سويسرا: سياستنا في إعادة الأموال المنهوبة تخدم قيمنا ومصالحنا على حد السواء

نيسان ـ نشر في 2015/11/05 الساعة 00:00
على مدار السنوات العشرين المنقضية، أعادت سويسرا حوالي 1,8 مليار دولار إلى دُول نامية، مما نهبه قادتها. وفي معظم الحالات، سجّلت المبالغ المُستردة نجاحا إستراتيجيا عظيما، كما تقول باسكال بايريسفيل، المسؤولة عن المهمة، في تعزيز سُمعة سويسرا ومركزها المالي. ممثلو حكومات أجنبية وخبراء من البنك الدولي ومنظمات سويسرية غير حكومية، أثنوا جميعا على الخطوات التي اتّبعتها الحكومة الفدرالية في السنوات الأخيرة لتجميد أموال حكّام وزعماء أجانب وإعادتها، وقريبا سيتِم توثيق هذه السياسة في قانون حظِي بالموافقة المبدئية عليه من قِبل غرفتيْ البرلمان الفدرالي. ومع أن المشاكل لم تُحَل كلّها، خاصة ما يتعلق بقبول الأموال وإدارتها في المصارف السويسرية، إلا أن تلك التدابير قد أثبتت نجاعتها وكان لها أثر في ردْع أولئك الذين بقوا حتى وقت قريب، يعتبرون سويسرا ملاذا آمنا للهروب بالأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة، على حدّ قول السفيرة باسكال بايريسفيل، نائبة مدير إدارة القانون الدولي العام في وزارة الخارجية السويسرية. * تُعتبر سويسرا إحدى البلدان الرائدة في مجال التحفظ على أموال الحكام وإعادتها. فكيف حصلت على تلك المكانة؟ باسكال بايريسفيل: لم تنشأ سياسة إعادة أموال الطُّغاة من باب التفضل. فخلال الثمانينات، اتُّهِمت سويسرا باستقبالها لأموال الظَّلَمة، وفي عام 1986 وإثر سقوط الدكتاتور فرديناند ماركوس، واجهت سويسرا أولى أهَم القضايا المتعلّقة بأموال الطغم الحاكمة، ومنذ تلك اللحظة، أدركنا أهمية تأصيل منهج يأخذ بعيْن الاعتبار قِيَمنا من ناحية، ومكانتنا المالية من ناحية أخرى، وكانت النتيجة أن أصبحنا نضطلع بالسياسة الأكثر تقدّما على مستوى العالم في مجال تجميد الأموال المنهوبة وإعادتها. * بالتالي، يمكن لسويسرا أن تمثل القدْوة في هذا المجال؟
باسكال بايريسفيل: ليس هدفنا أن نرتقي إلى مرتبة الصدارة، كما قيل أحيانا، لكن في المقابل، ندرك بأننا إذا أردنا الحفاظ على مركزنا المالي نظيفا وذا قدرة تنافسية، فلابد لنا من نظام على مستوى عالٍ، وعلى المراكز المالية الأخرى أن تبذل جهدها. ومنذ الربيع العربي، قامت بعض الدول بنشاط جيّد، وفي السنوات الأخيرة، أعادت الولايات المتحدة أموالا أكثر مما أعادته سويسرا. فهناك تغيّر في العقليات، ويكفي أن ننظر لما يحدُث في الإتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أو لحملة مكافحة الفساد التي قامت بها السلطات الصينية. فالحرب على الفساد تتزايد، وستكون الجهود المبذولة من قِبل سويسرا مُثمّنة، على الرغم من أن امتثال كلّ المراكز المالية سيستغرق وقتا. * تتفاخر الحكومة الفدرالية بأنها تمكّنت على مدى العشرين سنة الماضية، من إعادة 1,8 مليار دولار من الأموال المنهوبة من قِبل الحكام، فهل تمّ فعلا التحقق من إعادة تلك الأموال إلى أيادي الشعوب؟ باسكال بايريسفيل: لا يوجد أبدا ضمان كامل، لكن من جانبنا، هناك إرادة سياسية ناصِعة وقوية كي تذهب تلك الأموال إلى الشعوب. وفي بعض الأحيان، تكون الأمور صعبة وحسّاسة، فلكل قضية تدابيرها الخاصة واتفاق تعاون مع الدولة الشريكة، وقد أظهرت الإختبارات في معظم الحالات، أن العملية تكلّلت بالنجاح.
