رقصة الخذلان ..الناخب المهزوم ينتخب نائبا مرتجفا

نيسان ـ نشر في 2026/01/21 الساعة 00:00
ابراهيم قبيلات
في كل دورة انتخابية، يتكرر المشهد ذاته: وعود تتلألأ على المنصات، ثم تتحول إلى سراب داخل أروقة السلطة.
هذه العلاقة المحطمة لم تعد مجرد أزمة تمثيل، بل هي انهيار للعقد الاجتماعي نفسه، ينتج عنه شخصيتان محوريتان في المأساة: النائب المرتجف، الذي باع ثقة الناس على مذبح النفعية، والناخب المهزوم، الذي خلق نائبا انتهازيا مرتجفا ثم لا يريد الاعتراف بخطيئته الشنيعة.
لم يأت ارتعاش النائب من فراغ. إنه نتاج طبيعي لبيئة سياسية تختزل الديمقراطية في صفقة تجارية قصيرة الأجل اسها الانتخابات البرلمانية.
النائب يدخل البرلمان وفي جعبته مجموعة من الديون: ديون لناخبيه يظنونها وعودا ملزمة، وديون لكتلته التي تفرض عليه انضباطا أعمى، وديون لنظام محاصصة قديم يكافئ الامتثال ويُعاقب الاستقلال. وهكذا، يستبدل البوصلة الأخلاقية ببوصلة المصلحة، ويستبدل صوت الضمير بهمسات المزايدات.
دور النائب التشريعي والرقابي يذوب أمام الدور الخدماتي، فيتحول من مشرع إلى "مدافع" أو "سمسار" للسلطة التنفيذية امام ناخبيه، مقتنعا أن هذا هو الطريق الوحيد لإعادة انتخابه او تدويره في كراسي المسؤولية.
أما الناخب المهزوم، فهو ليس ضحية ساذجة، بل شريك – رغم أنفه – في تعميق هذه الدائرة. لقد تم اختطاف إرادته السياسية واستبدالها بمنطق الزبونية، وتحول التصويت من فعل وطني لاختيار مستقبل الناس، إلى استثمار شخصي ينتظر عائده المباشر.
هذه الهزيمة النفسية العميقة تولد سخطا عاما وشعورا بالعجز، يغذيان مزيدا من العزوف أو الاختيارات الانتقامية غير العقلانية، مما يغلق الحلقة المفرغة.
الأخطر في هذه العلاقة هو انهيار اللغة المشتركة. لم يعد الحوار بين الطرفين حول "السياسة" بمعناها النبيل (إدارة الشأن العام)، بل تحول إلى لغة السوق: عرض وطلب، دين ووفاء. الناخب يطالب بـ"حقه"، والنائب يتحدث عن "الضغوط" و"الممكن".
لقد فقدا معا القدرة على الحديث عن العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والمصلحة الوطنية العليا – تلك المفاهيم التي تتطلب صبرا وتضحيات ولا تختزل في صفقة.
الخروج من هذا النفق المظلم لا يكون بإصلاحات تلميعية، بل يتطلب جراحة عميقة في بنية النظام السياسي نفسه. ربما الحل يكمن في الانتقال من ديمقراطية الأفراد إلى ديمقراطية البرامج والأحزاب الحقيقية، حيث يحتمي النائب ببرنامج جماعي واضح يحاسبه عليه الناخب، بدلا من أن يترك وحيدا في مواجهة نار المطالب الفردية. أو ربما يكون بإعادة تعريف "الخدمة" نفسها، لتصبح بناء مؤسسات عادلة تخدم الجميع، بدلا من محاباة الأفراد.
المهم أن نعترف أولا بأننا أمام علاقة مريضة، وأن علاجها يحتاج إلى أكثر من مجرد تغيير الوجوه؛ فهو يحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة بأكملها.
    نيسان ـ نشر في 2026/01/21 الساعة 00:00