مسؤولية السرد في واقع متقلب.. قراءة في 'نطفة في قلب غسان كنفاني'

نيسان ـ نشر في 2025/09/26 الساعة 00:00
الدكتور سلطان المعاني

تطلّ الكاتبة زينب السعود على المشهد الروائي الفلسطيني والعربي بوصفها صوتًا ينحت تجربته من قلب الجرح الإنساني والوطني، ويكتب من موقع شاهد ومعايش ومؤرّخ للحظة تمتزج فيها الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجمعية. زينب السعود كاتبة تحمل قلق الانتماء، ومسؤولية السرد، أمام واقع متقلب يهدد كل يقين ويعيد صياغة معنى الوطن والحياة والفقد كل يوم.
في روايتها «نطفة في قلب غسان كنفاني»، تنطلق من معترك اليومي الفلسطيني، من حياة النساء في غزة، من لحظات الوجع والانتظار، من مصائر البطلات اللواتي يقفن على حافة المستشفى بين الموت والولادة، وتنازع الأمل والخذلان.
تعتمد الرواية أسلوب المونولوج الداخلي والتداعي الحر، فتختلط أصوات الحاضر والماضي، وتتشابك السيرة الفردية مع السيرة الجماعية، فكل تفصيل يومي يحمل ظلال التاريخ، وكل ذكرى شخصية تصبح سردية عن الجماعة، وكل صوت أنثوي يعيد مساءلة معنى الحصار والمقاومة والحب في ظل الفقد.
تختار السعود اسم غسان كنفاني، تكريمًا للرمز، وإيمانا بأن الذاكرة الروائية الفلسطينية لا تكتمل إلا بالحوار مع من أسّسوا لجدوى الحضور الفلسطيني في الأدب الحديث.
وتوظّف الكاتبة هذا الحضور ليكون جسرًا بين الأجيال، وليحمل النص عبء الذاكرة والانكسار، ويعيد مساءلة جدوى الكتابة، وجدوى البقاء، وجدوى الحب في عالم لا يمنح الفلسطيني سوى الهامش والانتظار.
بذلك، تشكّل «نطفة في قلب غسان كنفاني» نصًا وجوديًا، إنسانيًا، فلسطينيًا بامتياز، يوظف حساسية اللغة، ويمنح البطولة للأصوات المهمشة، ويركّز على هشاشة اليومي، ويحوّل تفاصيل الحياة الصغيرة إلى أسئلة كبرى عن الهوية والانتماء والمقاومة.
تدخل السعود بهذا العمل عميق السرد الفلسطيني الحديث، وتكتب لنفسها موضعًا في زمن التوثيق والجرح والبحث عن خلاص لا يأتي إلا على هيئة نطفة في قلب اسم خالد، ووطن لا يزال يبحث عن أبنائه.
وبذا تمضي الرواية بجوّ مشحون بالوجع الإنساني، تتداخل فيها السيرة الفردية بالجماعية، وتنعكس تفاصيل الحياة اليومية في ظل الحصار والحرب، عبر مونولوجات داخلية وأسئلة وجودية حادة. يدور النص في فضاء غزة المحاصرة، حيث تتشابك الذكريات الخاصة بالبطل/الراوية مع مصائر الشخوص القريبة، وتظهر ظلال غسان كنفاني رمزاً للمثقف الفلسطيني المنفي والحلم المؤجل والفقد المستمر.
تسيطر على أجواء الرواية روح الحصار والانتظار والتوجس، مشهد المستشفى، الدماء، الصدمات، الحوارات المبتورة، العجز، وتفاصيل حياة معلقة بين أمل يتسلل في الدعاء والخوف من الفقد، في وطن يسكنه المنفى ويتجلى فيه الألم والخسارة كجزء من الذاكرة الجمعية.
يهيمن على العمل سؤال الحرية والمعجزة والحب المتعذر في عالم تملؤه الحواجز، وتتكشف ملامح العلاقات الإنسانية من خلال الاسترجاع والتأمل الذاتي والحوار مع رموز فقدتها البطلة، ليصير المكان (غزة/فلسطين) بطلاً آخر للرواية، يحاصر الجميع، ويحملهم إلى تخوم الكتابة والمقاومة واليأس والحنين في آن واحد.
تسود الرواية لغة مشحونة بالحساسية والدفء مع انكسارات نفسية ووجدانية، وتمنح القارئ تجربة تلامس الجوهر العميق للمعاناة الفلسطينية، وتستدعي أسئلة البقاء والذاكرة والانتماء.
