لعبة الصراع ودوران الدلالة في رواية 'بازار الفريسة' لخالد سامح

نيسان ـ نشر في 2024/07/12 الساعة 00:00
يشي عنوان رواية بازار الفريسة للروائي الأردني خالد سامح الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمان وبيروت، على أنه المركز العام الذي ستدور حوله الحيثيات الأخرى التي ستدخل في معترك/ البازار/ السوق/ الرواية. فهو قد استبدل كلمة السوق بالبازار، لما له من خاصية ستجمّع المراكز المعنونة بهذا الاتجاه، ولهذا فهو ينفع أن يكون بوّابة للدخول إلى مدينة الرواية، مثلما ينفع أن يكون نقطة الارتكاز التي تتوسّع منه الحيثيات، وتنطلق باتجاه التفسير والتحليل للحكاية من جهة، والفكرة من جهةٍ أخرى.
فالرواية تعمل على تفكيك العنوان، لكن ليس باعتبار أن البضاعة ستكون معروضة، بل أنها بضاعةٌ تخرج من داخل الصراع الذي حوّله المنتج إلى بازارٍ خاص بالفريسة/ الفرائس، وهي الكلمة التي تعني هي الأخرى الخسائر التي سيبحث عنها المتلقّي، أو يسأل عنها، وقبلها، أي فريسة، ستكون على المتلقّي اصطيادها، لكي تدور كلّ الأحداث حولها. خاصة إذا ما عرفنا أن أولى الفرائس المتعلّقة بالبطل حدثت بعد أن حصلت وفاة نتيجة عملية قسطرة. ومن ثم الحب والحرب، وأهمها الأهلية في لبنان والمقاومة الفلسطينية فضلًا عن فريسة الثقافة والتحوّل بين الاستغلال العام، والتورّط الخاص بين شخصيتي الرواية (هالة جبران) ورشيد مرعي، والصراع بين الشخصيات التي تدخل فيها المصالح.
الرواية تشي بالصراعات وقد بدأت من أولى علاماتها العنوان الرئيس، ليلحقها بعتبتين أو دلالتين كمقدّمتين مختصرتين على وجود الصراع، أولها ما قاله جان بول سارتر:
(أن تموت يعني أن تصبح فريسة للآخرين)
والثانية ما قالته إحدى شخصيات الرواية، وكأنه يصنع الصراع، ويبقي الفعل الدرامي مفتوحًا على المصاريع كلّها، حين اختار جملةً قالها سامي، البطل الآخر للرواية، لهالة التي تعد أحد مراكز المهمة في الرواية أو واحدة من موجّهات الصراع:
(ولكن... ليست كلّ الفرائس بريئة)
وما بين العنوان والدلالتين، يقع المدلول على عاتق السرد في تكييف الصيغة التي يراد الوصول إليها، عبر السؤال الفلسفي.. من هو أو هي الفريسة، إذا مات؟ ومن هو غير البريء من هذه الفرائس التي جاءت بصيغة الجمع، بما يدلّ على أن الخسائر أو الصراعات موزّعة على أكثر من نقطةٍ في محيط الرواية.
الصراع ومستويات اللعبة:
تعتمد الرواية على تفعيل الصراع لذا أخذت الحكاية جل عمليات الروي والسرد من خلال الراوي الذي سيطر على فعاليات الروي عبر إتقان اللعبة وإدارتها في أزمانها المختلفة حيث تحتاج الرواية إلى تقنية التذكر والعودة بالزمن إلى الماضي ومن ثم الحاضر والعكس صحيح أو إلى الأماكن حيث تتشعّب إلى اكثر من مكانٍ، ليس داخل البلد الواحد، بل إلى عدّة دولٍ تكون فيه الصراعات هي العنوان الأبرز لها، هي المحور الأساس الذي جعله يبدأ من لحظة موت الشخصية، ومن ثم بالاستعانة بالتقنيّات الحديثة لتبويب وشرعنة أو إعطاء الشائعات حضورها الفاعل. لهذا فإنه لم يبدأ الرواية بالصراع المباشر، والمستوى الإخباري، أن فلانًا أو أنه كان كذا وكذا، بل بدأ بعنوانٍ يرتبط باللحظة التي حصلت بعد الموت (أرملة الصورة).
وهذا الاستهلال أو العنوان الأوّل لفصل الرواية الأوّل. بدأ بطرح رسالة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط.. وكأنه يضع أولى علامات الصراع سواء بين الشخصيات أو بين الواقع الذي صار أسيرًا لتلك الرسالة، أو ما بعدها، وكأنه أي المنتج كشف عن بعد سياسي أوّلًا، وبعد أيديولوجي خاص ثانيًا، لأنها رسالة تشي بالوقائع وما حصل، حيث تم وضع التاريخ لهذه الرسالة التي يفترض أن تكون سريّةً وهو 1989 وهو ما يعني أن الرواية بالنسبة للمتلقّي ستأخذ منحىً سياسيًا وصراعًا لم يزل محتدمًا، وكأنه يشير إلى أن فكّ الارتباط بين العاصمة الأردنية عمّان والضفة الغربية، كان تمهيدًا لكلّ الصراعات المقبلة سواء بإيجابياتها أو سلبياتها، حتى لا تموت القضية الفلسطينية مثلا.
