د. تركي عبيدات: الطريق طويل للوصول بجامعاتنا إلى مستوى تنافسي عالمي

نيسان ـ نشر في 2015/08/21 الساعة 00:00
حاوره إبراهيم قبيلات بعيدا عن السياسة وتحالفاتها محطتنا الحوارية هذه المرة، ذهبنا الى منزل الدكتور تركي عبيدات فطاف بنا في بحور العلم . في الحوار قدم رئيس جامعة الزيتونة رأيا أكاديميا حول غياب جامعاتنا عن تصنيف الجامعات العالمية؛ راداً ذلك إلى جملة من الاسباب، من بينها؛ ضعف بنية وهرمية التعليم في جميع مراحله، إضافة إلى تدني مستوى الاهتمام بالبحوث العلمية. وقال الأكاديمي عبيدات: إن الطريق طويل للوصول بجامعاتنا إلى مستوى تنافسي مع جامعات العالم. وتاليا الحوار : ما هي أسباب الإخفاقات التي يقول المراقبون إنها تسجل في قطاع التعليم الجامعي؟ هناك عدة تصنيفات عالمية للجامعات أشهرها تصنيف شنغهاي وللأسف النظر الى الجامعات في دول العالم المتقدم غير تلك النظرة في دول العالم الثالث. العالم المتقدم ينظر الى الجامعات باعتبارها اكبر من مكان مخصص للتدريس فقط، بل هي للبحث العلمي والتطوير والتفاعل مع الصناعة. تصنيف شنغهاي 90% يعتمد على البحث العلمي والنشر في المجلات المحكمة العالمية وبراءات الاختراع وكم من العلماء في الجامعة حصلوا على جوائز عالمية مثل نوبل، ويعتمد كذلك على قدرة الجامعة على التفاعل مع الصناعة والتكنولوجيا . وبالتالي تحصل نحو مئة رسالة لخريجي الجامعات الأوروبية سنويا في الماجستير والدكتوراة على براءة اختراع. ويستطيع من خلال ذلك تأسيس شركة وهي شركة تصبح على الفور منتجة في المجتمع. هذا التصنيف غير متوفر في جامعات الدول العربية، بل أن معظم هذه الجامعات تعتمد على التدريس، أما البحث العلمي ففي الغالب غرضه التقدم الوظيفي، لكن ليس موضوعا ذلك في خطط الدولة التنموية والشاملة. وهو غير مربوط في حل المشكلات التي تواجه المجتمع، وفق برنامج معد مسبقا ومتفق عليه على أساس وطني. أعيد معظم الأبحاث العلمية في الوطن العربي، وذلك لانها لا تندرج في سياق برنامج محكم ومضبوط بالتعاون مع الدولة أو في التعاون مع الصناعة. فالبحث العلمي في الأساس هدفه الترقية الأكاديمية. البعض يرى أن مشكلة الجامعات أعمق من ذلك، هل لك ان تضعنا بحقيقة الاسباب التي أدت إلى تفشي الامية بين صفوف المتعلمين. في الواقع ، تبدأ الأسباب من المدرسة والتعليم ما قبل الجامعة. عندما نتحدث عن طالب يتخرج من الثانوية العامة ويدخل الى الجامعة، ومن ثم يذهب الى سوق العمل؛ ليتبين فيما بعد أن هذا الطالب لا يستطيع أن يكتب أو يعبر عن نفسه ولا يستطيع التواصل مع الناس، أو أن يكتب تقريرا مهنيا له علاقة في عمله. هذا كله يعني أن لدينا مشكلات كبيرة جدا في التعليم الأساسي والثانوية. ففي جامعات الدول العالم المتقدمة المكون البحثي موجود في المناهج المدرسية. بل أن البيئة البحثية هي نفسها موجودة في المدرسة ومناهجها. وبالتالي حتى المبدعين تختارهم المدارس وتقدمهم الى جامعات معينة أي أن الموضوع سلسلة مترابطة. اذاً من أين نبدأ؟ اعتقد أن البداية في التكاملية بين المدرسة والجامعة والمعهد، ويجب أن يكون هناك تصور وطني داخل الدولة ، الى جانب تصور حقيقي على مستوى الوطن العربي. قبل فترة وجيزة اعترض النواب على قصة المقاعد الاستثنائية، لكن من الواضح أن قصتنا سياسية وليست علمية. أنت كرئيس جامعة ما الذي تفعله حتى تنأى بجامعتك عن هذه الفوضى؟ الاصل في الجامعات أن تكون مستقلة ماليا واداريا، ولديها مجلس امناء يحكم ويضبط إطارها الأكاديمي، وعليها أن تؤمن مواردها من الوقفيات واستثماراتها، وهذا هو الحال في امريكا ودول العالم المتقدم. الزج في اعداد هائلة من الطلبة في الجامعات وصعوبة التواصل بين الاستاذ الجامعي والطالب، ومواصفات الاستاذ الجامعي ما بين الماضي والحاضر. كلها أسباب ساهمت بالوصول إلى حالتنا اليوم. التعليم هو مهنة لها مواصفات ومعايير. وهذا يعني أنه ليس شرطا أن يستطيع التدريس كل شخص يحمل شهادة الدكتوراه. وهناك وسائل عديدة من خطط ووسائل التقويم والدراسة وحتى آلية وضع الامتحان تساعد في تشكيل مناخ أكاديمي مؤثر في بناء وتشكيل وعي طالبي افضل. اليوم ألاحظ أن هناك فرقا بين الاستاذ الجامعي المتعلم والمثقف والاستاذ الجامعي المتعلم فقط. الهرم التعليمي في الوطن العربي مشوه. ومشكلتنا ايضا ان لدى المواطن يريد أن يحصل على ما يريد بأي طريقة أو وسيلة. مثلا؛ طالب في الثانوية العامة اداؤه متدن يعتبر أن الواسطة هي وسيلته لدخول الجامعة. وعندما يدخل الجامعة ويتخرج لا يعكس بناؤه المعرفي مستواه الأكاديمي، ثم يبدأ يحارب ليدرس الماجستير، ورغم انه يتعثر، يواصل بأي طريقة للحصول على شهادة الدكتوراه من أي جامعة وبأي وسيلة. اذاً المواطن لا يستند في خياراته إلى الكفاية والكفاءة ولا يعترف بالقدرات أو أن هناك أشخاصا اقدر منه أكاديميا وعلميا وثقافيا. هذا كله يعني اننا امام ثقافة مجتمعية تحد من تطورنا اكاديميا وفق رؤى ومعايير علمية جادة. هل تعاني جامعاتنا من النجاح التلقائي؟ لا استطيع القول ذلك. لكن الأعداد الهائلة من الطلبة، وعدم وجود التواصل بين الأستاذ والطالب يضعف أدوات التقييم. أليس هذا نجاحا تلقائيا؟ لا اعرف ماذا سأطلق عليه، ولكن في بعض الجامعات تخرج من الدفعة 95%. لكن في بعض الجامعات بالدول العربية لديها معايير عالية للنجاح. متى بدأت المشكلة؟ بدأت المشكلة بعد عام 2000م. كان المواطن قبل ذلك يوافق على أن يكون ابنه قصيرا أو حدادا أو غير ذلك لان الاسرة الأردنية كانت اساسا أسرة منتجة. عندما كان اجدادنا ينجبون 10 أبناء، لم يكن هدفهم أن يعلموا العشرة، بل كان هدفهم أن يؤدي الابناء أدوارا انتاجية تساعد المجتمع والاسرة في الزراعة أو تربية الاغنام والابقار وغير ذلك. عندما جاءت الوظيفة ومتطلباتها جعلت الناس تتجه الى التعليم ويا ليته التعليم النوعي بل الكمي. وهذا ما حصل. الأردن بلغ مستوى قياسيا في التعليم في عقد الثمانيات، وحينها كانت مخرجات التعليم عالية. وكان خريج الجامعة في سوية عالية ومنافسا حقيقا في سوق العمل. والشاهد أن سوق الخليج ما زال يجد في الموظف الأردني القدرة على التنافس. هل افقنا؟ اعتقد أن الصحوة هي الشعور بالالم وحجم المشكلة لكن المشكلة تحتاج الى وقت طويل وقرارات صائبة.
    نيسان ـ نشر في 2015/08/21 الساعة 00:00