بالصور: عم شعبان.. ترك الهندسة ليتفرغ لـ "الغرابيل"
نيسان ـ نشر في 2015/12/26 الساعة 00:00
في عطفة من عطوف شارع المعز لدين الله الفاطمي، في قلب القاهرة الفاطمية، في رحاب الأزهر الشريف يجلس رجل سبعيني على باب محل صغير بداخله مئات الغرابيل التي صنعتها يده التي تعمل في دأب ونشاط، كما لو كانت يد شاب عشريني، صاحب اليد يحدثك فيما يده تعرف طريقها على الغربال.
مشهد عم شعبان وهو يعمل في غربال جديد مرتدياً "طاقيته" ونظارته الطبية، وفي الخلفية منازل أثرية تحمل عبق التاريخ، يعود بك إلى أجواء روايات نجيب محفوظ، فهذا عالمه وهذه منطقته التي كتب عنها، ولم يكتب عن غيرها، لذا يبدو عم شعبان وكأنه أحد شخوص هذا العالم الفريد.
صناعة الغرابيل
لايترك عم شعبان عمله ليتحدث إلينا، بل يكتفي فقط بالنظر بطرف عينيه فيما يداه تعملان في دأب، وفجأة يخرج صوته ليقول: "مهنة صناعة الغرابيل ليست بالسهولة التي يعتقدها الناس، بل هي مهنة تحتاج لدقة شديدة، وإلمام كامل بكل تفاصيل الغربال وكيفية جعله أكثر قدرة على أن يعيش طويلاً".
تاريخ المهنة
يضع عم شعبان الغربال الذي انتهى منه ويتناول غيره، يتنهد تنهيدة طويلة ثم يكمل حديثه: "الغربال في البداية كان يصنع من جلد الجمل، ويرجع تاريخه لعصر عمرو بن العاص، ومع مرور السنين تطورت المهنة شيئاً فشيئاً،حتي أصبح لكل نوع من الحبوب غربال مخصوص مصنوع من مادة تناسب نوع الحب المستخدم، وكذلك يتعدد بتعدد أحجامه ومقاسات فتحات الغربال حتى يضمن تحليل المادة الموضوعة بداخله جيداً".
يرفع عم شعبان عينيه متحدثاً إلى أخته التي تساعده في العمل، ثم يعود إلينا شارحاً أنواع الغرابيل، فهناك غربال الدقيق، ويكون مصنوعاً من الحرير وذي فتحات ضيقة، أما البقوليات كالفول أوالعدس أوغيره فتحتاج إلي الغربال المصنوع من السلك ذي الفتحات الواسعة.
ثقافة واسعة
استخدام عم شعبان لبعض المصطلحات الأجنبية أثناء حديثه عن صناعة الغربال وثقافته الواسعة التي يدركها من يتحدث إليه، يثير الدهشة، لكن دهشتك ستزول حين ينظر إليك مبتسماً ويقول: "أنا خريج كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وعملت مهندساً مدنياً في كبرى الشركات المعمارية"، وهو ما يجعل إعجابك بهذا الرجل يزيد وتدرك أن مهنة الغرابيل بالنسبة له عالمه الذي يحب أن يعيشه، وليس مجرد مهنة يقتات منها.
يرشف عم شعبان رشفة من الشاي الذي أصر أن نشربه معه، ويضيف "الحمد لله، أديت برسالتي مع أولادي على أكمل وجه، فلديّ ولد وبنت وكلاهما متزوج، الولد مرشد سياحي في لندن، والبنت معيدة بالجامعة".
الغرابيل والهندسة
نظرة الرضا على وجه عم شعبان يوضح لنا سببها بقوله: "كلما كان يضيق صدري من سأم الحياة، كنت أهرول مسرعاً لورشة أجدادي الصغيرة، فالغرابيل بالنسبة لي أصدقائي الأوفياء الذين يهونون عليّ مصاعب الحياة، لم تعطلني يوماً مهنة صناعة الغرابيل عن دراستي للهندسة، ولم أشعر يوماً بأي تعارض بين الهندسة وصناعة الغربال، فالاثنان يحتاجان لفن وحرفية وهدوء ذهني، فكثيراً ما كنت أشعر أنني أصنع الغربال بنفس القواعد الهندسية التي استخدمها في البناء المعماري".
المهنة تنقرض
عندما سألناه عن مستقبل المهنة، اكتسى وجه عم شعبان بنظرة أسى وهو يقول: "على رأي المثل "اللي مايشوفش من الغربال يبقى أعمى"، فأكثر ما يحزنني شعوري بأن المهنة تنقرض، فمع التقدم المذهل الذي أصبحنا نشهده حلت الماكينة محل كل شيء، وصناعة الغرابيل شأنها شأن أي صناعة يدوية، فكثيراً ما اسأل نفسي من سيواصل هذه المهنة بعد وفاتي".
نيسان ـ نشر في 2015/12/26 الساعة 00:00