اليسار يحتضر بالمغرب ..
نيسان ـ نشر في 2015/09/18 الساعة 00:00
اعتبر الشاعر المغربي والباحث في شؤون المعرفة، صلاح بوسريف، النتائج التي وُصفت بالمخيبة لأحزاب اليسار في الانتخابات الجماعية الجهوية الأخيرة، بأنها مؤشر على ضعف اليسار واحتضاره"، مشددا على أن "الدولة تحتاج إلى يسار قوي، كما إلى يمين قوي، لضمان توازنها السياسي والاجتماعي".
وذهب بوسريف، في مقال توصلت به هسبريس، إلى أن "الدولة ليست في حاجة إلى أئمة ووعاظ دينيين، يتركون المساجد ليحتلوا الجماعات والجهات والمناصب الوزارية"، مردفا أن "الدولة تسير بالسياسة، وليس بالدين، وأنها تسير بالكفاءات، وليس بالولاءات وتحالفات الملاك مع الشيطان" وفق تعبيره.
يَسَــارٌ ضِـدَّ اليَسَــار
أبَانَت الانتخابات المحلية والجِهَوِية، الأخيرة، عن ضُعْف، وتشرذم اليَسار المغربي، إن لَمْ أقُل مَوْت، أو احْتضار هذا اليَسار. أعْتَز بِيَسارِيَتِي، وأعْتزُّ بانتمائي لهذا الفكر، بتاريخه، وبنضالاتِه، وبمُفَكِّريه، ومُثَقَّفِيه، وبِما أَنْتَجَهُ من أفكار، وما اقْتَرَحَه من نظرياتٍ، وأطْرُوحاتٍ، وبرامج، وما كان يَخُوضُه من معارك، ومُواجهاتٍ، كانت قَاسِيَةً على اليَسارِيِّينَ، قبل أن تكون قاسِيَةً على خُصومِهِم.
في المغرب، لا يُمْكِن أن نخطئ هذا الفكر، ولا يمكن أن نخطئ تاريخَ النِّضالات السِّياسِيَة، وحَتَّى ما اعْتُبِرَ نِضالاتٍ مُسَلَّحَةٍ، في مُواجهَة النِّظام، أو السَّعْيِ لـ «الانقلاب» على النِّظام، والإطاحَة به. فانقلاب النِّظام على حكومة عبد الله إبراهيم، وحَلّ البرلمان، ودُخُول المغرب مرحلةً من الحُكْم المُطْلَق، الذي لم يكن فيه دَوْرٌ للأحزاب، التي بَاتَتْ مَشْلُولَةً، ومُقَيَّدَةً، أو دُفِعَتْ للعمل بخَيارَاتٍ أُخرى، اقْتَضَتْها طبيعة المرحلة، هو تعبير عن ذلك التَّوتُّر الكبير الذي عاش عليه النِّظام، كما عاشَتْ عليه الأحزاب.
ولعلَّ مُحاولات الانقلاب العسكرية، وغيرها مِمَّا كان يجري في الخَفاء، كانتْ من نتائِج هذا الوضع الاستثنائي، الذي كان اليَسَارُ فيه، بمختلف تَلْوِيناتِه، ومُكَوِّناتِه، هو أحد الأقْطاب الفاعلة، في المَشْهَد، ورُبَّما، كانتْ، في نظر النِّظام، هي المُحَرِّكَ الأساسَ، خصُوصاً أنَّ بعض أقْطاب اليسار، كانوا يُحَلِّقُون بأكثر من جَناح، وفي أكثر من سَماءٍ من العالم، وكان لَهُم تأثير كبير، في داخِل المغرب، كما في خارِجِه. فاغتيال المهدي بنبركة، وأيضاً اغتيال عمر بنجلون، ومُحاولات اغتيال آخَرِينَ، والحُكْم بالإعدام على بعضهم الآخر، غيابياً، يَفْضَحُ، بشكل جَلِيٍّ، خَطَر اليساريين،وخَطَر ما كانوا يَحْمِلونَه من أفكار، وما تَركُوه من كتاباتٍ، وما أسَّسُوا له من عمل نِضالِيّ، ظَلَّ بمثابة العَيْن التي منها شَرِبْنا جميعاً، أو فَتَحَتْ لنا آفاق المعرفة، وطريق البحث التي قادَتْنا إلى الفكر الإنساني، وإلى مصادر هذا الفكر الكُبْرى، وكانتِ الفلسفة، وعلم الاجتماع، والانتربولوجيا، والتاريخ، وعلم النفس، والآداب، أي كل ما يَتَّصِل بالعُلوم الإنسانية، الأراضي التى جُبْناها، في ما كان يَعْتَرِينا من قَلَقٍ، ومن شَكٍّ، ومن بَحثٍ عن «اليقين»، بتعبير ديكارت.
