عن إيجابيات جائحة كورونا

إبراهيم غرايبة
نيسان ـ نشر في 2021/02/19 الساعة 00:00
لم تكن جائحة كورونا بلا فوائد وإيجابيات، وربما تنشئ على المدى المتوسط، أي بعد عشر سنوات أو أكثر، عالَماً جديداً مليئاً بالفرص والأعمال والمكاسب الجديدة. وقد ظهر بوضوح كيف تطورت بسرعة عمليات التعليم والعمل والتجارة عبر الإنترنت، بما في ذلك من تقليل للتكاليف والهدر، وعدالة وزيادة فرص الوصول إلى الأعمال والأسواق والخدمات. وقد نهضت المؤسسات الطبية والسياسية في أنحاء واسعة من العلم لتطوير لقاح مضاد للمرض، كما أظهرت دول ومؤسسات وشخصيات كثيرة في العالم استعداداً للتضامن والتعاون في مواجهة الجائحة وآثارها، ونشأ ما سمي «دبلوماسية الكمامات»، بمعنى العمل الدولي من أجل التعاون والمساعدة في التصدي للجائحة.
وقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً رائداً في هذه الدبلوماسية عندما خصصت جزءاً كبيراً من مواردها واهتمامها لأجل التضامن العالمي ومساعدة الدول والمجتمعات على مواجهة التحدي، والمشاركة في إنتاج وتطوير لقاح للمرض، كما أدارت عمليات شاملة ومعقدة لمواجهة المرض على أراضيها، ولمساعدة المواطنين والمقيمين على الحصول على الأدوية والخدمات الطبية اللازمة لمعالجة المرض والكشف عنه.
وتتطور الأعمال الذاتية في التعليم المستمر والعمل عن بعد والتدريب. ويبحث الناس اليوم من خلال الشبكة عن الفرص والأعمال الممكنة، ويؤهلون أنفسهم لأجل القدرة على المشاركة الاقتصادية في أعمال وأسواق جديدة، أو لاستدراك ما فاتهم من قبل، وفي ذلك تزيد كفاءة المنصات التي تقدم التعليم والتدريب من خلال الشبكة، مثل منصات تعليم اللغات والمناهج العلمية أو التدريب على المهارات المطلوبة، والتعرف على ما لدى الجامعات والمنظمات في جميع أنحاء العالم من خدمات تعليمية أو منح وفرص تقدمها لجميع الناس. واكتشف الناشئة، كما جميع الفئات العمرية والمهنية، ما يمكن أن يمنحوه لأنفسهم من إضافات عملية وروحية واجتماعية جديدة من خلال الشبكة. وبالطبع فإنها فرص لم تنشأ من العدم أثناء الجائحة، بل كان يعرفها ويستخدمها عدد كبير من الناس وبخاصة في المجتمعات والأمم المتقدمة، وكان الخبراء والتنمويون يحذرون باستمرار من أن استخدام الشبكة في المجتمعات الفقيرة يغلب عليه التواصل الشخصي والترفيه.
إن الشبكة لا تمنح مزاياها وفرصها على نحو تلقائي، بل ولشديد الأسف فإن جماعات التطرف والإرهاب والقرصنة والاتجار بالبشر كانت أسرع وأكفأ في استخدام الشبكة لأغراضها لتضيف إلى معاناة الأمم الفقيرة مزيداً من الهدر والخسائر.
وقد أمكن لكثير من الأسر والمدارس والمجموعات الاجتماعية والتنموية أن تنشئ من خلال الشبكة عمليات تواصل وتبادل معرفي لأجل توصيل وتفعيل الخدمات التعليمية والمعرفية. ورغم صحة ما يقال عن عمليات الغش والتسرب بسبب الاستخدام الشبكي للعمل والتعليم، فقد أمكن أيضاً الحصول على خدمات ومهارات جديدة ومهمة. واكتشف الكثير من الناس الطاقات الكامنة لديهم، وما يمكنهم أن يفعلوه، ونسمع ونقرأ باستمرار عن شبكات التضامن الاجتماعي والتواصل مع المرضى والمحتاجين من خلال الشبكة أو عمليات التعرف والمسح التي تجري لاكتشاف احتياجات الناس وما يمكن تقديمه.
وبطبيعة الحال فإن التحول الرقمي تصاحبه تحديات ومخاطر كثيرة، ثم إنه تحول يجري اليوم بسرعة تفوق قدرة كثير من الأفراد والأمم على الاستجابة والتكيف، وتصحبه جائحة «كوفيد-19» بما تمثله من كارثة اقتصادية واجتماعية تتحدى جميع الأمم وتهدد الموارد والمدخرات. وفي ظل التفشي المتسارع للوباء، تجري عمليات تلاعب بالمعلومات واتجار غير مشروع بها، كما أن الأنظمة التكنولوجية مليئة بالثغرات التي تجعل تنظيم الفضاء السيبراني مليئاً بالمخاطر والتحديات. ولعل أخطر ما يواجه الأمم حالياً هو موجة البطالة وضعف فرص الشباب وجميع الفئات العمرية في المشاركة الاقتصادية والاجتماعية. وهذا التحدي لا يضعف فقط موارد الناس ومن ثم يدفعهم إلى الفقر، لكنه أيضاً ينشئ الإحباط والكراهية والتطرف والشعور بالظلم والفجوة المتسعة بين الفئات.
وفي المقابل فقد دخل كثير من الشباب أسواق العمل الجديدة، وأعادوا تأهيل أنفسهم لتلبية متطلبات الأسواق والأعمال، وربما يكون الأمل الوحيد للأمم أن تضع ثقتها في الشباب والجيل الناشئ ليتحسس بنفسه وأدواته الخاصة الفرصَ والمخاطرَ الجديدة، فلعلهم أكثر إدراكاً لها وأقدر على إدارتها.
    نيسان ـ نشر في 2021/02/19 الساعة 00:00