ولأن الأمر يحتاج إلى دخولٍ غير طبيعي أيضاً ما بعد الرسالة، فلم يشأ المنتج أن يبدأ كما ذكرنا بطريقة الإخبار، بل بدأ بطريقة السؤال، لتمضي الرواية بطريقةٍ المخاطب وكأنه يحاور شخصًا، ويبلغه عما يريد، لكنه سرعان ما يتحوّل بذات الفصل بعد القطع بفراغٍ وليس برقمٍ أو نجومٍ إلى صيغة أو تقنية الغائب ليتحول الراوي من مشارك إلى مسيطر.
فالرواية ما بعد الرسالة يكون الصوت صوت الشخصية (هالة) وهي تخاطب من مات، حيث ستجري عمليات الصراع من خلال كشف المستور بين الشخصيات:
(مر عليك عام وأنت هناك مسجى في حفرتك، في حضن موتك...
ما الذي تبقّى منك؟
هل تبقى؟
لا أعلم)
وهو مفتتح استهلالي يشي بصراع الداخل مع الخارج، أو كما قالت الشخصية (إلى متى تستمر هلوساتي تلك؟) ليتحوّل السرد إلى الغائب، وكأن الروائي / السارد/ المنتج، أراد اللعب على مستوياتٍ عديدةٍ، من أجل ألّا يضع خطًا مستقيمًا واحدًا لفهم الرواية ومعادلاتها، بل أرادها أن تبدأ بحالةٍ من الدوران حول الدلالة، من أجل أن يتمكّن المتلقّي من مسك الأدلّة والمعادل الموضوعي لها، حين يتمكّن من استغلال المدلول في تقشير ماهية المستوى القصدي، لتتشكّل المعادلة بين الصراع والدلالة/ المدلول، لبناء وحدات الروي، من خلال المتن الحكائي الذي سيطر على المبنى السردي.
(حاولت هالة إعادة ترتيب نشاطها اليومي على مدى العام الذي باتت فيه أرملة «الرفيق رشيد مرعي» كادت أن تنجح في مسعاها لكن الأقراص التي لجأت إليها مجبرة لاستجلاب النوم أعادتها لنقطة الصفر) ص15.
لتعود اللعبة إلى صيغة المخاطب، بعد قطع السرد بفراغ، وكأنه هنا يرسم المشهد بعناية من يريد المضي بالحكاية، وهي تفيده بعدّة أمور:
الأوّل: أن يعطي فرصةً للمتلقّي لمعرفة من المتحدّث الرئيس في صيغة المتكلّم، ومن هو المقصود في السرد في صيغة الغائب.
الثاني: أن يعطي فرصةً له ولراويه المنيب، لإعانته على التقاط الأنفاس، والتحوّل من الصيغة المكانية إلى الزمانية والعكس صحيح.
الثالث: أن يعطي فرصةً للمراوغة بين الصراع الداخلي للشخصيات من خلال صيغة المتكلّم، والمراوغة في الصراع الخارجي في صيغة الغائب.
الرابع: أن يعطي مساحةً للفعل السيكولوجي المرتبط بصعوبة التطرّق الكلّي والكشف عن كلّ حيثيّات الصراع، وخاصة ما يتعلّق بالجانب السياسي والحرب الأهلية والحب والاستغلال والقضية الفلسطينية ولبنان والأردن، وغيرها من الصراعات السياسية، بما فيها الاستغلال والحب والتملّق الذي يكون مخفًيا بطريقةٍ غير مباشرةٍ والثروة التي صاحبت البعض لتكون الشكوك هي المسيطرة، ولكن بهمسٍ تارة، ونقاشٍ تارةً أخرى.
المستويات السردية:
تتفاعل المستويات السردية مع بعضها بحسب الجزء الذي يريد مناقشه، حتى أنه حين يريد التحوّل من مشهدٍ إلى آخر داخل المقطع الواحد، فإنه يضع نجومًا، وأخرى يترك فراغًا، من أجل إعطاء فرصة للمتلقّي، لمعرفة أن في الأولى استمرار الزمان، وفي الثانية اختلاف المكان والعكس صحيح. لذا فإن هذه المستويات تعمل عمل المترجم لأفكار الروائي، سواء ما يريده من الشخصيات عبر الحوار، أو المونولوج الداخلي، أو عبر التوصيف الذي يبغيه الراوي من الفعل الخارجي المصاحب لتقنية السرد. وهو في كلّ مرّةٍ في حالتي القطع، يتحوّل من صيغة روي إلى أخرى، وكأنه معنيٌّ بالمتن الحكائي، الذي يقود كلّ الفكرة، من أجل البحث عن صراعاتها والدوران حول الدلالة، التي يريدها، أو المدلول التي تبحث عنه الشخصيات.
