إنها الثالثة بعد منتصف القصف ... لـ ريم سمير أبو مغلي

نيسان ـ نشر في 2015/11/22 الساعة 00:00
رفع صابر يديه ... قرأ الفاتحة ... هبت رياح خماسينية ... اكتسح الرمل جوفه فسعل ... اشتد سعاله ؛ فسجد على الأرض شاعرا بأنها تطوف حوله . انها الثالثة بعد منتصف القصف ... غيوم سوداء تغطي سماء المكان ... نساء يبكين بكل ما أوتين من دموع ... رجال يحملون بقايا أطفالهم ...شيوخ يتكؤون على عصي القهر ، و أطفال يصرخون ... تتشابك أقدامهم و هم يتراكضون بين شرايين الشوارع البارزة ؛ للاحتماء في احد المباني القريبة . صمتت الآليات العسكرية ، فشعر السكان بقليل من الراحة و هدأ الأطفال ... لكن و ما ان فرغت ذخيرة الصراخ من مخازن حناجر الأطفال ، حتى أخذ الرصاص ينهمر على المباني ، فرشق الجدران دما و بعثر خصل الأمعاء على الأرض . و بعد حوالي ساعتين من القصف ... هدأت القذائف قليلا ؛ فأخرج صابر رأسه من النافذة منزوعة الزجاج ... أداره بحركة بانورامية ، الا أن الأبخرة المتصاعدة من الجثث المتفحمة حجبت عنه الرؤيا . انتظر صابر حتى بردت الأرض و تلاشت أعمدة الدخان التي كانت منتشرة في الحي ... لملم جسده و خرج ؛ ليصعق برؤية صديقه عبدالله يقوم بتمزيق دفتر العائلة و قد تناثرت أشلاء أسرته حوله. الدموع التي جفت في عيني عبدالله ، نبعت من عيني صابر و هو يقترب من صديقه ... عبدالله ممسكا بدفتر محترق : حلم أن يشارك كتائب المقاومين في تصنيع طائرات حديثة يقاومون بها الاحتلال ... تابع عبدالله و الحروف تتعثر على شفاهه : كان فصله الأخير ... كاد أن يتخرج مهندسا ميكانيكيا ... فقاطعه صابر : و لكنه تخرج حقا ... تخرج من مدرسة المقاومين و بدرجة شهيد . و ما هي الا دقائق حتى شكلت القذائف شلال نار تساقطت حممه فوق رؤوس الناجين بأرواحهم ... تبعثر الأهالي في المكان... ضم صابر ساقيه الى صدره و اختبأ خلف شجرة كبيرة . ساد صمت آخر ... صمت مروع ، هرعت خلاله سيارات الاطفاء الى المكان ، و هرع الأهالي يبحثون عن أسرهم و أصدقائهم ... الا أن السكون المخيف لم يدم طويلا فقد تبعه انفجار قوي أسقطت شدته الشجرة الكبيرة على رأس صابر ؛ فأخذت الأرض تطوف حوله بسرعة ... ازدادت سرعتها ... تداخلت ألوانها ، ثم تلاشت . المكان : المقبرة ... مهرجان من البشر يحيط قبر عبدالله الغزاوي ، و أحدهم يقوم بسكب الماء على وجه صابر ... فتح صابر عينيه ... شكر من ساعده ، ثم وقف . أخرج دفترا من جيبه ... خاطب عبدالله و الدموع تطفر من عينيه : صديقي العزيز ، لقد قمت اليوم باضافة "عبد الله" الى دفتر العائلة ، و سأحرص على أن يصبح مهندسا ميكانيكيا ؛ ليصنع طائرات يقاتل بها الاحتلال . رفع صابر يديه ... قرأ الفاتحة ، ثم مضى .
    نيسان ـ نشر في 2015/11/22 الساعة 00:00