ماذا ينتظر المنطقة العربية بعد إعلان الحرب العالمية على داعش بسوريا؟
نيسان ـ نشر في 2015/11/21 الساعة 00:00
تنسيق مشترك بين الجيوش الغربية وأجهزة الاستخبارات ووزارات الداخلية واجتماعات طارئة واستعدادات غير مسبوقة جوية وبحرية وطائرات مقاتلة وحاملات للطائرات، فيما يؤشر على نذر حرب عالمية جديدة مركزها سوريا لمحاربة تنظيم الدولة "داعش"، بتحالف غير مسبوق تاريخيا يجمع روسيا والولايات المتحدة وأوروبا مجتمعة ممثلة في الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا لتنسيق العمليات القتالية لمحاربة التنظيم في سوريا، برغم أن عملياته وقواعده تنتشر في بلدان أخرى مهمة منها العراق، فلماذا سوريا الآن تحديدا؟
سؤال معقد؛ لأن الأهداف الحقيقية للحرب الدولية المتصاعدة في سوريا لم تتضح بعد إلا أن هناك احتمالات قوية مرجحة تقف وراء هذه الحملة الدولية يطرحها محللون أهمها الدلالة الرمزية والحضارية بتأكيد الغرب أن دولة الخلافة الإسلامية دمشق أصبحت وكرا مركزيا لتصدير الإرهاب والتطرف للعالم وتشويه صورة الإسلام والمسلمين، بتصدير صورة "داعش" برغم وجود إرهاب صهيوني ومسيحي وشيعي تمارسه جماعات متطرفة ضد المسلمين وتقتل منهم المئات والآلاف في آسيا وأفريقيا، دون تحرك دولي، في الوقت نفسه تجري محاولة خنق الثورة السورية ومحاربتها طيلة أكثر من 4 سنوات رغم أن دعمها كان سيقضي على داعش ويمنع تمددها، ولكنه سيقوي شوكة الإسلام المعتدل وثورات الربيع العربي التي يحاربها الغرب، بحسب محللين.
مصالح إستراتيجية واقتصادية تتعلق بالموقع الجغرافي لسوريا تجعل الهيمنة عليها كنز ثمين للسيطرة على باقي المنطقة وتفتيت دولها بتأجيج وتوظيف الصراعات المذهبية والسماح بالتمدد الشيعي والميلشيات الشيعية بذريعة محاربة داعش، وتفتيت الجيش السوري الباقي بعد تدمير الجيش العراقي بغزو الكويت واحتلال العراق، بما يضمن إنهاك دول المنطقة واستدراجها لإنفاق أموالها في صفقات سلاح لصالح الشركات متعددة الجنسيات التي تتحكم في حكومات الدول الغربية وقرارات الحرب والسلام فيها، كذلك احتلال سوريا يسهل عملية التحكم في موارد النفط الجاري تدمير بنيتها التحتية بذريعة وقف إمدادات داعش بما يؤثر على أسعار النفط لدى بعض الدول.
احتلال سوريا بحرب عالمية سيؤدي حتما لتحجيم تركيا ومحاصرتها بحرب إقليمية ودولية على حدودها ستكون مضطرة أن تكون جزء منها، بما ينهكها اقتصاديا وعسكريا في ظل تدفق اللاجئين واستهدافها بعمليات إرهابية يرجح أنها تتعلق بالملف السوري.
الدول الغربية لم تتحرك للقضاء على نظام بشار الأسد برغم استخدامه السلاح الكيماوي ضد شعبه وتسببه في موجة نزوح ولجوء لم يشهدها العالم من قبل، ومقتل وتشريد ملايين السوريين، لكنه ينتفض الآن لضرب داعش بسبب مقتل 132 ضحية في باريس مفارقة ستتضح أهدافها بالفترة المقبلة، بحسب مراقبين.
العالم يحارب في سوريا
أعلنت الولايات المتحدة الحرب على داعش في سوريا وسرعان ما لحقت بها روسيا واليوم أوروبا بقيادة فرنسا، فبعد ثلاثة أيام من الاعتداءات الدامية في باريس، ألقى الرئيس فرنسوا هولاند خطابا نارياً أمام جلسة مشتركة استثنائية لمجلسي البرلمان في قصر فرساي، متعهداً تكثيف الغارات الجوية على (داعش) في سوريا "مصنع الإرهابيين" إلى تعزيز غير مسبوق للإجراءات الأمنية في فرنسا، وأعلن أنه سيدعو الولايات المتحدة وروسيا إلى ائتلاف واسع ضد التنظيم المتطرف الذي تبنى الاعتداءات التي أسفرت عن مقتل 132 شخصاً وجرح نحو 350 في هجمات هي الأوسع التي تتعرض لها فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية. وأكد هولاند أن "فرنسا في حال حرب".
