الجبهة الداخلية ومقاربة الأسئلة الكبرى

سامح المحاريق
نيسان ـ نشر في 2021/12/05 الساعة 00:00
بالتزامن مع الاستدارات الكبيرة والمنعطفات الحادة على المستوى الإقليمي تحدث مجموعة من التفاعلات المحلية في كل بلد، وكلما اتسعت فسحة الديمقراطية تزايدات سخونة هذه التفاعلات، والديمقراطية المعنية ليست بالضرورة الممارسة المثلى، فالتفاوت في الديمقراطية يمكن أن يجد مكانه في حرية الرأي والتعبير والتجمهر والتظاهر، ولذلك فالأردن من الدول التي يتوقع أو يفترض أن تتابع بحذر وذكاء وضعها المحلي في هذه المرحلة.
مساحة التعبير في الأردن معقولة نسبياً، مقارنةً ببقية الدول العربية، والدليل وجود مظاهرات دورية تنتقد قرارات حكومية، ومع أن الإجراءات الأمنية توجهت لإبداء بعض الغلظة في الأيام الأخيرة عندما اعتقلت مجموعة من الشباب المحتجين على إعلان النوايا بخصوص الكهرباء والمياه مع الجانب (الإسرائيلي)، إلا أن رئيس لجنة تحديث المنظومة السياسية ونائب رئيس مجلس الأعيان سمير الرفاعي خرج ليتحدث معارضاً للإجراءات، وفي النهاية تقاربت وجهة النظر الأمنية والسياسية، وأطلق سراح المعتقلين، ولكن لم تلبث الأجواء إلا أن تلبدت مرة أخرى في مظاهرة الجمعة الماضية، مع سقف غير مقبول للهتافات، موجه للدولة والمجتمع على السواء.
السقف المرعب استدعى أن تخرج الحملة الوطنية الأردنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني ببيان توضيحي، وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بمجموعة من التعليقات الغاضبة، رصدت بعضاً منها وتابعته لأجده يتحول إلى عتاب نبيل على هامش التعليقات على البيان في صفحة الحملة على موقع فيسبوك، ولكن الكثير من الماء في الفم، ليس عند الرفاعي وحده.
ما إن طرحت الهوية الجامعة على كل ما أخذته من تفسير قاصر وتأويل مفرط، حتى بدأت عملية متابعة قلقة أو تربص مقلق، تبدى ذلك في الأسابيع الأخيرة من دوري كرة القدم، وتبعته حادثة النقابات بين والد أحد الأسرى والحرس الخاص بشخصية فلسطينية نافذة، وأخيراً استدعاء تعبيرات بائدة في هتافات مظاهرة وسط البلد في عمان، فهل يمكن أن ننزع صفة البراءة على التزامن بين طرح المفهوم من جهة، وبين هذه التفاعلات، وهل هذه التفاعلات عرضية والاستثنائي هو الإضاءة العالية التي رصدتها، أم أنها قصدية تدرك مشكلة المحتوى والتوقيت على السواء؟
هل المقاربة الأمنية ممكنة أم تتوجب المقاربة السياسية؟ أعتقد أن المقاربة الاجتماعية أصبحت ضرورية وعاجلة، فنحن نتحدث ونتحدث، مواربةً وتلميحاً وتصريحاً وتجريحاً، ويبقى ذلك كله يصب في محصلة صفرية، ويعزز حالة الانفصام الثلاثي في الشخصية التي وصفها سابقاً عبد الرؤوف الروابدة، ومشكلتنا في الحديث والنقاش أنها تتم بمعزل عن الصورة الكاملة، مثل معصوبي الأعين الذين يتلمسون جسد الفيل فيخرج كل واحد منهم بوصف خاص ومعتقد مختلف لا يشبه الفيل على أي حال، وهذه الصورة الكاملة محتجبة وراء العوز في الشفافية سواء بسبب فشل استراتيجية وأدوات التواصل مع إعلام مرهق وغارق في مشكلاته، أو بسبب عدم وجود الصورة كاملة لدى أي طرف بسبب تنافس وتزاحم المؤسسات والخلاف حول المدخل المناسب لبناء صورة متكاملة.
ما علاقة ذلك كله بما يحدث في الإقليم، التقاربات التي كانت تبدو مستحيلة أصبحت أمراً واقعاً، والخيارات الأردنية ربما أصبحت أكثر تنوعاً، من محور الشام الجديد إلى الدخول في معترك غاز شرق المتوسط بتواصل أردني – يوناني– قبرصي، وعلاقات جيدة مع تركيا التي تعيد التمركز، وايحاءات بإمكانية إعادة عقارب الساعة للوراء مع ايران، وذلك كله يدفع لوجود رؤية جديدة للأردن ودوره، وكل ذلك لا يمكن أن يتأتى إلا بجبهة داخلية تعيش ظروفاً صحية وتتعامل مع معطيات صلبة وواقعية، وتحدد سقوفاً واضحة للمناورة والمرونة.
الأردن ليس سوقاً لأي صراع ولا أرضاً لاستيراد خلافات الآخرين، وهذه الرسالة يجب أن تترجم عملياً من خلال النظر في الجبهة الداخلية وطرح أسئلتها الكبرى صراحةً وجهاراً، ففي الفم الماء، لا نريد أن نغص به.
الغد
    نيسان ـ نشر في 2021/12/05 الساعة 00:00