مرة أخرى الأردن في مواجهة العاصفة: بين سقوط الأسد ومخططات التقسيم

نيسان ـ نشر في 2024/12/09 الساعة 00:00
بقلم: كامل عمر السواعدة

مع سقوط نظام الأسد في سوريا، يجد الأردن نفسه في مواجهة منعطف تاريخي يتطلب منه إعادة صياغة دوره الإقليمي وتكييف سياساته بما يتلاءم مع التغيرات الجذرية التي تشهدها المنطقة. هذه اللحظة ليست مجرد فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، بل هي اختبار حقيقي لفعالية السياسة الأردنية في حماية مصالحها الوطنية، وتعزيز دورها كطرف إقليمي فاعل في إرساء الاستقرار في منطقة تتسم بتعقيداتها وتشابك مصالح القوى الدولية.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي الذي يجعله جارًا مباشرًا لسوريا، لعب دائمًا دورًا محوريًا في التوازنات الإقليمية. خلال الأزمة السورية، حافظ الأردن على موقف متزن يقوم على عدم التدخل المباشر في الشؤون الداخلية، مع تأكيده على الحلول السلمية للأزمة. استضاف اللاجئين السوريين على مدى أكثر من عقد، متحملًا أعباء اقتصادية وأمنية كبيرة، دون الانزلاق في لعبة المحاور الإقليمية.
وفي ظل التغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة بعد سقوط نظام الأسد، يجب التنبه للتحركات الإسرائيلية التي قد تستغل هذا الفراغ الجيوسياسي لفرض واقع جديد يخدم مصالحها الاستراتيجية. من بين أبرز المخاطر المحتملة هو مشروع التقسيم الذي لطالما سعت إليه بعض الأطراف لتحقيق أهداف بعيدة المدى، بما في ذلك فرض إنشاء دولة فلسطينية على حساب الأراضي الأردنية والعراقية والسورية، في محاولة لتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي.
مثل هذه السيناريوهات ليست بعيدة عن الحسابات السياسية الإسرائيلية، التي ترى في الفوضى الإقليمية فرصة سانحة لتحقيق مكاسب استراتيجية على حساب دول المنطقة، بما في ذلك مشاريع التقسيم وفرض حلول تخدم مصالحها على المدى البعيد. لمواجهة هذه التحديات، يجب على جميع الأطراف المعنية تبني موقف موحد وحازم. بالنسبة للأردن، يتعين التمسك بهويته الوطنية وحماية أراضيه من أي مشاريع تقسيمية، مع التأكيد على رفض أي تسوية للقضية الفلسطينية تكون على حساب السيادة الأردنية. أما سوريا والعراق، فيجب أن يركزا على الحفاظ على وحدة أراضيهما وتعزيز مناعتهما أمام التدخلات الخارجية التي تهدف إلى تفكيك النسيج الوطني وإضعاف الدولتين. وفي المقابل، يتعين على الفلسطينيين رفض أي تحركات دولية أو إقليمية تسعى لتحويل قضيتهم من قضية وطنية إلى مجرد مسألة لجوء، مع التأكيد على حق العودة ورفض أي حلول تفرض بالقوة على حساب دول الجوار. هذا التنسيق المشترك بين الأطراف كافة يمثل الضمانة الوحيدة لإفشال أي مخطط يهدف إلى تفتيت المنطقة وتحقيق أجندات تقسيمية تخدم المصالح الإسرائيلية.
على جميع الأطراف في الأردن، سوريا، العراق، وفلسطين أن تدرك خطورة هذه التحركات، وأن تعمل بشكل جماعي على إفشال أي مخطط لتقسيم المنطقة أو فرض حلول لا تخدم شعوبها. إن المرحلة تتطلب وعيًا شعبيًا وسياسيًا غير مسبوق، بحيث يُحبط أي مشروع يهدف إلى تفتيت الدول العربية وتحويلها إلى كانتونات صغيرة تخدم أجندات خارجية. الوحدة والتكاتف الإقليمي هو السبيل الوحيد لقطع الطريق أمام أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية أو فرض واقع جديد يتعارض مع طموحات شعوب المنطقة في الاستقلال والسيادة.
