الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي

نيسان ـ نشر في 2024/06/10 الساعة 00:00
تُعد تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي ثورية بلا شك. فوفقاً لتقرير صادر عن شركة "برايس ووترهاوس كوبرز"، من المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنحو 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وهو رقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي الحالي للصين والهند مجتمعتين. هذا النمو لا ينحصر فقط في تحسين الكفاءة، بل يشمل أيضاً خلق قيم اقتصادية جديدة وإعادة هيكلة صناعات كاملة.
وليس مبالغة بالقول إنه قد بدء عصر اقتصاد جديد بالفعل، والذي يمكن أن نسميه بـ"اقتصاد الذكاء الاصطناعي"، فالشركات العملاقة في مجال التكنولوجيا مثل جوجل ومايكروسوفت وأمازون تستثمر اليوم مليارات الدولارات في بحوث وتطوير الذكاء الاصطناعي. بينما، تقوم الشركات الناشئة أيضاً والمتخصصة في هذا المجال بتحدي الأسواق القائمة بمنتجات وخدمات مبتكرة. هذا التطور قد أشعل سباقاً عالمياً نحو الهيمنة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع تنافس الدول للحصول على موقع الريادة في هذا المجال الرائد. من المتوقع أن يفتح صعود اقتصاد الذكاء الاصطناعي أسواقاً جديدة ويدفع عجلة الابتكار، ما يؤدي إلى نمو اقتصادي غير مسبوق، لكنه يثير أيضاً مخاوف بشأن الفجوات في المساواة وتركز القوة في يد عدد قليل من عمالقة التكنولوجيا.
تثير قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز الإنتاجية البشرية جدلاً واسعاً. فمن ناحية، تشير العديد من الدراسات إلى تحقيق مكاسب كبيرة في الإنتاج والكفاءة، بينما تسلط دراسات أخرى الضوء على "مفارقة الإنتاجية"، حيث لم تظهر بعد الفوائد الكاملة للذكاء الاصطناعي. يُعزى هذا التأخير جزئياً إلى الفترة اللازمة للشركات للتأقلم مع التقنيات الجديدة، إلى جانب الحاجة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية والتدريب، والتحديات المرتبطة بدمج الذكاء الاصطناعي في العمليات القائمة.
ومع ذلك، تظهر بوادر مبشرة على تجاوز هذه المفارقة. الشركات التي أدمجت الذكاء الاصطناعي بفعالية ترصد مكاسب ملموسة في الإنتاجية، تحسين عمليات صنع القرار، وتعزيز تجارب العملاء. على سبيل المثال، في قطاع الرعاية الصحية، تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بتحليل الصور الطبية للكشف المبكر عن الأمراض مثل السرطان بدقة أكبر من المتخصصين البشر، ما يسهم في تشخيصات أسرع وتحسين نتائج العلاج. في المجال المالي، يوفر المستشارون الروبوتيون المدعومون بالذكاء الاصطناعي استشارات استثمارية شخصية بتكلفة أقل بكثير مقارنة بالمستشارين التقليديين، ما يمكن الأفراد من الوصول الأوسع إلى خدمات إدارة الثروات. وفي قطاع التجزئة، تسهم محركات التوصية المعززة بالذكاء الاصطناعي في تخصيص تجارب التسوق وزيادة المبيعات، بينما تحسن أنظمة إدارة المخزون المدعومة بالذكاء الاصطناعي كفاءة المخزون وتقلل الهدر.
لا تزال ثورة الذكاء الاصطناعي في بداياتها، ولكن مسارها يبدو محدداً. فعالم العمل يُعاد تشكيله، والمشهد الاقتصادي يتغير، وطبيعة الإنتاجية البشرية نفسها تتطور. سيكون التكيف مع هذه التغيرات، مع التركيز على التعليم وتعزيز المهارات والاعتبارات الأخلاقية، عنصراً حيوياً في التعامل مع هذا العصر الجديد.
لذلك، يتعين على الحكومات والمؤسسات التعليمية الاستثمار في برامج التدريب لتزويد العمال بالمهارات اللازمة للنجاح في الاقتصاد المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وعلى الشركات اعتماد ممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤولة، وإعطاء الأولوية للشفافية والإنصاف والمساءلة. وأرى أنه يجب النظر لمستقبل العمل لا في إطار البشر في مواجهة الآلات؛ بل في إطار تعاون البشر والآلات ضمن إطار أخلاقي لتحقيق مستويات غير مسبوقة من الابتكار والازدهار. فاحتضان الذكاء الاصطناعي مع فهم واضح لإمكاناته ومخاطره ووضع حدود له ربما يكون مفتاح دعم للحياة في هذا العصر السريع. لكن وتجنباً للأفراط في التفاؤل، يجب الوعي بأن الطريق إلى مستقبل مدعوم بالذكاء الاصطناعي مليء بالتحديات والفرص، ويتعين علينا أن نتعامل معه بحكمة، ونضمن أن يخدم الذكاء الاصطناعي الإنسانية ويخلق عالماً أكثر إنصافاً وازدهاراً للجميع.
    نيسان ـ نشر في 2024/06/10 الساعة 00:00