حياة.. في منتصف العيش!

رشاد ابو داود
نيسان ـ نشر في 2026/01/20 الساعة 00:00
الشوارع تتألم أيضًا. تسمع أنينها صباحًا ومساءً. ليس بسبب الثقوب في ثوبها الأسود، ولا في اعوجاج عمودها الفقري وانحناءات جسدها الهزيل، أو تكرشها في مناطق مخفية يسمونها مطبات، بل مصدر الأنين حيث الألم أشد وظروف الحياة أقسى، والسرعة للوصول إلى أي شيء صارت ضرورة قصوى.
تكاد تختفي «صباح الخير» بين زملاء العمل في المكان الواحد بعد أن انقرضت بين جيران الطابق الواحد. حلت محلها الشكوى من فواتير الكهرباء والماء، ومن إيجار البيت وقسط طفل الروضة وابن المدرسة وطالبة الجامعة، ويا لحرارة الشكوى إن كانت جامعة خاصة.
أما الشكوى من ارتفاع أسعار مستلزمات البيت، فحدث ولا..تحترق.
كنا نعرف أن هناك أزمة واحدة هي أزمة الشرق الأوسط، وحتى هذه فإن تسميتها جائرة فهي أساسًا صراع مع عدو احتل أرض فلسطين وأقام عليها كيانًا أسماه إسرائيل. الآن أصبح مصطلح أزمة يطلق على ما هو في الحقيقة استغلال أو فساد أو سوء إدارة. فمن غير المعقول أن نقول: أزمة الدجاج أو أزمة الأسمنت أو أزمة الخيار والبندورة والبنزين والبورصة، الخ الخ..الذي لا آخر له!
الشكوى غير التذمر، التذمر غير الغضب، والغضب يعطل العقل عن التفكير والتدبير. لكن هذا لا يعني أن تطلب من بائع الفلافل أن يقليه بالماء ولا من سائق التكسي أن يختصر الأجرة فيطالبك أن تختصر المسافة وينزلك في منتصف الطريق.
الاقتصاد في النفقة نصف العيش..لكن نصف العيش ليس حياة. فأين وصلنا؟ في منتصف الطريق أم في منتصف العيش؟
يؤلمك أن يتزايد عدد الأطفال المتسولين في الشوارع، وأمهات متسولات يحملن أطفالهن في عز البرد ليلًا أمام المحلات التي فقدت نصف زبائنها، والزبائن الذين فقدوا رواتبهم قبل أقل من منتصف الشهر. وليت الألم حنون فيخدش دون أن يجرح الروح ويمس الكرامة.
ثمة ألم يوجعك في بيتك، وألم يوجعك في عروبتك، وألم يوجعك في إنسانيتك. فأنت كعربي في حالة حرب عليك ومنك وفيك. تهون عليك مشاكلك حين ترى أهل غزة يموتون جوعًا يستعينون بأكل نبات الصبر للصبر على ما آلت إليه حياتهم، لم يبق عشب على حواف الطرق لم يأكلوه ولا ماءً في الحفر إلا شربوه ولا صوتًا في حناجر عطشى إلا وأطلقوه.. أغيثونا، أنقذونا من الموت جوعًا وقتلًا وقهرًا.
تبًا لهذا الزمن. أيعقل أن يذهب العربي إلى حتفه بقدميه الحافيتين عبر طريق مهدها أعداؤه؟»
«إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل»، لا من يسمع ولا من يتعظ. الكل يريد أن يكون بطلًا فيما الكل مهزوم.
الهزيمة تراها في وجه طفل يدق على زجاج سيارتك، تنظر فترى عالمًا يبكي في داخلك. وجه كان كالبدر يجلس في المدرسة يتعلم وفي المساء يبيع الورد. طفلة متشحة بسواد الفقر تبيع العلكة للمارين، وأب كان سيدًا في دكانه أصبح يستجدي العمل كأجير.
ليست نظرة سوداوية، بل واقعية. والواقع العربي يقول أن ثمة عدوًا ينفذ ما قاله بن غوريون قبل عشرات السنين «لن تشعر إسرائيل بالأمان ما لم تفتت الدول العربية المحيطة بها إلى كيانات طائفية وعرقية». ها هو نتنياهو ينفذ المخطط. يساعده من أوجد إسرائيل، بريطانيا التي لم تعد عظمى، بسياسة فرق تسد. وقد أوكلت المهمة إلى رئيس الصفقات في واشنطن!
حمى الله الأردن وأقطار الوطن العربي كافة، نعم «الوطن» وليس الإقليم ولا الشرق الأوسط!
    نيسان ـ نشر في 2026/01/20 الساعة 00:00