على أنفسنا "المنادين بالإصلاح" أول ما يجب أن نبدأبإصلاح أنفسنا، أو بتعبيرٍ أكثر وضوحاً أننا نحتاج لذلك الدواء الذي يجب أن نمسح بهِ عقولنا لنزيل الصدأ الذي تراكم وجعلنا نؤمن ببديهيات حياتية والتي هي أقرب ما تكون إلى أكاذيب.
ما يجب أن يكون عند المصلحين أو عند أي شخص بغض النظر عن ديانته، يجب أن يكون عندَهُ ذلك المنهج في المراجعة العقلية التيستكون هي ما ستبقيه على قيد الحياة الإصلاحي، فقدنا بديهية من البديهيات التي اختفت تماماً من حياة كل ما يَدُب على هذه الخليقة، فقدنا المنهاج الذي ذُكِر عشرات المرات في القرآن الكريم ألا وهومنهاج التفكير وتدريب العقل على التساؤل الدائم، فهذا هو الوقود الوحيد الذي من خلاله يمكن لنا أن نكمل المرحلة بالشكل الصحيح بعيداً عن الإنعواجات في الرحلة.
يتوهم الكثير خلال حياته أنه في الطريق الصحيح لكن يحتاج لبعضزالتعديل، والصحيح يجب أن يعلم أن معظم الناس حتى تلك المسلمات عندهم يجب أن يعاد النظر فيها دائماً وبشكل متجدد، فالأصل يكون فقط في إبداء وتمكين الحاكمية لله عزوجل وفهم أركان الإسلام التي يجب أن تكون المسلمات الوحيدة في حياتنا ثم السير في هذه الحياة بالمنهج العقلي الذي يتساءل دائماً في الحياة، يشك دائماً في كينونة هذه الحياة، يسأل ويجيب ويبحث ويعيد النظر دائماً في كل شيء، يفكر في الله وفي ذلك الطريق الأسرع الذي سيوصل بنفسه إلى الله،فهذا المنهج الذي من خلاله توصل إبراهيم عليه السلام إلى الله ومن خلاله كلم موسى عليه وسلم الله عزوجل ومن خلاله أيضاً وصل الوحي جبريل عليه السلام إلى حبيبنا محمد صلّ الله عليه وسلم.
من الأخطاء الكارثية التي فهمناها كمسلمات هي المنهج المتبع حالياً في التعليم في كل أنحاء العالم، لن أقول مثل المتحذلقين الذين يهاجمون دائماً البلاد العربية و "الإسلامية خاصة" بأن كل ما عندنامن تعليم هو ذو سياسة خاطئة، بل سأتكلم عن ذلك المنهج التلقيني في كل جامعات ومدارس العالم المتبع والقائم على دفن ملكة التفكير وملكة تدريب العقل، حيثُ يقول آينشتاين " التعليم ليس في تعلم الحقائق والمعلومات، إنما في تدريب العقل على التفكير، وهذا أدى بنا إلى دفن أي مشروع يهدف إلى بناء الإنسان حيث اتجهت كل الجهود في زرع أفكار العيش لأجل العيش، فما نكاد نرى أن ينشأ ذلك الطفل ويبدأ بالوعي على هذا الكون حتى يصبح همّه الوحيد في البحث عن لقمة العيش فقط، وهذه السياسة أدت إلى طمس ودفن الملكة التفكيرية وتدريب العقل في التعليم، لذلك ينشأ في كثير من الأحيان جيل منحل أخلاقياً ولا يبحث إلا عن لقمة العيش حتى وإن جاءت تلك اللقمة عن طريق يخالف أي قيمة أخلاقية.
بدأتُ المقال بعنوان إلى الآن يعتقد القارئ أنني ابتعدت تماماً عن أول ما توجس له عند قراءة العنوان، لكنه كثيراً من الحقائق التي نعيشها في حياتنا هي على الأغلب أكاذيب عقلية لأنه سائر الناس يؤمنون بهذه الحقائق ويعيشون بها حيثُ يظن عندها الإنسان أن هذه هي فعلاً حقائق وما يجب أن يفكر فيه يجب أن يكون إنطلاقاً من تلك الحقائق، والأولى يجب أن يكون بكل تأكيد أن يشك ويفكر في هذه الحقائق "التي يعتقدها كذلك" ويكون منطلقه فقط الله عز وجل وما نزل من تشريعات إسلامية، ويكون هذا فقط بالقرآن والسنة النبوية، فهذه هي المعادلة البسيطة ومنها يكون الإنطلاق لا من مسلمات الإنسان العقلية التي تراكمت عن طريق ممارسته للحياة بطريقة ما أو من خلال المبادئ التي يؤمن بها مجتمعه الرجعي.
أرى كثيراً من الناس يحاول أن يصدق الكذبه التي ترضيه وتشعرهبالراحة ويكذب كل حقيقة تشعره بأنه على خطأ في حياته، يحاول أن يقنع نفسه بأنه دائماً على حق ويختلق كل ما هَبَ ودَب من حُجج زائفة وزهو يعلم أنها زائفة لكن فقط لكي يشعر بالراحة "الكاذبة"، فهو يهاب ويخاف كثيراً من مواجهة نفسه ويخاف كثيراً من طرق باب نفسه ليسألها عن الجوانب الضعيفة فيها.
إن لم يتخذ الإنسان منهج الشك والتساؤل في تلك المسلمات التي زُرعت في عقله فسيعمل وهو يعلم على موت عقله بالشكل البطيء،وسيصل إلى الملل والضجر من هذه الحياة حتى وإن حاز على كلمقومات الجمال "كما يتوهم"، وها هو القرآن الكريم بين أيدينا يشير ويحث ويطلب من المسلمين في كثير من الآيات اتخاذ التفكير منهجاً.
في النهاية لابُد من أن يفهم المسلم الإسلام لكي يعود الإسلام لصدارة الحضارات ولكي تكون الحضارة الإسلامية هي مهد ومرجع كل الحضارات، لا بُد من إصلاح أنفسنا ولكي نصلح أنفسنا لا بُد من إصلاح عقولنا وعندها سنصل إلى اتخاذ الإسلام منهجاً للحياة وفناً للحياة بالشكل المطلوب وهنا ستتحقق آية (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).
    نيسان ـ نشر في 2015/08/08 الساعة 00:00