هل هناك مبالغة في الروايات التشاؤمية حول الوضع المالي لليابان؟

نيسان ـ نشر في 2026/01/18 الساعة 00:00
ما هي أكبر المخاطر التي تهدد العالم؟ في عام 2010، كانت التهديدات المالية والرأسمالية هي الأبرز، على الأقل وفقاً لاستطلاع رأي سنوي للمشاركين في اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
ثم في عام 2020، تصدرت القضايا البيئية القائمة.
والآن، تهيمن المخاوف بشأن الحرب، بنوعيها العسكري والاقتصادي، استناداً إلى أحدث استطلاع رأي للمنتدى الاقتصادي العالمي، فيما تراجعت القضايا المالية إلى المرتبة 17. وهذا أمر لافت.
ومع ذلك، ومع انطلاق منتدى دافوس غداً، ينبغي على المستثمرين تذكر نقطة أساسية: غالباً ما يكون إجماع المنتدى الاقتصادي العالمي خاطئاً.
لدرجة أن بعض مديري صناديق التحوط يمزحون قائلين إن أذكى استراتيجية استثمارية هي فعل عكس ما يشير إليه خطاب منتدى دافوس.
فهل يمكن أن يكون عام 2026 هو العام الذي تنفجر فيه المخاطر المالية أخيراً؟ وهل ينبغي أن نهتم بأن الدين العالمي يتجاوز الآن 235% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو في ازدياد، في وقت تبدو فيه الأسواق هادئة؟
وهذا السؤال الأخير بالذات جدير بالتأمل في الولايات المتحدة، حيث تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 100%، ويضغط الرئيس دونالد ترامب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة بهدف تقليل تكاليف خدمة الدين. وينطبق الأمر نفسه على المملكة المتحدة، نظراً لضعف نموها وارتفاع ديونها.
من جانبي، أرى أن اليابان تستحق مزيداً من الاهتمام والنقاش، إذ تعرف بنسب دينها الصافية والإجمالية المرتفعة إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي تبلغ 130% و240% على التوالي.
وتعد اليابان حالياً وجهة جذابة لمستثمري الأسهم العالميين، نظراً لاستقرارها النسبي مقارنة بالولايات المتحدة، ولأن شركاتها تشكل ركيزة أساسية لسلاسل التوريد العالمية في قطاعات تتراوح بين الروبوتات والشحن.
والأفضل من ذلك، أن زعيمتها الجديدة (نسبياً) ساناي تاكايتشي وعدت بإصلاحات اقتصادية، وتحظى بتأييد واسع بنسبة 76%، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى أسلوبها المبتكر.
وفي الواقع، سجل سوق الأسهم الياباني الأسبوع الماضي مستويات قياسية، وسط أنباء عن نية تاكايتشي الدعوة إلى انتخابات مبكرة لترسيخ سلطتها، وهي خطوة قد تمهد الطريق لحزمة تحفيزية بقيمة 135 مليار دولار أمريكي، بالإضافة إلى المزيد من الإصلاحات.
وحتى الآن، يبدو الوضع مبشراً. لكن خلال الأيام الأخيرة، انخفض الين أيضاً إلى ما يقارب 160 يناً للدولار.
وهذا أمر مفاجئ تماماً. ويشير بيتر تاسكر، محلل الشؤون اليابانية في شركة أركوس، إلى أن «تعادل القوة الشرائية للين مقابل الدولار، وفقاً لكل من صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، هو عند حدود التسعين».
وبينما كان يعزى هذا الضعف سابقاً إلى سياسة سعر الفائدة الصفرية في اليابان، فقد بلغت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات هذا الأسبوع 2.16%، وهو مستوى أعلى بكثير من السنوات الأخيرة. لماذا؟
يعتقد روبن بروكس، كبير الاقتصاديين السابق في معهد التمويل الدولي، أن هذا ينذر بأزمة وشيكة.