لا يمكن أن نُغَيِّبَ الدَّوْرَ الحَاسِمَ للتعليم، والتَّكوينِ، وأعني دور المدرسة، والجامِعَة، والأساتِذة، ممن كانوا مُنْتَمِين للفكر اليَسارِي، في عُمُومهم، وكانوا في دُروسِهِم، يحرصون على وَضْعِنا في مُواجَهَة أنْفُسِنا، وفي مُواجَهَة الأسئلة الحَارِقَة، الَّتِي ما فَتِئَتْ تَكْبُر في نُفوسِنا، وفي عقولِنا، تَجُرُّنا من أرْضٍ إلى أخْرى، ومن سؤال، إلى سؤال آخَر. لا شَيْءَ كان حَاسِماً، ونهائياً، كُلُّ شيءٍ، مهما تَكُن طبيعتُه، فهُو موضوع بَحْثٍ، وشَكّ، وتَسَاؤل، وقَلَقٍ.
كانت المدرسة، بهذا المعنى، مكاناً لبِناء فكر الإنسان، ولِبناء الحِسّ الإنساني في الإنسان، وإشْعار الإنسان بمسؤوليتِه، باعتباره موجوداً، بالتعبير الهايدغيري، على ما يجري في الوُجود من اخْتِلالاتٍ، وما يتعرَّض له الإنسان من ظُلْم، وإهَاناتٍ، وَمَيْزٍ، واسْتِنْزَافٍ لطاقاتِه، من قِبَل الحاكِمِين، ومن قِبَل المُتَنَفِّذِين من أصحاب المال، والمشاريع الاستثمارية الكُبْرَى، دون أن أستعمل المصطلحات، والمفاهيم التي كانت سائِدَةً، آنذاك، وأصبحت اليوم، شبه مُخْتَفِيَة، رغم أنَّ الفكر الذي أنْتَجَها لَمْ يخْتَفِ، أو هو شاخَ، وأصْبَح في حاجَةٍ لِتُرابٍ يَخْرُجُ منه، كما تخرج العنقاء، أو الفِنِيق من رَمادِه، بعد أن يُعَرِّضَ نَفْسَه لِحَرارَة الشَّمس الحَارِقَةِ.
ما وَصَلْنا إليه من «اسْتقرار»، ومن «مُصالَحَة»، وَنَزْعِ فَتيل التَّوتُّر بين النِّظام، واليسار، في المغرب، مهما تَكُن الخَسَارات، هو حَاصِل تَفَاهُماتٍ، وتَنازُلاتٍ، قَدَّمَها الطَّرفَان، ورُبَّما، كانت تنازُلات اليَسَار، أكثر سَخَاءً من تنازُلاتِ النِّظام، وهو ما تَكْشِفُه صَفْقَة التَّناوُب، التي كانتْ بمثابة القَشَّة التي أثْقَلَتِ ظَهْرَ البَعِيرَ.
لا يمكن، لأيٍّ كان، أن يُنْكِرَ دَوْرَ «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، باعتباره قاطِرَةَ اليسار المغربيّ، آنذاك، وما أدَّاهُ من ثَمَن كبيرٍ، في هذا الاستقرار، وفي هذا الوضع الذي بَاتَ الجميع يعتبرونه اسْتِثْنائياً.
