مفتاح الحل .. قصة .. بقلم فريال كريزم
نيسان ـ نشر في 2015/12/25 الساعة 00:00
هطلت الأمطار بشدة، في تلك الليلة المظلمة ، وراحت القطرات الثقيلة تضرب زجاج نافذة غرفة المحقق الشهير سامح و بصوت رتيب مستمر و كانها تطلب النجدة من احد .يزداد توتره كلما نظر الى ساعته الصغيرة التي كانت عقاربها تشير الى الثالثة بعد منتصف الليل , يبدأ بتقليب اوراق ذلك الملف الضخم , الذي يبدو عليه اسم لقضية ضخمة معقدة مجهولة الأبعاد , يحاول منذ مدة طويلة البحث عن ذلك الفاعل الخبيث , حسبما أظن انها قضية لجريمة قتل قد راح ضحية لها رجل الاعمال حسان و قد سرق كذلك القاتل اوراق مهمة للسيد حسان مع ممتلكات منزله وكل النقود ومجوهرات زوجته، دون أن يترك خلفه أدنى أثر، ودون أن يُشير إليه دليل واحد على الأقل , ان السيد حسان رجل معطاء مقدام و شهم يفتح ابوابه لمن يطلب المعونة منه دائما , فللاسف حدوث ذلك له , فكما يقول الله تعالى :" و ما جزاء الاحسان الا الاحسان".
يا لها من قضية عجيبة ! لم يغمض له جفن منذ أيام، ولم ينعم بالراحة لحظة واحدة، أو يغادر مكتبه إلى منزله وزوجته وعائلته .
أنتهى التحقيق في اليوم الأول دون التوصل إلى حل للغز القضية ومعرفة القاتل, لقد تم التحفظ داخل البلاد على كل من زوجة القتيل و السيد محمود والخادمة فاطمة بضمان محل إقامة كل منهم و عدم السماح لهم بالسفر خارج حدود المدينة.
راح يستعرض في ذهنه أقوال الشهود ويربط بينها و قد طار ذهنه إلى سلوك كل من استجوبهم وتسأل هل هذه التصرفات التي صدرت عن كل من الزوجة و صديق السيدحسان والخادمة من التردد والتوتر والشرود ناتجة عن أنهم يعلمون شيئا لا يعلمه هو أو أنهم يخفون شيئا لم يعترفوا به له و عاد ليسأل نفسه أين ذهب الظرف الأزرق ولماذا طلب السيد حسان من الخادمة الذهاب إلي السيدة ساره و ما علاقته بتلك السيدة ؟ و الى أين انتقلت؟ و ما علاقتها بالظرف الأزرق ؟ وعلام تحتوى الأوراق التي بداخل الظرف هل هي سبب مقتله أم أنها مجرد أوراق خاصة بالعمل ؟
وفي تلك الليلة بالذات، ومع هطول الأمطار، أصبحت أعصابه أشبه بوتر مشدود، فوق نيران مستعرة، وصار واثقاً من أنه، لو لم يتوصّل إلى حل القضية، فسيصاب بالجنون حتماً ثم سمع تلك الطرقات الهادئة على باب الحجرة رفع عينيه ليطلب من الطارق الدخولامتلأت نفسه بدهشةٍ عارمة عندما رآه داخل الحجرة بالفعل، يقف أمام الباب، في معطف قديم رث، وبشعره الأشيب، وشاربه الكث، وملامحه التي تضفي عليه هيبة ووقاراً فاعتدل في مقعده، وقال في حدة : من أنت؟.. وكيف دخلت إلى هنا؟
قال الرجل في هدوء : انا "ماهر أمجد" مفتش المباحث بالمديريةكان هذا جواباً للسؤالين، فلن يعترض ذلك الجندي أمام مكتب سامح طريق مفتش مباحث المديرية، إذا ما أراد الدخول إليه ؟ ثم إن الاسم يبدو مألوفاً، مما جعله ينهض من خلف مكتبه ويمد يده لمصافحة الرجل، قائلاً مرحباً بك في مكتبي يا سيادة المفتش.
