وأخيرا صدرت هذه الفتوى: اضربي زوجك إذا لم ينصفك القضاء!
نيسان ـ نشر في 2015/08/10 الساعة 00:00
اليوم لم تعد الهند بلد العجائب. بل مصر. بما فيها الازهر نفسها. اخر هذه العجائب تلك التي اطلقها الدكتور محمد سالم أبو عاصي، عميد كلية الدراسات العليا في جامعة الأزهر، بإباحته ضرب الزوجة زوجها إذا لم تأخذ حقها من القضاء.
الفتوى اثارت جدلاً كبيراً، مؤكداً أنه يجوز للمرأة أيضاً حرمان زوجها من حقوقه الشرعية إذا حرمها من حقوقها الزوجية. «لها» ترصد تلك الفتوى الغريبة وأسانيدها الشرعية، وآراء علماء الدين حولها.
النقاش لم يدر حول العدالة التي تستحقها المرأة فهذا مؤكد. لكن الجدل وقع على المعالجات. ومنها الضرب.
يؤكد الدكتور محمد سالم أبو عاصي، أن الإسلام يرفض كل أنواع العنف النفسي والمعيشي والجسدي بين البشر في وجه عام، لأن الله كرمهم جميعاً وساوى بينهم في الكرامة الإنسانية، فقال الله سبحانه وتعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (آية 70) سورة «الإسراء».
وأشار إلى أن العلاقة بين الزوجين في وجه خاص لها في الإسلام احترامها من الطرفين، حيث جعل الله حسن معاملة كل منهما عبادة لله، حتى تسود بينهما المودة والحب، ولهذا جعل الله تعالى الزواج آية من آياته، فقال سبحانه: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (آية 21) سورة «الروم».
وأضاف الدكتور أبو عاصي: «طالما أن الزوجين متساويان في الكرامة الإنسانية، فلا يجوز اعتداء أي منهما على الآخر باللفظ، كالشتم والإساءة، وكذلك الاعتداء البدني كالضرب المبرح الذي يكون أشبه بجلد السيد لعبيده، وهو فعل محرّم شرعاً، ولهذا إذا اعتدى زوج على زوجته فمن حقها رفع أمرها إلى القضاء باعتبارها مخوّلة محاسبته على عدوانه».
وأكد الدكتور أبو عاصي، أنه إذا لم ينصفها القاضي فهو آثم شرعاً، لأنه لم ينفذ قول الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (آية 58) سورة «النساء». فإذا أهمل القاضي شكواها فمن حقها الدفاع عن نفسها ورد العدوان بمثله، انطلاقاً من قول الله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» (آية 194) سورة «البقرة».
المفاسد أكثر
تحفظ الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر، على الفتوى، مؤكداً أنها سلاح ذو حدين، لأن مفاسدها أكثر من منافعها، ومن القواعد الشرعية أن «درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة»، ولهذا فإن ضرب الزوجة لزوجها – حتى ولو كان رداً على ضربه – سيزيد المشكلات اشتعالاً ويؤدي إلى مضاعفة غضب الزوجين ورغبتهما في الانتقام المتبادل، مما يسرّع في خراب البيوت وحدوث الطلاق وتشرد الأولاد.
وأوضح الدكتور عمر هاشم، أنه ينبغي السعي إلى إصلاح ذات البين بين الزوجين في حال نشوز أي من الزوجين، ولهذا أمرنا الله سبحانه وتعالى حين قال: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ على النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا» (الآيتان 34-35) سورة «النساء».
وأشار الدكتور عمر إلى أنه في حال نشوز الزوج، مثل من يضرب زوجته بغير الضوابط الشرعية، فإن الحل الشرعي شخّصه الله تعالى في قوله: «وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (آية 128) سورة «النساء».
وأنهى الدكتور عمر هاشم كلامه بالدعوة إلى النهي عن ضرب الرجال للنساء بدلاً من تحريض النساء على الرد، وهنا نكون قد عالجنا المشكلة من الأصل. أما علاج العنف بالعنف المضاد، فإن الأسرة والمجتمع بأسره سيدفع الثمن من أمنه واستقراره.
جرس إنذار
حذرت الدكتورة عبلة الكحلاوي، العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية في بورسعيد - جامعة الأزهر، من ظلم الزوج لزوجته بضربها وإهانة كرامتها، لأن هذا منافٍ لأخلاق الإسلام، ولهذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): «لن يضرب خياركم»، أي أن الزوج الحكيم هو من لا يضرب زوجته، وأكرم له ولها أن يطلّقها، بدلاً من أن يحولها إلى ما يشبه العبد الأجير الذي يتم جَلده يومياً.
وأوضحت الدكتورة عبلة، أن فتوى ضرب الزوجة لزوجها، إذا لم ينصفها القانون، تزيد الأمور تفاقماً وتعجّل في خراب البيوت، ولهذا فهي تتنافى مع الحديث النبوي الذي يقول فيه رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): «لا ضرر ولا ضرار».
وحذرت الدكتورة عبلة، الأزواج من نتائج ظلم الزوجات بضربهن بما يخالف الضوابط الشرعية في أن يكون الضرب بالسواك، مع العلم أنه لم يروَ عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أنه ضرب امرأة أبداً، رغم وجود العديد من المشكلات بينه وبين زوجاته، مثل أي أسرة، ولهذا وصف الإمام الذهبي أنواع الظلم، منه «ظلم الناس بالضرب والشتم والتعدي والاستطالة على الضعفاء»، وقد عدّه الذهبي من الكبائر، وقد قال بعض السلف: «لا تظلم الضعفاء فتكون من شرار الأقوياء»، ويكفي الظالم عقوبة أن يكون في العذاب المقيم كما قال الله سبحانه وتعالى: «وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ» (آية 45) سورة «الشورى».
حق الرد
يرى الدكتور عبدالله النجار، الأستاذ في كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر، أنه من حق الزوجة رد العدوان عن نفسها إذا كان الزوج لا يتقي الله فيها، ولا يستمع إلى نصائح المحيطين بها من أهله وأهلها، وكذلك عدم إنصاف القضاء لها، لأنه لا يعقل أن يستمر الزوج كالجلاد ولا تجد من يرفع الظلم عنها، وتبقى بلا رد فعل، فهي إنسانة مظلومة لها طاقة على التحمل، إذا انفجرت فلا نلوم المظلوم على انفجاره بل نلوم الظالم على ظلمه.
وطالب الدكتور النجار، بتذكير الزوج الظالم المدمن ضرب زوجته وإهانتها، بحكم الشرع في ما يعمل، مثل قول رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ: «وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ»، وقوله (صلّى الله عليه وسلّم) في حديث آخر: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»، وقول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين».
وأنهى الدكتور عبدالله النجار كلامه قائلاً: «مع احترامي لشعور الزوجة بالانفجار في وجه زوجها الذي يضربها ظلماً، وكذلك عدم إنصاف القضاء لها، فإنني أطالب المحيطين بهما بنصحهما الدائم بالابتعاد عن العنف في حل المشكلات، وهذا النصح واجب شرعاً على أهل الزوج والزوجة، لقول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم».
نيسان ـ نشر في 2015/08/10 الساعة 00:00