الشقيرات يكتب.. ليست المناهج وحدها

0
نيسان ـ نشر في 2024/09/23 الساعة 00:00
يروى أن أحدهم كان يحب فتاة ويعشقها، وفي أحد الأيام أرسل إليها قائلا: أرسلي لي دجاجة. فردت عليه: وهل تحب بقلبك أم بمعدتك؟ فقال: الحب في القلب، ولكن المعدة الخالية لا تستطيع التفكير.
هذه الحكاية قرأتها قبل سنوات ربما تزيد عن الثلاثين، وأظن أن ما دفعها للذاكرة في هذا الوقت هو ما نراه ونسمعه ونعيشه هذه الأيام من أحداث خارجية وداخلية تلقي بظلالها على حياتنا بشكل مباشر أوغير مباشر، ولعل أبرزها ذلك الجدل الدائر حول قضية المنهاج المدرسي، وتحديداً مادة التربية الفنية، فبين مؤيد ومعارض صامِتَين، إلى مؤيد ومدافع بكل ما أوتي من قوة، ومعارض مُغالٍ في معارضته حدّ نزع صفة الوطنية عمّن رضي به، واللافت في هذا الموضوع أن جميع أطياف المجتمع تشارك في النقاش حوله، ولا غرابة ولا استهجان في ذلك، ولكن الغريب المستهجن أن تجد من أصحاب الدرجات العلمية العالية والمحسوبين على الوطن عشائريا وجغرافيا يتصدى للدفاع عن هذا المنهاج متهماً من يعترض عليه بالرجعية والعيش في أسر الماضي، ونحن لو كنا نعيش في أسر الماضي فكريا لأحببنا وجود (سميرة كريمونه) في مناهجنا، ولكن لأننا نحب الوطن وشعبه بقيمهم وموروثهم ورموزهم أكثر من حبنا للمناصب والكراسي فإننا نرفض ذلك، فهل كانت سميرة عندما غنت ( فدوى لعيونك يا أردن، وديرتنا الأردنية) تحب الأردن أم أنها كانت ترى فيه (مصلحة) وسلّما نحو الشهرة والنجومية، وإذا كان القصد من وضع اسمها في المنهاج هو تعزيز الروح الوطنية ــ وأعتقد أن المنهاج يبنى على أهداف ولا يحوي كلمة دون هدف ــ فالأولى أن تكون الأسماء والكلمات أردنية خالصة، فلماذا لم يتم اختيار سلوى أو ميسون أو فارس أو غيرهم من النجوم الأردنيين الذين قدموا أغانيهم للوطن إحساساً وروحا لا أداء فقط.
أما حول المنهاج برمته فنحن نعيش في دولة عمرها أكثر من قرن فهل تنبهنا الآن لحاجتنا لدراسة الموسيقى والغناء، وهل يجب على من مرّ عليه الزمن أن يعود لدراستها بأثر رجعي؟ وهل هذا هو الوقت المناسب لدراسة هذه المواضيع رغم ما تعانيه أمتنا من ويلات ونكبات وتشرذم وضياع في صحراء التيه المعرفي والعلمي وانحدارنا إلى أسفل سلّم موازين القوى على اختلافها؟.
ليست هذه أول مرة يثور فيها اللغط حول بعض المواد في المنهاج المدرسي، فقد سبقها غيرها، وتواصل القافلة سيرها، فلو سألنا أين ذهبت مادة القضية الفلسطينية والمجتمع العربي والعبقريات؟ وأين ذهب نشيد (فلسطين داري) وغيرها؟ هل أصبحت من المسكوت عنه؟. وقد ينبري أحدهم ويقول: إن الأغاني والموسيقى على اختلافها متوفرة الآن بين أيدي الصغار والكبار على الشبكة العنكبوتية وعبر الهواتف الذكية، أقول: نعم، ولكن تأثيرها ليس كمثله في حال دراستها، و هنا أورد حادثة وقعت لي شخصيا خلال عملي في القوات المسلحة، فقد كانت تأتي إلينا الأوامر بممنوعية تداول بعض الكتب في مكتبات وحدات القوات المسلحة، وذات يوم سألني أحد الزملاء: لماذا يمنع الكتاب في مكتباتنا ويمكن الحصول عليه من أي مصدر آخر؟ فكان الجواب: إن وضعه على رفوف مكتباتنا يعني الإقرار بما فيه والموافقة عليه، وبذلك يصبح جزءاً من حصيلتنا المعرفية وقناعتنا الفكرية. وكذلك الحال بالنسبة للطالب فما يتلقاه في المدرسة يعتبر ثابتا لا يتغير، وما يحصل عليه من المعارف من أي مصدر آخر فهو قابل للنقاش والنقض والتغيير والتبديل؟
وعودا إلى البداية و قصة الحب والدجاجة، فليس المنهاج المدرسي هو الشيء الوحيد الذي طالته يد التغيير أو يد الـ ....... ، فهناك أشياء أخرى طالتها هذه اليد، ولكن خلو المعدة ضرب على الآذان فَصُمَّت، وعلى العيون فعميت، وأصبح الجوع والسعي واللهاث وراء لقمة العيش الهدف الوحيد لنا، ولم نعد نرى غير ذلك، وإن فكرنا في بعض الأمور إذا شبعنا ما نلبث أن ننساها بعيد قليل عندما نجوع، فحالنا كحال شارب الخمر الذي إذا سكر فهو رب الخورنق والسرير وإذا صحا فهو رب الشويهة والبعير، فكم من مكونات موروثنا الثقافي المادي وغير المادي تعرضت للتغيير والتبديل والإقصاء والعبث والسخرية دون أن نحرك ساكنا، حتى أصبحت أمرا طبيعيا ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
الإساءة للعلم الأردني الذي يعدّ رمزا وطنيا تلتف حوله جميع فئات الشعب، وذلك بمخالفة نص المادة (11) من قانون الأعلام الأردنية لسنة 2004 بشكل متكرر ويومي ودون داع أو مسوّغ. فمن يقع على عاتقه إنفاذ القانون الذي أكاد أجزم أن من يعلمون بوجوده قلة قد تنحصر في العاملين في المجال القانوني وبعض من لهم علاقة بهذا الشأن؟.
