النظام السوري يتربح من الإخفاء القسري

نيسان ـ نشر في 2015/11/06 الساعة 00:00
حين اعتقلت قوات النظام في سوريا زوجها للمرة الاولى، رفضت ميس زغلول دفع اي مبلغ للوسطاء بهدف معرفة مصيره، لكن حين اعتقل مرة ثانية رضخت الشابة للأمر الواقع، وشاركت في منظومة الفساد هذه المترسخة في سوريا. وفي اتصال هاتفي اجرته معها وكالة فرانس برس قالت زغلول، التي تقيم حاليا مع اطفالها الثلاثة في السويد: "عندما اعتقل زوجي للمرة الاولى، رفضت ان ادفع لانني لم اكن اريد تشجيع هذه الظاهرة، ولكن في المرة الثانية، كنت حاملا ومنهكة، كنت مستعدة لان افعل اي شيء". السلطات السورية إلى ذلك، اتهمت منظمة العفو الدولية السلطات السورية بالتربح من عمليات الاخفاء القسري المنتشرة على نطاق واسع في البلاد، وذلك عبر المبالغ التي تدفعها العائلات بحثًا عن افرادها، معتبرةً هذه الممارسات "جرائم ضد الانسانية" . وافادت المنظمة، في تقرير اصدرته حول الاخفاء القسري في سوريا، "عن جني الدولة ارباحًا جراء انتشار عمليات الاختفاء القسري بشكل منهجي، وعلى نطاق واسع، بما يرقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية"، مشيرة الى "بروز سوق سوداء من الخداع والحيلة على هامش هذه الممارسات تستغل رغبة أقارب الضحايا وتوقهم المفرط لمعرفة مصير احبتهم المختفين مقابل حفنة من المال". ووصل عدد حالات الاخفاء القسري وفق المنظمة الى "مستويات مروعة"، ونقل التقرير عن "الشبكة السورية لحقوق الانسان" توثيقها "لتعرض ما لا يقل عن 65 الف شخص" للاخفاء القسري منذ العام 2011، بينهم "نحو 58 ألف مدني". وبحسب تقرير منظمة العفو فان الوسطاء "لديهم علاقات وثيقة مع السلطات السورية"، وهم يمكن ان يكونوا "حراس سجون او محامين او معتقلين سابقين او ائمة مساجد"، ويستغل هؤلاء، بحسب التقرير، قلق الاهالي على مصير اقاربهم المعتقلين لعلمهم انهم "يتعرضون لمعاناة هائلة"، مثل التعذيب والاغتصاب، و"في بعض الحالات للموت". مجرد ابتزاز ورغم ترددها، الا ان ميس زغلول، التي كانت احد الشهود الذين استند اليهم تقرير منظمة العفو، رضخت في نهاية الامر وقررت دفع المال مقابل معرفة مكان زوجها ويدعى محمد، وهو محام وناشط في مجال الدفاع عن حقوق الانسان، اعتقل للمرة الاولى في آب (اغسطس) 2011 لمشاركته في تظاهرة، ثم اطلق سراحه بعد ان وقع على تعهد بعدم تكرار ما فعل، ولكن في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 اعتقل عند حاجز تفتيش اثناء عودته من عمله . وتقول ميس انهم "طلبوا" نصف مليون ليرة سورية، اي اكثر من 8500 دولار في حينه، لاطلاق سراح زوجها، وحين تستوضح منها فرانس برس من هم هؤلاء الذين طلبوا المال، تجيب: "لا يمكننا ان نعرف". وعندما رفضت العائلة دفع هذا المبلغ، نقل محمد، بحسب ما قيل لزوجته لاحقًا، الى سجن تابع للاستخبارات الجوية، الفرقة المعروفة بانها الاكثر قسوة في سوريا. ولم توقف ميس مسيرة بحثها عن زوجها، فقد حاولت معرفة مكانه "بواسطة معارف لمعارفنا"، لتصل في النهاية الى رجل عرّف عن نفسه بانه ملازم، وعرض عليها المساعدة. أعطته ميس خمسة آلاف دولار، وهو مبلغ "كان زوجي وضعه جانبًا من اجل عائلته". ولكن ما ان حصل الوسيط المفترض على المال حتى "اختفى"، كما تقول ميس، مؤكدة انها لا تزال من دون اي معلومة عن مكان زوجها، ولا تعلم ما اذا كان لا يزال حيًا ام لا. معلومة واحدة وميس ليست لوحدها في هذا، فالروايات المتشابهة كثيرة جدًا، وفي بعض الاحيان "الوسطاء" هم من يبادرون الى الاتصال بذوي المعتقلين عارضين عليهم خدماتهم. وينقل تقرير منظمة العفو عن سعيد عيدو، الذي اختفى شقيقه في 2012، قوله: "نحن نتلقى اتصالات هاتفية طيلة الوقت من اناس لا نعرفهم. كل واحد منهم يقول لنا ان بوسعه العثور على شقيقي اذا دفعنا له المال". كما نقل التقرير نفسه عن حكيم الصالح، الذي يبحث ايضًا عن شقيقه، انه دفع مليوني ليرة سورية، اي ما كان يعادل في حينه 30 الف دولار، مقابل معلومة عن مكان اخيه. وقال: "لقد بعنا ارضنا لكي نتمكن من الدفع لهذا الرجل. جدي لم يبع ارضه ووالدي لم يبعها لكنني بعتها وفي النهاية من اجل لا شيء"، مضيفًا "ولكن هذا كان القرار الصواب. اذا عثروا عليه سنعطي كل ما نملك". معاناة واذا كانت هذه هي معاناة ذوي المعتقلين، فان معاناة من هم وراء القضبان هي اكبر بكثير، فإضافة الى ما كل يقاسونه من ظروف الاعتقال، هناك الم القلق على مصير العائلة. وقال حسين غرير، وهو مدوّن اعتقل وعذب طيلة ستة اشهر ويقيم حاليا في تركيا، انه في المعتقل "نقلق لان عائلاتنا لا تعرف ما اذا كنا احياء او اموات، نقلق على صحتهم الجسدية والعقلية، نخاف من المخاطر التي تواجههم اذا حاولوا تقصيّ اخبارنا".
    نيسان ـ نشر في 2015/11/06 الساعة 00:00