من أنا ؟؟ جمانة يوسف
نيسان ـ نشر في 2015/03/25 الساعة 00:00
بعد الأعوام السبعين ، لحيتي طالت كثيراً ونظري قصر
أصبحت الادوية لا تفارقني
زوجتي توفيت قبل عشرة أعوام
لست جريئاً لأخوض تجربة زواج مرة أخرى
أبدأ يومي بنصف حبة زيتون و قطعة خبز
و أنهيه بنصف حبة الزيتون الآخر
تمكن مني المرض
تمكن مني القدر
متعب الفقر
متعبة هي الحياة
من قال إنني أعيش في حياة
أنا أعيش في اللاحياة
ضائع أنا دون هدف
لم أحقق في حياتي شيئاً
لن يذكرني أحد
فزوجتي تعبت في الحياة بسبب فقري و لامبالاتي
لِمَ لَم اتقدم
بعد عامي السبعين أسأل نفسي
أندم على أعوامي الماضية
شاباً طائشاً
ماذا أقدم في نهاية حياتي لأبنائي
لا أقدم لهم سوى التعب
***
كم أشتهي موتاً يريحني من الحياة
كي أريحهم
لا أدري لمَ أكتب قصة حياتي
قصة الألم
قصة الحب
قصة المعاناة
سأحكي أوجاعي
أفراحي
سأحكي و أحكي
حتى يمل القلم
سأكتب لأكون عبرة لمن غيري
سأحدث تغييراً
في آخر لحظات حياتي
ربما أكون فخراً لأبنائي
أريد شيئاً من هذه الحياة
أريد أن أكون شيئاً يحدث تلك الضوضاء
ضوضاءاً بسببي
آآآه
كم تمنيتها
سأحدثها
أبكي و دموعي بللت الورق
دموعُ الحزن
الحسرة
و لكن لا
اذهبي إلى مكان اللامكان
سأرجع كما ولدتني أمي
وإن كان موتي يترقبني
وإن كنت سأسترجع أحزاناً و أفراحاً
سأسترجعها من أجل الجميع
سأسترجع سبعين عاماً
طفولتي كفصلٍ أول
هي من شكلت ماضيي
حاضري
مستقبلي
سأخبركم عنها
على ضوء شمعتي
شمعتي
ستزول و تذوب و أنا في البداية
***
بداية قصتي
ستؤلمكم
و لكن هي الحياة
تتألم لترتاح
ترتاح لتعود تتألم
بدأت حياتي في بيت فقير
أبي أهلكته متاعب الحياة
يجول من عملٍ إلى عمل
يتنقل ينظف المداخن تارةً و يمسح الأبواب تارةً أخرى
يغسل المركبات يوماً
و ينام في الفراشي أياماً
و أمي
يا لها من امرأة كافحت الحياة
أحبت أبي
صبرت على كل شيء
تطعمني لأحيا
تجوع هي لتموت
المرض فتك بها
أخي الأكبر
و يا له من أخ فاسد
يعيث الفوضى
أتعب قلب أمي
أهلك عقل أبي
جلب لنا العار
أخي بكل ما كان
كان قدوتي
بكل ما كان
كيف هذا ؟
من أنا ؟
من أخي ؟
ما إعرابي في هذا المجتمع ؟
أخافه
إنه لمجتمع ظالم
أسود
يعشق الكذب
الخيانات
في كل حانة من الشارع تجد أناساً ما
عذبتهم الحياة
لا أدري
أمصاعب الحياة
ألهذه الحياة نصيبٌ مني ؟
أستكون أسداً يتربص بي ؟
أنا الفريسة
أنا الغزال
أنا من أفاق على الدنيا بكل الأمل
بكل الحيوية ليخوض مع الحياة مطاردة
مطاردة المفترس و الفريسة
صغير السن
لا أعرف شيئاً
متى ستبدأ المطاردة ؟
أسأكون من خلق ليكون فريسة ؟
أم سأكون الفائز في هذه المطاردة .. !
مطاردة الحياة
***
كنت صغيراً
كانت آمالي كثيرة
طموحي يشرق كأشعة الشمس
على هذه الحياة
أخي محمود
أخذني
لتكويني الحياة
صادقت هذا و هذا
رافقت الجميع
الجميع ما عدا الأخيار
أصبحت مثلهم
شُوِه خُلقي
أصبحت أتجول في الشوارع
أسرق المال تارةً لأطعم نفسي
و أسرق الطعام تارةً لأطعم أخي
ملكني
كم هو ظالم
كم ظلمني !!