ولأن الصراع متعدّدٌ والأماكن واسعة والزمن ممتد، فإنه أدخل تقنيات الوثائق منذ بدء الرواية، واستعان بها ليس من أجل خلق جوّ من دهشة الحصول عليها أو تبويبها ضمن فعاليات الصراع فحسب، بل من أجل ضخّ أكبر من المعلومات الممكنة التي تتّصل بالصراع من جهة، وتبحث عن حيثيات المادّة التي تعطي الدلالة حضورها الفاعل. ولهذا فإن المستويات أخذت على عاتقها التنقّل بحسب ما يريد الراوي نيابةً عن الروائي. فإنه لجأ إلى المستوى التصويري، لكي لا يقع بتكرار الصراع الداخلي والخارجي، والتي تأتي لعدّة أسباب:
أوّلها: إن بعضها يتّصل بالصورة الخارجية أيضا للحالة المقصودة، أو أنها ترتبط بالمستوى القصدي الذي يبغيه المنتج، لكي يكون ظاهرًا للمتلقّي:
(عندما وصلت المستشفى هذا المبنى الحجري الضخم، المشرف على ضواحي جديدة تكاثرت خلال سنوات قليلة حول عمّان متسلقة تلالها، كانت النسمات الأيلولية، قد خنقتها شمس الظهيرة الساطعة.) ص20.
ثانيها: إن المستوى التحليلي يأتي في سياق المتن الحكائي، وكأنه واحدٌ من علامات الصراع، ليس من أجل تبيان الفوارق بين الشخصيات، بل من اجل توضيح الحقائق من وجهة نظر الشخصية:
(هزت جسدينا المتعانقين في الفراش الضحكات طويلا، وحولنا بيروت، كانوا يهزها اللاعبون طويلا، بلا كلل، يبتكرون فيها أساليب أخرى للعذاب الأرضي والجحيم.) ص103.
ثالثها: إن المستوى الإخباري يكون متواجدًا في كلّ الحيثيات التي يعتمد عليها المنتج، سواء بتنقّلاته بين صيغة المخاطب والغائب، أو حتى المتكلّم، الذي يسعى إلى إظهاره، ليكون واضحًا أنه صوت الراوي. وهو مستوىً أي الإخباري يكون مسؤولًا عن تحريك المستويات الأخرى، عبر ضخّ معلومةٍ هنا أو هناك، من أجل المكوث داخل المتن الحكائي، لمساعدة المبنى السردي لإبراز وجوده:
(جعلني رشيد كافرة بقدسية البكارة رافضة كل القيم والمبادئ التي تمثل له العذرية في عرف المجتمع ..وأنا أيضا، أنا كما أخبرني غيّرت له حياته، ونظرته إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، للحب والجنس وكل المشاعر.) ص 106.
رابعها: من أجل أن الصراع والبحث عن الدليل والأدلة والدلالة والمدلول حاضرًا عبر المستوى القصدي/ الفلسفي الذي يختفي تحت عباءة المستويات الأخرى، وهو مستوى غير مباشرٍ، مرّة يأتي مرتديًا لباس المعارضة للواقع السياسي، وأخرى يأتي على شكل سؤالٍ يتمحور حول القضايا التي تشكّلها مفردات الصراع وحيثياته بين الشخوص، خاصة وإنها تناقش أكثر من خمسة عقود من الزمن في منطقة متوتّرة ومحتشدة بالصراع بين دول المنطقة، وكل ما يرتبط بالعلاقات التي تبزر من عنق ورحم الثورات الوطنية والثروة والنفاق والتعامل والصالح:
(قبل أيام أرسل أحدهم لها فيديو، يظهر فيها أحد المعارضين الأردنيين في الخارج. كان يتحدث بثقة وبصوت زاعق عن شخصيات كانت مقربة من مراكز القرار في الأردن. ومتورطة مع الشخصيات حكومية في شكل شبكة غسيل الأموال جنوا منها عشرات الملايين) ص157.
إنها رواية كثيرة اللوحات والاعتبارات السياسية، مثلما هي كاشفةٌ عن بؤرٍ سريةٍ ومخفيةٍ وطافحةٍ وظاهرةٍ، لكنه بوّبها عبر تماسك الفعل السردي من جهة، والفعل الحكائي من جهةٍ أخرى. خاصة وأنه الرواية اعتمد على طرح السؤال الفلسفي الذي جعله مرتبطًا بصراع التدوين والكلام المباشر بطريقة الغائب المعني:
(أعادت الأوراق للدرج. ظلّت تردد الأسئلة وهي تراقب من النافذة افتراق غيمات كانون عن بعضها، وذوبانها في المدى الأزرق الناصع والغامق.
(هل تمت؟).علي لفتة سعيد*
* ناقد وروائي عراقي
    نيسان ـ نشر في 2024/07/12 الساعة 00:00