في الواسطة والمحسوبية

محمد قبيلات
نيسان ـ نشر في 2015/04/27 الساعة 00:00
فرق كبير بين المطالبة بالإصلاح وبين حالات الاستقواء على مؤسسات الدولة، حيث يمكن الحصول على الحقوق من خلال النضال السلمي المطلبي، الذي يحفظ للدولة هيبتها، ويندرج ضمن حدود الحقوق التي منحها الدستور للمواطن والزم الدولة بها كواجبات.
يتطلب هذا الطرح النظري أول ما يتطلب البيئة المناسبة، والتي توفرها الدولة بالسعي لتحقيق أعلى قدر من العدالة الاجتماعية، بأن تتوافر لدى أذرعها التفيذية الرغبة في تنفيذ قوانين ينتج عنها تقليص الهوة بين طبقات المجتمع، من حيث الفوارق المادية والاجتماعية.
بالضرورة، عندما لا تتوافر هذه البيئة تكون النتيجة عكسية، وكسائر المجتمعات البشرية، فان كل مجموعة تشعر بالظلم، ستنتهج طريقتها لرفع الظلم الواقع عليها، وسيساعدها النظام الاجتماعي بفرز آليات للحصول على الحاجات، التي لا يشترط أن تكون حقوقاً لهذه الفئة.
فكما في المجتمعات البدوية ما قبل الدولة، حين تمّ ما يشبه "شرعنة" للغزو على القبائل الاخرى، من أجل الحصول على ما يسد الرمق، نرى اليوم الواسطة والمحسوبية تترعرع في ظل الدولة، للحصول على الوظائف في تجاوز واضح عن الحقوق والطرق النظامية العادلة.
من جانب آخر، تحتاج السلطة لتمثيل مختلف قطاعات المجتمع في الإدارات، وذلك لضمان تكوين حالة من الرضا عن التقسيم السياسي في البلد، وغض الطرف عن تمرير بعض الامتيازات لكل منطقة أو جهة أو قطاع؛ ما غيّب الكفاءات عن المواقع التي تدير عملية التطور الطبيعي لأجهزة الدولة.
فكل مسؤول يصل الى موقع حساس ينشغل في تحقيق مكتسبات لجماعته، مع العلم أن هذه المكتسبات هي أصلا حقوق لهم، لكن تعثّر حصولهم عليها، لأنه سبق لمسؤول آخر أن أخذ حقوقهم ومنحها لجماعته.. وهكذا.
وفي الذاكرة، أن احد الوزراء تفاجأ بخبر استقالة الحكومة التي هو عضو فيها، فما كان منه إلا أن قام وعلى وجه السرعة، بتوقيع أوامر تعيين المئات من أبناء عشيرته على كادر الوزارة، متناسياً أنه، "أخلاقيا" انتهت صلاحياته في تسيير الاجراءات واتخاذ القرارات.
بمثل هذا النسق من الاجراءات، وصلنا الى خلل هيكلي واضح في القوى العاملة، فبدل أن تكون الحصة الأكبر منها موزعة على القطاعات الإنتاجية، تكدّست في قطاع الادارة والخدمات، ما أدى الى تضخم ميزانية الرواتب إلى جانب ظهور اشكاليات أخرى كبيرة انعكست مباشرة وبشكل سلبي على أداء مؤسسات الدولة عموماً، وبالتالي على مختلف القطاعات الشعبية.
ما نحتاجه اليوم لتحقيق العدالة الاجتماعية، هو إعادة تأهيل الادارات والقطاعات لبناء دولة القانون والمؤسسات .
    نيسان ـ نشر في 2015/04/27 الساعة 00:00