***
تتجلى ملامح القلق الوجودي في رواية «نطفة في قلب غسان كنفاني في مستويات عديدة، قلق الذات وقلق الجماعة، ويبرز القلق بوصفه حالة عميقة تلازم الوعي الفلسطيني في مواجهة الفقد والحصار، وتعيد تشكيل معنى الهوية والحياة في ظل تهديد دائم للوجود نفسه.
تتبدى هذه الملامح منذ الصفحات الأولى، حين تعيد الراوية مساءلة حضورها: «من الذي زج بي في هذا المكان، ولماذا؟»، ويمتد هذا السؤال ليغدو سؤالاً عن جدوى الحياة ومعنى الموت، عن جدوى التمسك بذاكرة الطفولة، وعن مغزى البقاء في مكان يضيق بالروح حد الاختناق.
يطل القلق الوجودي من انكسارات الراوية أمام مشاهد الدمار وأخبار من قضى واستشهد، ومن قلقها المستمر على مستقبل ابنتها الصغيرة، ومن ذاك الإحساس الطاغي بأنها ونور وسائر الشخوص عالقون بين الحياة والموت، بين إمكانية النجاة ودوامة الفقد، بين انتظار معجزة تبدو مستحيلة وواقع يمعن في سحق الأمل.
هذا القلق يتجسد أيضاً في الحوارات الموجوعة مع الحبيب/الزوج (غسان)، حيث تصطدم الرغبة في الحب والاستقرار بفكرة الرحيل والمنفى، ويغدو الوطن ذاته قيداً وفقداً، فلا البيت بيت، ولا الذاكرة ملاذٌ آمن.
يظهر القلق في كل تفاصيل اليومي: عبور الحواجز، الخوف من الولادة تحت القصف، التشكيك في معنى الخيانة والبطولة، حتى في أصغر القرارات، إذ يتحول كل اختيار إلى سؤال وجودي: البقاء أو الرحيل، الانتظار أو الهروب، اليقين أو الشك.
تتردد أصداء القلق الوجودي في لغة الرواية: التكرار، التوتر، المناجاة، التساؤل، البحث عن معنى وسط الخراب، والحنين المستحيل إلى فردوس مفقود أو معجزة غائبة.
تتحول فلسطين، في وعي البطلة، من جغرافيا إلى قدر، ومن مأوى إلى سؤال معلّق: هل أستحق أن يتغير من أجلي قانون القهر؟، لتظل الذات موزعة بين الرغبة في التشبث بالحياة والخوف من أن تلتهمها دوامة العبث والعدم.
تنهض الرواية في مجملها كنداء مضطرب في وجه العبث، وتوق دائم لإيجاد معنى في العبور القسري بين المهددات، وتختبر الذات كل يوم حقيقة كونها معلّقة في الفراغ، تتلمس المعجزة في أبسط تفاصيل البقاء، وتعيد طرح سؤالها الأبدي: «لماذا أنا هنا؟»
***
اختيار غسان كنفاني استحضار مكثف للمعنى الذي باتت تمثّله تجربة غسان في الذاكرة الفلسطينية والعربية.
تحضر شخصية كنفاني في الرواية بوصفها بؤرةً يتقاطع عندها الخاص والعام: فهو الكاتب والمنفي والمقاوم الذي جعل من الكتابة فعلاً للبقاء ومقاومة الفناء، وهو في الآن ذاته صورة الأب والحبيب والرجل الفلسطيني العالق بين وهم العودة وحقيقة التيه، بين الغياب القسري والحضور الطاغي في الذاكرة الجمعية.
تلجأ الكاتبة إلى اسم غسان كنفاني، وتلصقه بالذات الساردة، لأن حياة كنفاني صارت علامة على القلق والتمزق، وعلى الحنين إلى ما لا يُستعاد.
إنه الاسم الذي إذا ذُكر، استحضرت معه كل معاني النكبة والمنفى والمقاومة والجرح المفتوح، وصار حضوره في السرد سؤالاً عن معنى أن تكون فلسطينياً في عالم يتقن صناعة الفقد والنهايات المبتورة.
اختيار كنفاني، إذن، هو توق لإحياء الذاكرة، ولملمة ما تناثر من الذات في الحروب، وربط المصير الشخصي بالجماعي، وتثبيت حق الفلسطيني في السرد، في مواجهة محو الوجود والذاكرة.