ووافق الاتحاد الأوروبي على طلب رسمي تقدمت به باريس، الثلاثاء 17 نوفمبر الجاري، لمساعدتها عسكريا في محاربة تنظيم "داعش" في سوريا والعراق. وقالت فيديريكا موغيريني، الممثلة الأوروبية العليا لسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي،: "طلبت فرنسا، كما تعرفون، المساعدة منا وفق المادة 42.7 لاتفاقية الاتحاد الأوروبي. وأعرب وزراء دفاع جميع دول الاتحاد بالإجماع، عن الدعم التام والاستعداد لتقديم كافة المساعدة الضرورية".
روسيا سبقت أوروبا بستة أسابيع وعسكرت في سوريا وحالياً تعلن دعمها وتنسيقها مع الجيش الفرنسي برغم خلافاتهما السياسية حول مصير بشار الأسد، واتفق الرئيسان الروسي، فلاديمير بوتين، والفرنسي، فرانسوا هولاند، على زيادة التعاون بين قواتهما المسلحة ووكالاتهما الاستخبارية في عملياتهما في سوريا، في أعقاب الهجمات التي تعرضت لها باريس، وتحطم الطائرة الروسية، بحسب ما ذكره الكرملين، في بيان أصدره أمس الأول الثلاثاء بعد مكالمة هاتفية بين الزعيمين.
وبدأت الضربات الروسية في 30 سبتمبر 2015، واستبقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالإعلان عن تأسيس مركز معلوماتى ضم إليه سوريا والعراق وإيران. ومعروف عن بوتين عداءه الشديد للحركات الإسلامية وخوضه ضدها سلسلة حروب لتجفيف منابعها شهدت انتهاكات جسيمة وجرائم ضد الإنسانية، ويرى أن حربه في سوريا تشكل ضربة استباقية تمنع إعادة تصدير هذه الحركات لبلاده.
أما الولايات المتحدة فدخلت حلبة سوريا مبكرا بتدشين تحالفها الدولي ضد داعش في 7 أغسطس 2014 والذي يضم الآن أكثر من 40 دولة، وتتقاسم النفوذ الدولي الآن والكعكة السورية مع حلفاءها، حيث يرى مراقبون أن الصمت الأمريكي على التدخل الروسي الفج، والتغلغل الإيراني بميلشيات عسكرية يعكس وجود تواطؤ وتفاهمات غير معلنة وتقسيم للكعكة، ولكن الأكثر خطورة إعادة رسم خريطة المنطقة وتقسيمها بشكل جديد الأمر الذي أكده مديرا الاستخبارات الفرنسية والأمريكية مؤخرا بتأكيدهم أن حدود سايكس بيكو للعراق وسوريا قد انتهت.
بريطانيا قد تلحق بهم بدور أكبر فقد أشارت افتتاحية صحيفة التايمز البريطانية، اليوم الخميس، إلى سرعة الرد العالمي على هجمات باريس بأنه كان مشهدا نادرا للقوة المنسقة، حيث قامت الطائرات الفرنسية والأميركية بمهاجمة قيادة تنظيم الدولة في مدينة الرقة السورية.
وقالت وسائل الإعلام البريطانية أن طائرات المملكة المتحدة ينبغي أن تكون جزءا من هذا الجهد أيضا من أجل "قطع رأس الأفعى"، كما جاء على لسان رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون، وعدم الاكتفاء بقيام الطائرات المسيرة بإبلاغ الحلفاء بمعلومات المراقبة والاستخبارات المستهدفة بالرغم من أهميتها ونجاحها.
سوريا بوابة الغزاة ومفتاح المنطقة
"قراءة إستراتيجية: لماذا سورية بكل هذه الأهمية؟" مقال تحليلي قدمه الكاتب السوري، محمد سيد رصاص، في ٢٧ أيار ٢٠١٣ بصحيفة الحياة، أكد فيه الأهمية الجغرافية والتاريخية والحضارية والإستراتيجية لسوريا مشيرًا إلى أنه: "كانت سورية مفتاح المنطقة للغزاة والفاتحين، فعند سقوطها كانت المنطقة بأكملها تسقط بعدها بعدد من السنين لا يتجاوز أصابع اليدين، مثلما حصل مع الاسكندر المقدوني ثم المسلمين إثر معركة اليرموك، أو أكثر قليلاً بحد لا يتجاوز ثلث قرن (الرومان حين سقطت سورية بيدهم عام 64 قبل الميلاد ثم مصر في 31 قبل الميلاد)، فيما كان الزمن أقل مع السلطان سليم الأول بعد معركة مرج دابق عام 1516 إذ سقطت مصر والحجاز في العام التالي ثم العراق عام 1534، وفي عام 1918 كان تداعي الدولة العثمانية بعد سقوط دمشق في 1 (أكتوبر) 1918 بيد الحلفاء لا يتجاوز تسعة وعشرين يوماً حين وقعت صكوك الاستسلام في جزيرة مودروس، فيما هذا لم يحصل لدى انفلات بغداد والقدس من يديها عام 1917 ولا القاهرة في 1882.