لا أعود البيت إلا منتصف الليل
أرى أمي تبكي
أبي فراشه يشكي المرض
أخي لم يعد إلى البيت بعدما وجد مسكناً يلائمه مع أصدقائه
كنت طفلاً
خارجاً عن المألوف
خارجاً عن القانون
أجلب دواء أبي بمال السرقة و أمي تحسبني أعمل
تدعو لي و تثني علي و أنا أدور الشوارع سارقاً
و الآن أخي لم يعد له صوت في أزقة الشارع
قد أودت به أفعاله للقضبان
كبرت على تلك الأخلاق
كبرت و التمرد في عيني
لا أنصاع
و في المدرسة لم يكن لي مكان
طردت منها بعد عدة مشكلات
أميٌّ أتجول بالشوارع
كانت حياتي كلمة إن قرأتها رغدت في العيش
لكنني كنت أمياً بكل شيء
كنت فاقداً للحنان
للحياة
أحببت فتاةً بشدة
لم تكن شقراء
و لا بعينين زرقاوتين
بشعرها الفوضوي و عيناها الذابلتين عشقتها
قدمت لها ما بقي فيني من حنان و أمل أخفيته عن الأيام
حتى لا أتجرد من إنسانيتي
انصات لي بداية و أحبتني
لكنها سرعان ما خرجت عن القانون
خرجت من أحضاني
قدمت لها كل شيء
لكنها تركتني
و منها تعلمت الأخذ
و ابتعدت عن العطاء
جردتني من كل شيء
لم يبق لي شيء في هذه الدنيا
حيٌّ أنا لأتعذب
ماذا بقي ؟؟
أمٌ تركتني أصارع الحياة القاسية
و أبٌ كان ضحية المرض
و أخٌ يحاكي ندمه بين جدران و قضبان
أنهيت طفولتي و مراهقتي بكل الألم
آآه كم نبهني القدر
كم أرادني أن أكون شيئاً في هذه الحياة
لكنني كعادتي أخذل الجميع
فاقدٌ للحنان
و لدي فراغ عاطفي كبير
***
في عمر السادسة و العشرين
تزوجت من فتاة جميلة
حظها أغبر
كانت تحلم كغيرها بأمير كأمير سندريلا
لكن القدر كعادته يعاكس التيار
تزوجت بخادم سندريلا لا أكثر
بعد عملية سرقة قمت بها مع أخيها
اختلفنا على توزيع المبلغ المسروق
و كنت سأكشف الأمر لكنه كان صغيراً و وحيداً
لعبت دناءة نفسي و حقارتي دوراً في مسرحية حياتي
طلبت منه روحه
أخته الكبرى
وافق بعد الذل و التهديد
ما كنت فاعلاً
لن تقبل بي أي فتاة
زفت إلي أنا
بكل حقارتي
عاشت حياتها معي جائعة
انصاعت لي
ظٌلمت معي
رزقت منها بسبعة أبناء
ثلاثة منهم ماتوا جوعاً
كبر أولادي الباقون مجبرين على إكمال طريقي
ابني الأكبر ترك البيت
لم يرد الانصياع
و بقي الاثنان حيلتي في الدنيا
منعت عنهما التعليم
كنت أنانياً
لم أرد منهما أن يتعلما و أبوهما ..
إني حتى أجد صعوبةً في كتابتها
و أبوهما لا يعرف كتابة اسمه
و امرأتي
آه كم أمقت حياتي دونها
هونت علي الحياة
بعد أن تقبلت قدرها و مصيرها معي
***
لم أدرِ أن كتابة قصة الحياة مسألةُ صعبة للغاية
لم أعد قادراً على إكمال القصة
سأنسحب كالعادة
ساكمل حياتي عنصراً مجهولاً في المجتمع
هذا المجتمع الظالم
لست أتحمل
دموعي بللت الورق
و الورق انسحب من هذه القصة
ربما أوجعته
و ربما انسحابي جعله ينسحب
لن أكون فخراً
سأكون عاراً يلحق أبنائي
متصاغراً في هذه الحياة
تصبحون على خير
***
نيسان ـ نشر في 2015/03/25 الساعة 00:00