المفتش بهدوء : أنت المسؤول عن اخر جريمة قتل ؟
اجاب سامح و قد ربّت على الملف الضخم، قائلاًإنني أُحاول دراستها منذ خمسة أيام، ولم أتوصّل إلى شيءأومأ المفتش برأسه متفهماً، وقالإنها ليست بالقضية السهلةثم داعب شاربه الأبيض الضخم، الذي يشبه شوارب ملوكالقرن الماضي قبل أن يضيفولكن التوصّل إلى الحل ليس مستحيلاً , قاطعه سامح قائلا : ألديك فكرة محددة سيدي المفتش ؟ ابتسم المفتش ابتسامة عريضة قائلا : ربما , يتابع قائلا على الرغم مما تبدو عليه القضية من غموض، فإن هذا الغموض نفسه قد يكون الحل ا اتسعت عينا المحقق سامح وقال في اهتمامحقّاً؟!.. وكيف يحدث هذا؟رفع المفتش سبّابته أمام وجهه، وقال مهما كان القاتللابد له من الوقوع في خطأ واحد، يرشدنا حتماً إليه,, إنها قاعدة العمل في المباحث يا فتى.. ومهمتنا هي البحث عن ذلك الخطأ الذي لم ينتبه إليه القاتل.
ظل المحقق ينظر إلي الثلاثة وجوه التي أمامه بتفكير عميق, قائلا انت يا سلوى"زوجة السيد حسان" أخبريني عن تفاصيل أخر يوم في حياة زوجك , ترد سلوى ان لزوجي طقوس خاصة في كل عطلة أسبوعية , تسال المحقق قائلا : طقوس خاصة ؟
ترد سلوى و هي تبكي نعم طقوس خاصة ففي كل نهاية أسبوع يمارس الرياضة و يتناول وجبة الفطور خارجا في الحديقة و من ثم يذهب للعمل في مكتبه لكن اخر عطلة له لم تكن كذلك تماما فقد كان مهموما و جالسا طوال الوقت في مكتبه بعد ان وصله ذلك الظرف الأزرق , اتسعت عينا سامح قائلا عن أي ظرف أزرق تتحدثين ؟ تدخلت فاطمة قائلة : أنه ظرف أمرني السيد حسان أن احضره له من صندوق البريد صباح يوم الجمعة , تابعت سلوى مقاطعة فاطمة قائلة لقد كانت فاطمة هي التي تعد لزوجي أكواب القهوة دائما و في ذلك اليوم قد أعدت له اربعة أكواب , لابد انها من قد وضع السم له حتى مات ........ و ما ان لبثت فاطمة حتى صرخت و هي تبكي أنا لم اقتله ... أنا لم اقتله يجيبها المحقق بهدوء مصطنع فاطمة لم يتهمك أحد بقتله لكن لم اعددتي للسيد حسان القهوة بكثرة في ذلك اليوم ؟ .... ردت عليه و هي مرتبكة هو من طلب مني ذلك فقد كان منهمكا بالعمل و يشعر بالضيق و كما انه يحب شرب القهوة عندما يجلس في مكتبه سالها المحقق أين كنت في ذلك الوقت يا فاطمة فقد علمت ان السيد قد ارسلك لتجلبي له شيئا ؟الكلمات خرجت الكلمات متقطعة من شفتيها المرتجفتين..... كان العنوان الذي أرسلني إليه السيد حسان قريبا .. فترجلت إليه وعندما وصلت هناك لما أجد تلك السيدة الذي ارسلني اليها بل أخبرني صاحب العنوان أنه لا يوجد سيدة تقطن في البناية بهذا الاسم!! عدت مرة أخرى وجال بخاطري آنذاك أن السيد حسان أرادني أن أخرج من المنزل لسبب يعلمه الله وحده و تضيف فاطمة يا سيدي هنالك ملاحظة مهمة ألا وهي ان السيد حسان كان مسيرا من قبل السيدة سلوى في اخر فترة , تصرخ سلوى في وجه فاطمة حتى تصمت , ينزعج سامح من هذا التوتر و التداخل في حديثهما و يستغرب بنفس الوقت من محاولة كل واحدة في الصاق التهمة بغيرها حتى تفر هي الاخرى من هذه الدائرة العقيمة "دائرة الاتهام " , يسال سامح السيد محمود : أنت صديق السيدحسان المقرب اليس كذلك ؟ يرد وهوقلق حائر الملامح حذرا مما يقول و يقلب نظراته بين السدة سلوى و فاطمة و كأنه يعلم شئ و لا يريد البوح به , نعم لكن كان ذلك قبل اخر خلاف حصل بيننا يساله المحقق بسرعة و لما ؟ يرد مجمود : لقد حصل بيننا نزاع في ادارة أموال الشركة فنحن شركاء في ادارة شركة الادوية العالمية فقد طمعت بالمال كثيرا , فغضب حينها السيد حسان مني و قال انه لا يمكن لنا أن نكون أصدقاء بعد اليوم , يكرر سامح في طرح الاسئلة و كانه صياد يريدان يوقع فريسته بالفخ و أما محمود فيستمر بالاجابة على الاسئلة المتلاحقة و هي مشدود الاعصاب بسبب نظرات المحقق اليه التي تشعره و كانه هو القاتل , و ما لبث الى ان توقف السيد سامح عن طرح الاسئلة ليقفل التحقيق لهذا اليوم و يعود الى مكتبه ليراجع تفاصيل الامور بدقة .
يقول سامح في حسم لقد كسر القاتل قفل الباب حتى يدخل و يقوم بجريمته , اذا لابد من وجود طرف خارجي اخر ... يبتسم المفتش قائلا ربما يكون هذا الخطأ الذي وقع فيه القاتل و ربما لا , ثم يبدو الارتياح على وجه االمفتش و يقول هذا عظيم لعلنا نكون قد حصرنا اسماء المشتبه بهم في دائرة صغيرة .... يصيح سامح قائلا بلى فترتسم بذلك ابتسامة عريضة على وجه المفتش حينما اختطف سامح سماعة الهاتف و اتصل بأيمن مدير القسم قائلا : أيمن انا سامح أتحدث اليك من مكتبي لقد عرفت القاتل و انا واثق تماما منه .... ثم أعاد السماعة الى موضعها و هو يرفع عينيه الى حيث يجلس المفتش هاتفا لا اعرف كيف اشكرك سيدي المفتش على هذه المساعدة و من ثم تبترت عبارته وهو يحدّق إلى المقعد في حيرة، ثم أدار عينيه في الحجرة كلها في سرعة، بحثاً عن المفتش قبل أن يقفز من خلف مكتبه، ويفتح باب الحجرة هاتفاً في جندي الحراسةأين الزائر؟انتفض الجندي، قائلاً في توترأي زائر يا سيّدي؟ قال سامح في حدةمفتش مباحث المديرية، الذي كان في مكتبي.. أين ذهب؟فغر الجندي فاه مشدوهاً، وهو يقولمفتش ماذا؟!.. إن أحداً لم يدخل مكتبك منذ أن تسلّمت نوبة الحراسة هذه، في الثامنة مساءً يا سيدي .... يعود سامح الى مكتبه مذهولا و يكمل وضع اخر النقاط على الحروف ليحل القضة في اليوم التالي و يغلق ملفها .......
في صباح اليوم التالي يستيقظ أيمن متلهفا و ينتظر سامح لكي ياتي الى مكتبه كما أتفقا ليلة أمس و يخبره عن القاتل ....
ولكن سامح قد تأخر عن الموعد فيتصل أيمن مرارا و تكرارا و لكن سامح لا يستجيب أبدا , فيقرر بذلك أيمنالذهاب الى مكتب سامح ليجده قد أختفى تماما عن الأنظار و يكون بذلك قد اختفى معه مفتاح الحل ... و تغلق القضية بذلك لمجهول .
نيسان ـ نشر في 2015/12/25 الساعة 00:00