يقول: «ينخفض الين لأن الأسواق تتطلع إلى ارتفاع أسعار الفائدة، التي لا تزال عند مستويات منخفضة بشكل مصطنع ولا تعوض المستثمرين بما يكفي عما يرونه مخاطر متزايدة للتخلف عن السداد».
ويضيف بروكس أنه بينما يسعى بنك اليابان إلى إنهاء التيسير الكمي، فإن ذلك سيرفع تكاليف خدمة الدين، و«يعرض اليابان لخطر الانزلاق إلى أزمة مالية». ويؤكد: «اليابان عالقة».
لكنّ آخرين، مثل بيتر تاسكر، يخالفونه الرأي. ويقول: «يبدو أن البعض يستمتع بالروايات التشاؤمية حول الوضع المالي الياباني»، مصراً على أن ارتفاع أسعار الفائدة «ليس إلا دليلاً آخر على أن اليابان تعود إلى وضعها الطبيعي».
وبشكل أكثر تحديداً، كما يشير ماثيو كلاين من موقع «أوفرشوت»، تشهد اليابان أخيراً نمواً وأسعاراً أعلى، بعد سنوات من الركود. وهذا يساهم بالفعل في تقليص العجز.
ومن العوامل التي قد تخفف من وطأة عبء الدين أن أكثر من 90% من سندات الحكومة اليابانية مملوكة محلياً.
ويعني هذا أنه في حال حدوث تخفيضات مستقبلية في قيمة السندات الحكومية اليابانية، قد يكون من الأسهل على السوق استيعابها مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة أو أوروبا، نظراً لتمسك اليابان بثقافة راسخة من التضحية المشتركة والواجب الوطني.
مع ذلك، فقد لا يحمي هذا الوضع اليابان إلى الأبد.
فكما يشير بنك اليابان في أحدث تقرير له عن الاستقرار المالي، «زاد المستثمرون الأجانب، بمن فيهم صناديق التحوط، حجم التداول في أسواق السندات الحكومية اليابانية بشكل ملحوظ».
بل إنهم، بشكل لافت، يمثلون ثلثي إجمالي التداول النقدي، على ما يبدو لأن صناديق التحوط تستغل ما يعرف بتداول الأساس في السندات الحكومية اليابانية، على غرار ما تفعله سندات الخزانة الأمريكية.
وعندما انعكست تداولات على سندات الخزانة الأمريكية فجأة عام 2020، انهارت أسواق السندات الأمريكية.
وقد يتكرر ذلك في اليابان، لا سيما مع بروز تداولات الين. باختصار: إذا اندلع ذعر مالي، فقد يتفاقم الوضع بسرعة. ومن المهم لا تفهموني خطأً: أنا لا أتوقع أن ترتكب تاكايتشي خطأً فادحاً؛ ولا أتوقع حدوث أزمة فورية في سندات الخزانة الأمريكية أو السندات الحكومية.
لكن النقطة الأساسية هي: ما يحدث في اليابان يعكس مفارقة، وهي أن الدين يستمر في النمو بثبات، لكن يبدو أن معظم المستثمرين على استعداد لمنح الحكومات فرصة ثانية، بغض النظر عن أننا لا نملك أي فكرة عن كيفية حل هذه المشكلة. ويبدو أن هذا التراخي سيستمر على الأرجح في عام 2026.
ومع ذلك، فإن خطر حدوث اللحظة التي يتراجع فيها المستثمرون فجأة ويصابون بالذعر لا يمكن إزالته بالصمت وحده.
ولنتذكر: في عام 2018 لم يكن رواد دافوس مهتمين إطلاقاً بالحديث عن مخاطر الأوبئة إلى أن صدموا بتفشي «كوفيد - 19» لاحقاً، وتساءلوا عن سبب تجاهلهم لما كان واضحاً للعيان.
فلنأمل ألّا يتكرر هذا السيناريو في عالم المال؛ فالصمت يمكن أن يكون أخطر من الضجيج.
    نيسان ـ نشر في 2026/01/18 الساعة 00:00