المجلس باقٍ والتحديث مستمر

د. محمد أبو رمان
نيسان ـ نشر في 2026/01/21 الساعة 00:00
يمثّل لقاء جلالة الملك، أول من أمس، مع المكتب الدائم لمجلس النواب، بحد ذاته رسالة مهمة تؤكد أن مجلس النواب مستمر حتى نهاية مدته الدستورية، وأن مشروع التحديث قائم ويشكّل خياراً استراتيجياً للدولة، لتطوير الحياة الحزبية والسياسية، وإدماج النساء وجيل الشباب في العملية السياسية وفي مراكز صنع القرار، بما يخدم، في نهاية المطاف، تعزيز العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتنمية مفاهيم الشراكة والمشاركة السياسية وتحمل المسؤولية.
من الواضح أن هذه الرسالة قد وصلت إلى العديد من الأصوات التي جنحت، خلال الشهور الماضية، إلى المبالغة في التخويف والتهويل من تبعات قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلّق بجماعة الإخوان المسلمين في أكثر من دولة، بما فيها الأردن، بل وتوسيع مساحة تأثير القرار الأميركي (المتوقّع حينها) ليشمل حلّ مجلس النواب ومراجعة مشروع التحديث، وغيرها من السيناريوهات التي لم تكن مبنية على قراءة عميقة أو دقيقة لحسابات السياسة العقلانية والواقعية التي يمتاز بها مطبخ القرار في عمّان.
ربما عكست العديد من الآراء في تلك المرحلة أماني ورغبات شخصية أكثر مما مثّلت بالفعل قراءة واعية ومتزنة للمصلحة الوطنية الأردنية. ومن الواضح أن حجم القرار الصادر حتى الآن لا يتجاوز الحدود الدنيا المتعلقة بحالة الإخوان المسلمين (الجماعة المنحلة في الأردن) أو حزب جبهة العمل الإسلامي، الذي يمثل حزب المعارضة الرئيسي في البلاد، وقد عكس ذلك تصريح وزير الاتصال الحكومي غداة القرار بأنّ الأردن قد تجاوز هذه المرحلة قبل ذلك، عبر حظر جماعة الإخوان المسلمين قانونياً، ولن تكون هناك ملاحق إضافية أو قوائم تشمل مؤسسات أو شخصيات، على الأقل في المرحلة القريبة المقبلة، متصلة بالقرار الأميركي، رغم حجم اللوبيات التي تعمل على توسيع مساحة تطبيقه والمؤسسات والجمعيات التي قد يشملها.
فوق هذا وذاك، وهي المسألة الأهم، ليس من الحكمة ولا من المنطق ربط مصير التحديث السياسي وأهداف تطوير الحياة السياسية والحزبية والتجربة البرلمانية بحدث عالمي أو إقليمي هنا أو هناك، أو بمصير حزب سياسي بعينه. فمن الضروري وجود فصل واضح بين هذين الأمرين، من جهة، وأن يتطوّر إدراك لدى النخبة السياسية الأردنية بأن مشروع التحديث السياسي هو مشروع ملكي بامتياز، يحظى بقناعة راسخة لدى الملك، وليس مرتبطاً بظرف آني أو مؤقت، بل بتصور استراتيجي واضح، تجلّى بشكل كبير في الأوراق النقاشية الملكية التي نُشرت في أعوام سبقت إطلاق مشروع التحديث السياسي، وما تبعه من تغييرات في القوانين الناظمة للحياة السياسية.
لماذا يُعدّ مشروع التحديث السياسي مهماً على نحو استراتيجي؟ لأنه يمثل المسار الرئيس لتطوير الحياة السياسية، ونقلها من الإطار الفردي وقصير المدى، والسياسات غير المستقرة، إلى إطار جماعي وحزبي ومنظم، يسهم في تطوير البرامج والسياسات الحكومية، وتصعيد نخب سياسية جديدة، وبناء تقاليد سياسية تعزّز تداول السلطة بين الحكومات المتعاقبة، وتُشرك المجتمع في مسؤولية القرار وتحمل نتائجه، والابتعاد عن حالة الشكوى الدائمة، سواء تلك المرتبطة بتوريث المناصب أو الفجوة بين الحكومات والشارع.
الأردن مختلف في سياقاته وظروفه وتكوينه الداخلي وتجربته التاريخية وطبيعة القيادة، والعلاقة بينها وبين الشارع، عن غالبية الدول العربية. وسرّ نجاح التجربة وتفوّقها يكمن في القدرة على استشراف المستقبل، والتعامل بكفاءة ومرونة مع التحديات الاستراتيجية، داخلياً وخارجياً. واليوم، أصبح تعزيز الانتقال السياسي نحو التعددية الحزبية، والحكومات البرلمانية الحزبية، وتوسيع نطاق المشاركة السياسية، خياراً استراتيجياً نابعاً من قناعة راسخة لدى القيادة. وإذا كانت هناك تحديات خارجية كبيرة ومصادر متعددة لعدم الاستقرار الإقليمي، فإن مواجهتها لا تكون بالنكوص السياسي، بل بتعزيز مسار التحديث، وتقوية المنعة الداخلية، وترتيب البيت الداخلي، وليس العكس.
    نيسان ـ نشر في 2026/01/21 الساعة 00:00