اللانظام العربي الجديد

د. محمد أبو رمان
نيسان ـ نشر في 2023/01/29 الساعة 00:00
-
ما حدث في قمّة الجزائر العربية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، قبلها وبعدها، ثم مؤتمر النقب الذي شاركت فيه دول عربية وإسرائيل، ولاحقاً لقاءات عربية بينية كثيرة في القاهرة وأبوظبي، حضور حكّام وغياب آخرين، وحراك دبلوماسي متعدّد، كزيارة الملك عبد الله الثاني الأسبوع الماضي قطر، والتحسن الكبير والملحوظ في العلاقة بين عمّان والدوحة، وتصريحات وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، على هامش مؤتمر دافوس (وما تؤشر إليه من دلالات مهمة في العلاقات العربية) عن تغيير سياسات بلاده في تقديم المساعدات والمنح للدول العربية وجعلها مشروطة، وقبل هذا وذاك الاتفاقيات الإبراهيمية والعلاقات الخليجية البينية، فهذه جميعاً تؤشّر على حالة حراك كبير ومستمرّ لمحاولة إعادة ترسيم قواعد النظام الإقليمي العربي الجديد. لكن، من الواضح أنّ هناك عجزاً عن التفاهم على المرحلة الجديدة، أو إذا أردنا أن نستعير العبارة الشهيرة لغرامشي: "القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد".
العالم العربي أو النظام الإقليمي العربي بعد الربيع العربي 2011 ليس هو نفسه النظام القديم، والنظام العربي بعد إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، وحرب اليمن والأوضاع في سورية ومصر والعراق بعد 2016 ليس هو نفسه، والنظام العربي منذ احتلال العراق 2003 ليس هو نفسه السابق، لكن يمكن القول إنّ النظام العربي منذ الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحرب الباردة وصولاً إلى حرب العراق 2003 كانت فيه قواعد وتفاهمات وديناميكيات أكثر وضوحاً مما حدث بعد ذلك، وتختلف جذرياً عما نراه اليوم.
إذاً، من الضروري اليوم إعادة دراسة النظام الإقليمي العربي، من فريق علمي متميز من علماء السياسة من الخبراء والباحثين والأساتذة المميزين، لاستقراء (وتحليل) التحوّل في الديناميكيات والقواعد والعلاقات البينية بين الدول العربية والتغيرات البنيوية فيه، بخاصة منذ الربيع العربي، إذ انقلبت الأدوار وتغيرت موازين القوى وتعدّد الفاعلون داخلياً وخارجياً، وتغيرت سياسات القوى الكبرى، واختفت معالم رئيسية حكمت هذا النظام في المراحل السابقة.
ثمّة كتب كلاسيكية عربية معروفة تعتبر مرجعاً في النظام الإقليمي العربي، مثل كتاب علي الدين هلال وجميل مطر، وهو قديم نسبياً ويعتبر من أقدم المراجع، وهنالك كتب أخرى، مثل كتاب محمد سعيد إدريس الذي درس النظام الإقليمي لدول الخليج العربي، وكتاب فواز جرجس "النظام الإقليمي العربي والقوى الكبرى" وهنالك مجموعة من الكتب والندوات المنشورة لمجموعة مراكز دراسات وأبحاث، ومنها "النظام الإقليمي العربي بعد حرب العراق" لإيمان أحمد رجب.
مشكلة كثير من هذه الكتب، بخاصة الندوات المنشورة، أنّها إما تنطوي على انحياز واضح لدولة أو دول معينة، أو أنّها تحجّم مستوى الحرية البحثية حتى لا تصطدم بالخطوط الحمراء العربية، أو أنّها لا تصل إلى بلورة إطار مفاهيمي لتحليل (وفهم) سلوك النظام العربي والتحولات الكبرى في الفترات الأخيرة تحديداً. ما يستدعي بالفعل نوعاً مختلفاً ومغايراً من الجهود يتّسم بقدر أكبر من الموضوعية والحيادية والحرية البحثية والجدّية.
لو حاولنا النظر إلى الملامح الأولية للحالة الراهنة، فنحن أمام ما يمكن تسميته اللانظام العربي الجديد، يتمثل ذلك بشلل كامل سياسياً لجامعة الدول العربية، وتفكّك دول وطنية عديدة وتزايد ملحوظ وكبير لدور الدول الإقليمية في العلاقات الداخلية والإقليمية، سواء تحدّثنا عن تركيا وإيران، أو أخيراً عن عملية استدخال إسرائيل للنظام الإقليمي عبر الاتفاقيات الإبراهيمية، والتشكيك في مركزية القضية الفلسطينية التي شكّلت خلال عقود طويلة إجماعاً في أوساط النظام الإقليمي القديم، وتزايد دور الفواعل من دون الدولة بصورة ملموسة، وتحوّل في أوزان الدول المركزية وبمحرّكات (وطبيعة) القوى المستخدمة في التأثير على سلوك الدول والأطراف الأخرى...
تاريخياً، كان التنافس التقليدي بين مصر وسورية والعراق، وكانت السعودية والأردن يقومان بأدوار مهمة، من دون محاولة تصدّر المشهد. تبدو السعودية الجديدة اليوم طموحة وتقدّم نفسها قوة إقليمية تقود النظام الإقليمي وتنافس إيران، بينما تقدّم أبوظبي والدوحة نماذج متباينة في السياسات الخارجية وعملية التأثير على الحكومات والنخب السياسية والمثقفة، فيما تراجع بصورة ملحوظة دور القوى والدول التقليدية، وتفكّك دور "دول الطوق" الذي كان يشكل ركيزة في ديناميكيات النظام الإقليمي العربي القديم .العربي الجديد
    نيسان ـ نشر في 2023/01/29 الساعة 00:00