الأهمية الجغرافية الاقتصادية
ويكشف "رصاص" أن "هذه المنصة الدمشقية ليست فقط صراعاً في سورية لقوى دولية وإقليمية وإنما هي صراع على سورية: كان (الصراع في سورية) من أجل تثبيت كتفي واشنطن لكسر القطبية الأحادية الأميركية للعالم، أيضاً، وبالنسبة إلى طهران ميدان لإثبات وتكريس ما حققته من نفوذ وامتداد إقليمي بين كابول والشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط انطلاقاً من البوابة البغدادية في أعوام 2007-2011.
من جهة ثانية، يبدو أن (الصراع على سورية) هو بسبب كونها مفتاحاً للمنطقة، بالنسبة إلى الروس كامتداد إلى البحر المتوسط، وبالنسبة إلى الإيرانيين بوصفها أيضاً سيطرتهم على بغداد وهيمنتهم على الحكومة هناك.
أبعاد اقتصادية أيضا يرصدها "رصاص" :"بالنسبة للروس والإيرانيين لا يقتصر على الأمر على الميدان الجغرا - سياسي، وإنما له شق اقتصادي من خلال اهتمام روسي باكتشافات الغاز في الشاطئ الشرقي للمتوسط والتي وصلت عند شركة غاز بروم للتوقيع على عقود للشراكة في استثمار حقول الغاز الإسرائيلية، ويبدو أن هناك مؤشرات على اهتمامات لدى موسكو تجاه الحقول السورية واللبنانية عند الشاطئ الممتد من الإسكندرونة إلى غزة.
تجزئة المنطقة ودعم الأقليات وإشعال الحروب الأهلية
من جهته يرى عبد الفتاح ماضي، كاتب وباحث أكاديمي في تقرير للجزيرة نت في 6 أكتوبر 2015 حول "أسباب التدخل الروسي والغربي في سوريا" أن "المسألة السورية جزء من مسألة أكبر بالمنطقة تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى وهي تجزئة المنطقة ودعم نظم حكم الأقلية (الطائفية، القبلية، العسكرية..) والاستخفاف بمطالب الشعوب، ووصل الأمر في سوريا لصراع نفوذ متعدد الأطراف واتفاق الغرب والشرق على “سوريا علمانية” كما عبّر وزيرا خارجية روسيا وأمريكا. وهذا يعني بالنسبة لشعوب المنطقة محاربة كل من يعبر سياسيا عن الإسلام السني المعتدل وغير المعتدل، أي غالبية الشعوب بالمنطقة. هذه الأطراف لا تريد لا فهم حقيقة الصراع بسوريا ولا تداعيات حكم الأقليات وإشعال الحروب الأهلية بالمنطقة".
تحجيم الفصائل الإسلامية
أشار فايز الدويري، خبير عسكري وإستراتيجي، إلى حرص روسيا على عدم انتصار المعارضة السورية وهي في معظمها فصائل إسلامية تتراوح بين الاعتدال والتطرف، مما يعني انتصار المحور السني الذي يبدأ من الحجاز وينتهي في غروزني، على حساب الهلال الشيعي الذي يبدأ من قُم وينتهي في مارون الرأس.
ورأى أن النجاحات العسكرية الميدانية لجيش الفتح والتي تمثلت في السيطرة على محافظة إدلب باستثناء بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين والسيطرة على سهل الغاب والتوقف أمام بلدة جورين مما يفتح الطريق أمام جيش الفتح لبدء معركة الساحل والتي توجد بها المنشآت الحيوية الروسية علماً أنها آخر النقاط في المياه الدافئة ، بعد أن خسر الإتحاد السوفييتي نفوذه في سبعة دول عربية خلال العقود الماضية.
المصدر : شؤون خليجية
نيسان ـ نشر في 2015/11/21 الساعة 00:00