كما أن حضور كنفاني هو محاولة لاختبار قدرة الأدب على التشبث بالحياة في مواجهة العبث؛ فكنفاني الذي جعل من «العودة» فعلاً رمزياً في «عائد إلى حيفا» و»رجال في الشمس»، يتحول هنا إلى قلب/نطفة، إلى ما تبقى من معنى في عالم يتفكك ويتصدع، إلى تعويذة تُمسك الذات الساردة بجذورها كلما تلاشى الأفق وضاقت الحيلة.
إن استدعاء كنفاني في الرواية يتجاوز الإهداء أو التأثر، ليغدو ركيزة بنيوية تضع المصائر الفردية والجماعية في حوار مستمر مع الذاكرة الفلسطينية، وتعيد طرح سؤال: هل ما زال للكتابة دورٌ في مواجهة الانقراض؟ وهل ثمة خلاص في التشبث بالحب والأمل، أم أن الجميع، مثل شخوص كنفاني، معلقون بين الوطن والمنفى، بين النطفة والقلب؟
***
تتخذ رواية «نطفة في قلب غسان كنفاني» موقعها في تقاطع السرد الوجداني مع السرد التاريخي، فيتسع تصنيفها لتشمل الرواية الوجودية، والرواية الفلسطينية المعاصرة، كما تتداخل مع أدب الحرب، وأدب المنفى، والسيرة الذاتية المتخيلة.
لا تسعى الرواية إلى تقديم حدث مركزي صلب أو بنية تقليدية تعتمد على تطور حبكة واضحة المعالم؛ لكنها تتكئ بنيتها على التداعي الحر، حيث يصبح السرد شذرات متداخلة من الذكريات، والمونولوجات، والاسترجاعات النفسية والزمانية، تتقاطع كلها حول جرح الوجود الفلسطيني في لحظة عاصفة من الحصار والفقد والخوف والانتظار.
تنهض الرواية على خاصية التناص الحواري، فيبدو حضور غسان كنفاني، كظلالٍ متجددة للمعنى، وكثافة رمزية تضيء الهامش وتعيد تشكيل المركز. وتستثمر الكاتبة اللغة بوصفها مقاومة داخلية: لغة مكسورة، مترجرجة، لا تخشى التكرار والتشظي، لكنها تقبض دائماً على نبض الذات وسط عواصف الجماعة ومصائرها.
ويتمثل البناء البنيوي للنص في تفكيك الخط الزمني، حيث تغدو الأحداث قابلة لإعادة التركيب وفق تدفق الذاكرة وأهوال الواقع. لا يوجد هنا صراع تقليدي بين بطل وخصم، فهو صراع أعمق بين الذات وأسئلتها، بين الفرد والجماعة، بين الإنسان وقدره في مواجهة الفناء، حيث يتحول كل ما هو يومي (كوب من الميرمية، عبور حاجز، غرفة ولادة، صرخة طفلة) إلى مشهد كوني يجسد المعركة الأبدية للبقاء.
تستثمر الرواية تقنية التقطيع السينمائي؛ ينتقل النص من مشهد إلى آخر عبر ومضات الذاكرة، فلا تنفصل حياة البطلة عن حياة المكان غزة تتحول إلى مختبر للبقاء، وجسد المرأة الموشك على الولادة يصبح استعارة لفلسطين الجديدة، للخصوبة المعذبة وسط الخراب.
ومع أن السرد يتكئ على ضمير المتكلم، إلا أن تعدد الأصوات والظلال يحيل إلى بنية بوليفونية (متعددة الأصوات)، إذ تتداخل أصوات الغائبين والأحياء، وتصطخب الأمكنة والذكريات والحكايات العائلية في جدل لا ينتهي.
تدفع الرواية القارئ نحو نهاية مفتوحة، حيث تظل الأسئلة معلقة، وتبقى الذات معلّقة بين رصاصة القناص ونبض الولادة، بين البيت والمنفى، بين معنى الحياة واحتمالات الفقد.
وبذلك، تغدو «نطفة في قلب غسان كنفاني» أكثر من نص سردي: إنها تجربة عبور نحو تخوم السؤال الوجودي، وثيقة جمالية لزمن فلسطيني يفيض بالألم والأمل معاً، ومختبر لكتابة الذات المنكسرة في حضرة الجمع الجريح. وفي ختام مداخلتي، نكتشف أن النص يسعى إلى تعرية جرحه وتثبيت صوته في وجه الصمت، وتذكيرنا بأن الرواية الحقيقية لا تكتمل لأنها نطفة في قلب هذا الوطن، في قلب غسان كنفاني، في قلب كل من يكتب وينتظر، ويحب، ويخشى أن يضيع اسمه تحت الأنقاض.
    نيسان ـ نشر في 2025/09/26 الساعة 00:00