الإسلامويون، لم يكونوا ظاهِرِين في الصُّورَة، بل كانوا يعملون تَحْتَ الأرض، وكانوا، بعكس ما يدَّعُون، اليوم، وهُم فوق الأرض، سِلاحاً آخر من أسْلِحَة النِّظام، اسْتُعْمِل في كثير من المُناسَباتِ، لتحريف المشروع اليَسَارِي، التَّقَدُّمِي، الحداثي، التَّنْوِيرِيّ، وتَشْوِيهِه، ولم تكن مشكلتهم تتعلَّق، لا بـ «ثورة»، وهذا مفهوم يكرهونه، ولا بـ «صحوة»، أو «إصلاح»، وهي من المفاهيم التي لم يَسْتَعْمِلُوها، إلاَّ حين أتاحَ لَهُم دَمُ اليسار، أن يَنْعَمُوا بهامشِ حُرِّيَةٍ، لَم يكونوا سَبباً فيه، ولا قَدَّمُوا دَما من أجْلِه، بل إنَّ في طَيَّاتِ الحِوار المُطَوَّل مع عبد الإله بنكيران، في مجلة «زمان»، ما يَكْشِف عن «تعاونه» مع المُحَقِّقين! وهذا فيه ما فيه من قراءات، تأويلاتٍ.
ما زَرَعَـه اليسار المغربيّ من غَلّاتِ الحُرِّيَة، وما قَلَبَهُ من تُرَبِ هذه الحُرِّياتِ، وحقوق الإنسان، وما كَرَّسَهُ من فكر نقدي، ومن هوامش ديمقراطية، وغيرها، مِمَّا يعمل الإسلامويون على تخريبه، والتَّراجُع عنه، بما في ذلك الحقوق النقابية المختلفة، حصَدَه حزب «العدالة والتنمية»، الذي انتظر إلى أنْ نَضَجَت التِّينَة، فَسَقَطَت بين يدَيْه، دون عَناء تَسَلُّق الشَّجَرة، أو مَلَمَلَتِها، بالأحرى، وهذا ما يُبَرِّرُه، ويُفَسِّرُه المَثَل السَّائِرُ، «رُبَّ ضارَّةٍ نَافِعَة».
هذا التَّشَتُّت، والتَّشَرْدُم، ووَضْع «اللُّجُوء» الذي باتَ عليه اليَسَارُ المغربي، وما تعرفه الأحزاب اليسارية من انْشِقاقاتٍ، وتَصَدُّعاتٍ، ومن تَرَهُّلٍ، وانْكِماشٍ، وما ذَهَب إليه البعض مِنْ دَعَواتٍ لِمُقاطعة الانتخابات، أو القيام بحملات مُضادَّة، من يَسَار ضِدَّ يسارٍ، أو التَّصوٍيت الانتقامي، وتَشْتِيت الأصوات، بين يَسَارِيًّ «لامُنْتَمٍ»، ويساري يعتبر نفسَه هو اليسار، كان كافِياً ليهزِم اليَسَارَ، ويَضَعَهُ في الزَّاوِيَةِ. فاليسار لم يَهْزِمْهُ «العدالة والتنمية»، بل إنَّ اليَسَار هَزَمَه اليَسَار، لأنَّ وضع اليسار اليوم، في المغرب، يُشْبِه، وضع الوَرَثَةَ الذين ما إنْ وُضِع الأب في التَّرابِ، حتَّى قامُوا يُوَزِّعُون التَّرِكَةَ بينهم، ليس بمقتضى قوانين التَّوارُت، بل بمُقْتَضَى منطق الهَيْمَنَة، والأكبر في مواجهة الأصغر، أو الأقوى، في مواجهة الأضعف، فصار الأمر يُشْبِه ما يجري في أعماق البِحار، الحِيثانُ الكبيرة، هي من تَسْتَبِدُّ بالصَّيْدِ، وبِحِصَّة الأسَد، كما يُقال، في قانون، أو شريعة الغاب.