الاستهانة باللغة العربية وتعطيل قانونها رقم 35 لسنة 2015 فبدأت بعض المؤسسات التي يجب أن تلتزم باللغة العربية الفصيحة باستعمال العامية والمحكية ثم أخذت الظاهرة تتسع وتنتشر مع انتشار الفضائيات حتى حلّت العامية المحكية تماما محل الفصيحة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه لظهور بعض الشعراء والأدباء والكتاب ممن ليس لهم من هذه الألقاب إلا اسمها، وإني لأقسم أن بعضهم لايعرف الفرق بين الهجائية والأبجدية، ولا حرف المعنى وحرف المبنى، والأشد خطورة أن هناك مؤسسات ــ لا أعرف صفتها ودوافعهاــ تقدمهم للجمهور وتقدم أعمالهم بل أن بعضهم أصبح في مصاف النقاد والمحكّمين في بعض النشاطات المتعلقة باللغة والأدب والشعر. فمن هو المسؤول؟
إذا دخلت (فندقاً) فستجد أمامك شخصا يرتدي زيّاً يشبه لباس قوات البادية، وتمنطق بـ(الجناد) واعتمر (الشماغ) الأحمر، يحييك ويقدم لك فنجان قهوة، وفي بعض الحفلات والاحتفالات نجد من يغني أو يرقص أو فرقة الدبكة يرتدون هذا الزي، وإن كان هذا الفعل من منطلق الفخر بهذا اللباس فليس هذا موضعه ولا مقامه، بل هو سخرية منه، واستخفاف به وحطٌّ من شأنه . فمن هي الجهة المسؤولة؟.
إذا ما دعوت صديقا من خارج الأردن إلى الطعام تجده يطلب منك أن تقدم له المنسف، هذا الطبق الذي ارتبط به الأردنيون كأكلة شعبية، حتى أصبح رمزا، والكل يعلم أن هذا الطبق له تقاليد وطقوس وطريقة إعداد من لحظة التفكير بإعداده حتى الانتهاء من الأكل ورفع الباقي من أمام الضيف، فمن سمح أن يباع (بالكاسات) وأن يقدّم بطريقة همجية وبصورة شائنة في إعلانات بعض المطاعم التي لا تهدف إلا للربح المادي بأي وسيلة تحقق. من المسؤول؟.
هذا غيض من فيض وقليل من كثير، ولنعلم أن منهاج كريمونه ليس أكبر مصائبنا، وليس أولها ولن يكون الأخير، فمناهج لا تذكر التاريخ الوطني والقومي الحقيقي الذي صنع على هذه الأرض، ولا يذكر صانعيه ويتجاهل الأسماء من كايد إلى ماهرمرورا بمحمد الحنيطي، وهزاع ومحمد ضيف الله وفراس و وصفي، ويذكر أن المغفور له الملك الشهبد عبدالله بن الحسين قد استشهد في الأقصى دون ذكر لكامل قصة استشهاده، ولا يُعلِّم الجيل أن (تلال سمنه) و(الجرذانه) و(الطرة) و(السماكية) و(بيت يافا) و(العيزرية)و(كفر خل)، و(أم النعام) و(صنفحة)و(بير مذكور) و(عرجان) هي أسماء جغرافية ضمن حدود الأردن، ولا يتحدث بإسهاب عن معركة السموع، و يكتفي بالمرور سريعا على معركة الكرامة، هذا المنهاج المصحوب بخطة لتوزيع الحصص ربما خصص بموجبها حصتان للتربية الإسلامية وواحدة للتاريخ وهكذا، هو منهاج قاصر عن تحقيق الأهداف الوطنية في بناء جيل مؤمن بوطنه وماضيه وحاضره ومستقبله وقضاياه وثقافته وإرثه الحضاري، جيل يراد له أن يحمل أمانته الوطنية ليبقى هذا الوطن كما أريد له منيعا حصينا ويرد عنه عاديات الزمن بإيمان وعلم وعزم لا بـ (دم تك بيع الجمل يا علي).
حفظ الله الأردن وشعبه وقيادته الهاشمية ووقاه شر الأفاقين
تنويه
أنا لست كاتباً ولا محللا ولا منظرا ولا خبيرا بأي شأن عام، ولكنني مواطن يحب وطنه وأهله وقيادته، فكتبت ما كتبت عفو الخاطر ومما يجول في النفس، لذا فإنني أعتذر عن أي هفوة أو خطأ قد يكون صدر أو تقصير عن إغفال شيء ربما لاأعرفه.
تحياتي
    نيسان ـ نشر في 2024/09/23 الساعة 00:00