* لكن في عام 2005، باءت عملية إعادة مئات الملايين من الدولارات إلى نيجيريا بالفشل الذريع، حسب إعلان عدة منظمات غير حكومية، ووفقا لإعلان برن، تم تخصيص حوالي نصف الأموال لمشاريع تنموية مشكوك بها أو ببساطة غير موجودة. فهل تعلمت سويسرا الدرس من هذا الفشل؟
باسكال بايريسفيل: لقد تمّ إيداع الأموال في خزينة الدولة النيجيرية لصالح مشاريع غيْر وهمية، ولا يوجد أي دليل على إساءة استخدامها، والمشكلة في عدم وجود إمكانية لتتبع استخدام كل فرنك، والبنك الدولي قام بالمعاينة بعد أن تمّ التصرّف بالأموال، والمسؤولية إنما تقع على عاتق الحكومة النيجيرية، التي واجهت بسبب ما حصل انتقادات شديدة من قبل منظمات المجتمع المدني. ومن جانبنا، نحاول جاهدين التوضيح لشركائنا بأن إشراف جهة مستقلة، هو في مصلحة البلاد التي تسترد الأموال وبأن عملية الرصد يجب أن تتم منذ بدء اتخاذ الإجراءات. مؤخرا، وبموجب اتفاق مع الحكومة النيجيرية، قامت السلطات القضائية في جنيف بإعادة 380 مليون دولار سرقها الديكتاتور السابق ساني أباتشا. فلماذا لم يتم إشراك وزارة الخارجية الفدرالية في الموضوع؟
باسكال بايريسفيل: ينبغي لهذا السؤال أن يُطرح على السلطات القضائية في جنيف، لكن وبشكل عام، لعبت سلطات جنيف دورا رائدا بخصوص إعادة الودائع المنهوبة، والتنسيق بيننا وبينهم يسير بشكل جيد. وبالنسبة للحالة المذكورة، لا تزال الأموال مجمّدة في سويسرا، وقد عُهد إلى وزارة الخارجية لكي تتفاوض مع السلطات النيجيرية بشأن استعادتها، إلا أن حكومة الرئيس الجديد محمدو بوهاري لم تتشكّل بعد، ونحن في انتظار أن يصبح لدينا شركاء في أبوجا لكي يمكن بحث طريقة صرف تلك الأموال. ومن جانبنا نحن مطمئنون، باعتبار أن فوز الرئيس بوهاري في الإنتخابات كان بفضل مكافحته للفساد.
* انتقدت حكومات أجنبية سويسرا لكونها تربط إعادة الأموال بالدواعي الأخلاقية، مما يعيق أحيانا إعادتها ويبقى استغلالها لعشرات السنين، بدلا من صرفها في برامج تنموية. كيف تردون؟
باسكال بايريسفيل: الحقيقة أننا لا نتجاوز الحكومات المنتخبة شرعيا ولا نفرض عليها شروطا، لكن عملية استرداد الأموال المنهوبة طويلة وشاقة، ولكي تنجح، لابد من التعاون والتنسيق بين الحكومتين. ومن خلال ذلك يتهيأ الحوار حول كيفية تنفيذ المهمة وفقا لمصلحة الطرفين. لقد تم سلب أموال هي في الأساس ملك لشعوب تلك الدول، ولذلك نحاول أن تكون لمنظمات المجتمع المدني يد في الموضوع، وأن يكون لها رأي، خاصة عندما تكون قد ساهمت في تغيير نظام الحكم، كما حدث في الربيع العربي. * هل تحصّلت لكم معرفة بالمشاريع التي سيخصص لها مبلغ 6 ملايين فرنك تحفّظت عليها سويسرا من ودائع ديكتاتور هايتي السابق جان كلود دوفاليي؟
باسكال بايريسفيل: إعادة هذه الأموال ستتم عن طريق الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، وكمثال، فقد قمنا بدراسة مقترحات تتعلّق بمشاريع البنية التحتية وبحقوق الإنسان، لكن بسبب الوضع السياسي غير المستقر في البلاد، لم نستطع حتى الآن تدارس الأمر مع السلطات الهايتية.
* منذ ربع قرن والشعب الهايتي ينتظر هذه الأموال، فهل يبرر له ذلك بدء نفاذ صبره؟
باسكال بايريسفيل: نحن نتحمّل المسؤولية عن ضمان حسن استخدام تلك الأموال، وهذا تحدٍّ كبير بالنظر إلى حساسية القضية. فقد أخذت منّا إجراءات اعتماد قانون يسمح بتجميد هذه الأصول 25 عاما، أفيُعقل بعد هذا أن نتسرّع في إعادة تلك المبالغ بحيث تدخل من جديد في دوامة الفساد؟ وأذكركم بأن سويسرا هي البلد الوحيد الذي سيعيد أموالا غير شرعية اختلسها جان كلود دوفاليي، ولئن كان المبلغ ليس كبيرا، إلا أنّ قيمته الرمزية عظيمة عند شعب هايتي.
    نيسان ـ نشر في 2015/11/05 الساعة 00:00