اللعبة القذرة .. حين نُزيّن الوهمَ ونعيشه بإيمانٍ وندافع عنه بشراسةٍ

نيسان ـ نشر في 2025/06/03 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
في لحظة شُروْد على وَقْع قَرْقعة الماء وأنا أتفقد الصبرات، انبثق في ذهني سؤالٌ عن ورشة عملٍ عنوانها: "كيف نُقنع الناس أن كلَّ شيءٍ طبيعي؟
سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، بل وحتى رياضيًا. أليس هذا هو جوهر صناعاتنا الحديثة؟ .
مَهَمَّةُ الأدباء أن يحوِّلوا القبيحَ جميلًا، فيجعلونك تتعاطف مع قاتلٍ أو تُشارك لصًّا في سرقة بريء.
ومُحترفُ الصورة يستطيع تحويلَ مزبلةٍ إلى لوحةٍ رومانسية، وحذاءٍ ملقى على سلك كهرباء إلى تحفةٍ فنية، وشوكةِ جرحت المارةَ كثيرا إلى قطعةٍ في متحف.

لكن سحرَ السياسي يفوقهم جميعًا: إنه بارعٌ في إقناع الجائعِ بأنه شَبْعان، والحزينِ بأنه مبتهج، والملدوغِ بالسُّمِّ بأنه يستمتع بشمس الأطلسي!.
والأعجب من ذلك: تحويلُ غضبك على الظلم إلى "جريمةٍ تستحق العقاب". أما المحامون ففنّهم أدهش: يُحوِّلون السارقَ إلى محسنٍ، والقاتلَ إلى فارسٍ، والمختلِسَ إلى موظفٍ مخلص. وإذا نال موكلُهم البراءةَ، يطالبون بتعويضٍ عن "معاناته النفسية"! ألم تسمع بحرامٍ نال تعويضًا لأنه جُرح بزجاج البيت الذي أراد سرقته؟
هذه اللعبةُ يتقنها الأمريكيون ببراعةٍ مروعة: يُغلفون رصاصَ مرتزقتهم بـ"معونات غذائية" لأطفال غزة، ثم يذبحونهم على الهواء ويقولون: "بينهم عناصر حماس!". ويهدُمون كل مستشفيات القطاع بحجة مطاردة "قيادات"، ثم يصفقون لبطولةِ نتنياهو! وصورةُ عربيٍّ يرمي زجاجةً على تظاهرةٍ صهيونيةٍ في نيويورك، تكفي لتمحو من ذاكرة العالم دَمَ ألف طفلٍ في غزة. يُمسح المشهدُ من شاشات الإعلام العربي قبل الغربي.
لكن الأخطرَ من كل هذا: أننا نحن من نرفع شعار "كلُّ شيءٍ طبيعي". نحن من نُزيّن لأنفسنا الوهمَ، ونعيشه بإيمانٍ، وندافع عنه بشراسةٍ، ونكره من يرفع المرآةَ أمام وجوهنا المشوَّهة. ألسنا نحن من يقول للجريح: "لا تنزف!"، وللمقهور: "لا تتألم!"، ثم نُردد في النهاية: هذا طبيعي!
    نيسان ـ نشر في 2025/06/03 الساعة 00:00