توفيق (الجزائر) وبصرى (المغرب) ولطيّف(تونس) ... ثلاثيّ حكم المغرب العربى

رضا احمودى
نيسان ـ نشر في 2015/09/15 الساعة 00:00
شهدت الجزائر خلال الاسبوع الماضى حدثا سياسيّا مفصليّا فى تاريخها المعاصر وهو احالة الجنرال توفيق (محمد مدين) على التّقاعد بعد سنوات صراع خفيّ بين الرّئاسة والمخابرات والجيش حسمها الرّئيس بوتفليقة بالضربة القاضية رغم طول شيخوخته واستفحال مرضه كما قال زين العابدين بن علي فى بيان 7 نوفمبر واصفا حال بورقيبة . الجنرال توفيق الحاكم الفعلى للجزائر منذ التّسعينات فهو صانع الرؤساء و"ربّ دزاير" كما يسميه المواطن البسيط . الجنرال توفيق كان المسيطر على التعيينات الحسّاسة فى اجهزة الدولة (عسكرية كانت ام مدنية) والاحزاب والمنظمات المعترف بها ووسائل الاعلام وعلى التصدير والتوريد وعلى حسابات البنوك وكذا "سوناطراك" العمود الفقرى للاقتصاد الجزائرى . الجنرال توفيق كان الماسك بملف الصّحراء والعلاقات مع المغرب ودول الجوار والدول العظمى. الجنرال توفيق كان صاحب القرار فى العلاقات مع الاسلاميين بعد انتخابات 90 وزمن العشرينيّة السوداء وفترة المصالحة التى قادها لمين زروال وكذلك زمن العنف المسلّح الآنى بين الجيش والجماعات الارهابية التى استنزفت كثيرا الاقتصاد والقوات المسلّحة . للجنرال صاحب التكوين العسكرى الصارم بروسيا شخصية ستالينيّة حازمة لا تعترف بأنصاف الحلول ... يرفض الاضواء ويكره الظهور بشكل جعلت صوره المتداولة نادرة جدا ... تعمّدت صحيفة نشر صورته مع مجموعة من الضباط فأوقفها وأغتيل الصحفى صاحب المقال . صارع الجنرال اكثر من جهاز مخابرات عالمى داخل الجزائروخارجها ... منع اكثر من اختراق واخترق اكثر من حصن ... العالم يعترف بأنه للجزائر جهاز مخابرات من أقوى الاجهزة على المعمورة . أدار الجنرال صراع "لوبيات الفساد الاقتصادى" بحنكة ودهاء حدّ مقاومة الفساد "بالفساد"... لمّا ضرب "المحصّنين وراثيّا" بدأ عدّه التّنازلى وبدأ معه الاعداد لإزاحته بمرونة ذكيّة جنّبت البلاد صراع قد يعصف بمستقبلها السّياسي . شخصيّة الجنرال المحبّة للسيطرة تشبه كثيرا شخصيّة المغربى ادريس البصرى الذى كان وزيرا للداخلية ... يختلفان فى حبّ الظهور والاضواء الذى يحبّذه الثانى فى حين يكرهه الأول ... كلاهما كان يمسك مفاتيح البلاد والعباد . ادريس البصرى يفتخر بأنّه يعرف كلّ شئ عن المغرب بداية من حالة الطقس وصولا الى أثمان الخرفان بسوق الدّواب والمواشي . كان البصرى يراقب مراقبة لصيقة ومقلقة وليّ العهد حينها محمد السادس بحجّة حمايته من الاعتداء والاغتيال واختراق المخابرات الاجنبيّة لدائرته بإعتباره ملك المغرب فى المستقبل . ضاق وليّ العهد الأمرّين من وشايات ادريس البصرى لوالده الصارم الذى لا يتردّد على معاقبته عقوبات تصل الى فرض الإقامة الجبرية عليه ومنعه من الخروج . لمّا تقلّد الملك محمد السادس عرشه قام بإقالة ادريس البصرى وسنّ قانون مصالحة مع ضحاياه ( أكثر من 600 سياسي قتيل) ... اعتذر الملك لشعبه عن التّجاوزات التى ذهب ضحيّتها كثيرون فى عهد أبيه . بدأ المغرب ينتقل تدريجيّا الى ملكيّة دستوريّة جنّبت البلاد هزّات "الربيع العربى" وقدّم نموذجا ديموقراطيا حضاريّا ناجحا جعلته يشهد قفزات نوعيّة فى الاقتصاد مستفيدا من أزمات جيرانه . غياب البصرى أطلق العنان لمبادرات حضارية مغربية كانت مكمّمة تحت تأثير الخوف من البطش والتنكيل . الدّائرة المحيطة بالرئيس الجزائرى بدأت تعدّ بطريقة سلسة لما بعد بوتفليقة والبداية كانت بإستبعاد كل من رفض العهدة الرابعة وعلى رأسهم الجنرال العمارى والجنرال توفيق . الجزائر تتجه نحو الحلحلة والانفراج التدريجى المدروس الذى سيجنّبها هزّات كانت أوّل من تليّع بها . الجزائر تتعرّض لمؤامرة عالميّة كبرى هدفها ضرب جيشها القوي الذى هو مكسب لها وللعرب والمسلمين . فرنسا لن تغفر للجزائر هزيمتها والجزائر لن تنسى لفرنسا جرائمها التى ذهب ضحيتها مليون ونصف المليون شهيد . الموت المشبوه لبومدين رحمه الله هو ضريبة وقفته الشجاعة مع فلسطين ومصر وسوريا ولبنان فى كل الحروب ضدّ الكيان الصهيوني . فهل ستشهد الجزائر بعد رحيل الجنرال توفيق نفس ما شهدته المغرب بعد رحيل ادريس البصرى؟ تونس ما قبل "الثورة" وبعدها تحت سيطرة رجل الظلّ كمال لطيّف . كمال لطيّف الذى يتّصل بأكثر من 900 شخصية سياسية وامنية واعلامية واقتصاديّة من اقصى اليمين الى أقصى اليسار ... سياسيون يسبّونه فى النّهار امام مناصريهم ويتّصلون به فى الليل مشورة وطاعة ...وتذلّلا . كمال لطيّف الذى كان يخشاه بن علي وهو فى أوجّ قوّته . بين رجل الاعمال كمال لطيّف والعسكرى الجنرال توفيق والأمنى إدريس البصرى أكثر من قاسم . كمال لطيّف "رجل أمريكا" والبصرى "رجل فرنسا" وتوفيق "رجل الجزائر" اجتمعوا على السيطرة والنفوذ . نريد رجال المغرب العربى ... ونساء المغرب العربى . لا مستقبل للمغرب العربى بلا تنسيق وتكامل وصولا الى وحدة . المخابرات تحميك ..." تأدّبك"... تعرف انك جوعان ... لكنها لا توفّر لك الأكل. نحن نريد أن نأكل ... تحت الحماية . والحضارة عمل جماعى لتحقيق هدف مشترك .
    نيسان ـ نشر في 2015/09/15 الساعة 00:00