إذا لَم يَتَوحَّد اليسار، الذي يزداد انشقاقاً وعداءً، وإذَا لَمْ يَخْرُج مِنْ غَيْبُوبَتِه، وإذا لَمْ يُجَدِّد نُخَبَه، وإذا لم يُعِد النَّظَر في فكره، وفي أيديولوجيته، وفي مفاهيمه، وفي رُؤْيَتِه للواقع، وإذا لَم يعمل على وضع المثقفين في قَلْبِ هذا التَّغيير، والإنصات إليهم، دون تَعالٍ، أو ادِّعَاءاتٍ فارِغَةٍ، وإذا لَم تُعِدِ الأحزاب اليسارية، النَّظَر في بنيات «الحزب» نفسه، وفي طبيعة تنظيماته، وهياكله، وما تَقْتَضِيه المرحلة من تَعْبِئَة، ومن تَحْشِيد، وخروج إلى الشَّارع، والاتِّصال بالفئات الاجتماعية المختلفة من الشُّبَّان، ومن الطلبة، ومن االموظفين، والعمَّال، ومن المُعطَّلِين، ورجال التعليم، وغيرهم، بمن فيهم رجال الأعمال، وتَوْحِيد صُفُوفِه النَّقَابِيَّة، والتَّنَازُل عن مفهوم الزَّعامَةِ والقِيادَةِ، الذي كثيراً ما كَانَ سَبَبَ هذا التَّشَرْدُم، والتَّشَتُّتِ، فلا يمكن لليسار أن يَخْرُجَ من هذا القُمْقُم المُعْتِم الذي وضع نفسَه فيه، ومن هذه العَداءَات، والحُرُوب التي لا تفتأ تكبر، وتتوسّع بصورة لا مثيل لها.
الدولة في حاجةٍ إلى يسارٍ قَوِيّ، كما هي في حاجة إلى يمينٍ قوي، لِضَمان تَوازُنِها السِّياسِيّ، والاجتماعيّ، وليست، البَتةَ، في حاجة إلى أئِمَّة ووُعَّاظٍ يتركون المساجد ويَحْتلُّون الجماعات، والجهات، والمناصب الوزارية، فالدولة تسير بالسِّياسَة، لا بالدِّين، أو بِدِينٍ هو تأوِيلٌ للِدِّين، وتَفْسِير لَه، مُغْرِق في التَّبَعِيَّةِ والانْغِلاق، وتَسِيرُ بالكفاءاتِ، لا بالولاءاتِ، والتَّحالُفَاتِ الفَاوُسْتِيَّةِ، الَّتِي يصيرُ فيها «المَلاكُ» حليفَ «الشّيطانُ»، ويَنْقَلِبُ فيه المُنّتَخَبُ عَلَى النَّاخِبِ، كما حَدَثَ في المجالس البلدية، وفي الجِهاتِ. فالنَّاسُ صَوَّتُوا ضِدَّ المُفْسِدِين، كَما اعْتَقَدُوا وظَنُّوا، لَكِن حين يُصْبِح المُفْسِدُ حليفاً للفائز، فهذه خِيانَةٌ لأصْواتِ النَّاس، ولِوقَتِهم، وضِحِك على الذُّقُون، وهو، في معناه السِّياسيّ والاجتماعي، جَرٌّ للعَرَبَةِ إلى الوراء، وهذا ما لَمْ يَعِه النَّاس بعد، وهُم يُصَوِّتُون في صناديق الاقتراع، في ما التَّصْوِيت الفعلِيّ، يجري في دواليبِ الأحزاب، وسراديبها، دون مُراعاةٍ لرأي المُصَوِّتِين، ولرغبتهم في التَّغْيير، وهذه مُعْضِلَة أخرى، يجب تَسْييجُها بقوانين تضْمَن حَقّ المُنْتَخِب بالمُطالَبَة باسْتِعادة صَوْتِه، عندما يَتِمُّ تَحْرِيفُه في الاتِّجاه الخَطأ.
نيسان ـ نشر في 2015/09/18 الساعة 00:00