ومع انهيار النظام، يُتاح للأردن فرصة لتقديم نفسه كوسيط نزيه في المرحلة الانتقالية السورية. يمكن للأردن أن يعمل على دعم تشكيل حكومة انتقالية شاملة تمثل جميع أطياف الشعب السوري، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية واستقلالها. كذلك؛ سيحتاج المجتمع الدولي إلى دعم واسع لإعادة إعمار سوريا بعد الحرب. الأردن يمكن أن يكون مركزًا لوجستيًا لهذه الجهود، مستفيدًا من قربه الجغرافي وعلاقاته الدولية القوية، وحيث ان انهيار النظام قد يخلق فراغًا أمنيًا خطيرًا يمكن أن تستغله الجماعات الإرهابية، فيجب على الأردن أن يلعب دورًا رائدًا في تشكيل تحالفات أمنية لمواجهة هذا التهديد، بالتعاون مع القوى الإقليمية والدولية، وبالتناوب، فعلى السياسي الأردني أن يتنبه للتحديات التي تواجه الأردن؛ فالفوضى المحتملة قد تؤدي إلى موجة نزوح جديدة. يجب على الأردن أن يضع خططًا محكمة للتعامل مع أي ضغط إضافي على بنيته التحتية، وسقوط نظام أسد ربما يفتح الباب أمام تنافس القوى الإقليمية، وخاصة تركيا، لتعزيز نفوذها في سوريا. يجب أن يكون للأردن استراتيجية واضحة للحفاظ على استقلال قراراته وحماية حدوده من تداعيات هذا الصراع، وحيث أن الأزمة السورية أثرت سلبًا على الاقتصاد الأردني. الآن، هناك فرصة لتعويض الخسائر من خلال الانخراط في مشاريع إعادة الإعمار، ولكن ذلك يتطلب تخطيطًا دقيقًا واستغلال الفرص بشكل استراتيجي.
على السياسي الأردني أن يتبنى نهجًا استراتيجيًا يقوم على إعادة تقييم السياسات الخارجية بما يضمن وضع المصالح الوطنية الأردنية في المقام الأول، بعيدًا عن تأثير الضغوط الخارجية أو الاصطفافات غير الضرورية التي قد تضر باستقلالية القرار الأردني. ينبغي أن تكون الأولوية لدعم الحلول السلمية في سوريا والعمل على تقليل التدخلات الإقليمية التي تهدد استقرار المنطقة. في هذا السياق، يجب على الأردن بناء علاقات متينة مع المعارضة السورية المعتدلة، بما يدعم وحدة سوريا واستقلالها، مع رفض أي مشاريع تقسيمية أو طائفية. أمنيًا، لا بد من تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية الأردنية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، خاصة في المناطق الجنوبية المتاخمة لسوريا، التي قد تشهد نشاطًا متزايدًا لخلايا إرهابية أو جماعات مسلحة. من الجانب الاقتصادي، يشكل الانخراط في جهود إعادة إعمار سوريا فرصة لتعزيز الاقتصاد الأردني، حيث يمكن للأردن أن يصبح مركزًا لوجستيًا لهذه الجهود، مستفيدًا من خبراته في مجالات البنية التحتية والتعليم والخدمات الصحية. أخيرًا، يتطلب الوضع الحفاظ على علاقات دولية متوازنة مع القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لضمان الحصول على الدعم المالي والسياسي اللازم للتعامل مع تحديات ما بعد سقوط النظام السوري، وتعزيز دور الأردن كطرف إقليمي فاعل ومستقر.
وأما الشعب الأردني، فمن الضروري أن يدرك أن سقوط نظام الأسد يمثل فرصة لتعزيز أمن الأردن واستقراره، ولكنه في الوقت ذاته اختبار لقدرة الأردن على إدارة هذه المرحلة بحكمة. ويجب أن يتكاتف الجميع خلف القيادة السياسية في مواجهة التحديات، مع العمل على تقديم نموذج للتعاون بين الشعوب العربية.
سقوط نظام الأسد يمثل نقطة تحول في تاريخ المنطقة. بالنسبة للأردن، هذه لحظة يجب استثمارها بذكاء لتحقيق الأمن والاستقرار داخليًا وخارجيًا. السياسي الأردني مطالب بأن يكون على قدر المسؤولية، متسلحًا برؤية استراتيجية تضع مصلحة الأردن فوق كل اعتبار، مع العمل على تحقيق مستقبل أفضل للمنطقة ككل، قائم على السلام والتعاون والتنمية المشتركة.
    نيسان ـ نشر في 2024/12/09 الساعة 00:00