نساء الشعر في مطر سري

نيسان ـ نشر في 2026/01/24 الساعة 00:00
نص على نص
زياد صالح الزعبي
نساء الشعر نساء رؤى حلمية أو خيالية، أو نساء أسطوريات، لا وجود لهن في عالم اللحم والدم، نساء الشعر أمنيات مستحيلات، لا وجود لهن في البيوت المعلنة أو السرية. إنهن من صنع خيالاتنا، من صنع خيالات الشعراء، فهن لا يسرن على قدمين، ولا يملكن اليدين اللتين تحضنان النار، أو اللهفة المستعرة. إنهن أشبه بنساء رينوار مصنعات بفعل الرسم.
تتأمل المطر السري لزهير أبو شايب فترى في النصوص رجلا مفردا غائبا في القصيدة عن حضور امرأة تدخل عليه من باب مكتبه الصغير « لو فجأة/ وأنا أفكر فيك/أثناء الكتابة/ تدخل امرأة بكامل وردها/ من باب مكتبي الصغير/ ولا أحس بها/ لشدة ما سكرت وغبت/ في هذي القصيدة». هنا مثل الانشغال بالنص ثملا خالصا لا تحتاج معه إلى حضور امرأة، لأن التفكير المحض بأخرى يمنعك من ذلك. هذه صورة تستدعي صورة مجنون ليلى، تمسك عمود خيمته وتناديه ولا من مجيب، وتغضب منه. في اليوم التالي تلقاه في المرعى، وتصرخ: لقد بح صوتي وأنا أناديك. يقول لها دون تردد، وربما دون خجل: لقد كنت مشغولا بك عنك. جملة العاقل هذه مبدأ في حب الحب، وتغييب المحبوب.
هذا الشغل، أو الانشغال يظهر أن امرأة الشعر لا علاقة لها بامرأة تدخل فجأة، أو بامرأة يبح صوتها، ولا من مجيب، لأن المرأة الموجودة في الرأس، رأس الشاعر المعمور بالخيال، أو رأس العاشق المثقل بالوهم، أهم من امرأة على باب الخيمة، أو على باب المكتب الصغير.
«ينتهي جسدي كله في الجحيم/ وأنت السبب»، نعم شرط أن تكوني غائبة، وأن أكون مسكونا بهاجس غيابك أو بجحيمه. إن حضرت سأخرج من الجحيم، قد ابترد، وأصير كتلة من جليد، فاحرصي على غيابك الناري، «ودعيني هنا، حيث لا أنت، حيث غيابك يحرس غيبوبتي»، كما يقول زهير أبو شايب.
قف هنا طويلا، وتأمل الغياب الذي يحرس الغيبوبة، لترى أن المطر الذي تريده لا يقع على الأرض، ولا يبلها، إنه يظل سريا. يظل حلما وخيولا مقطرة، وقوارير مملوءة باللهب، لهب القوارير المنتظرة.
هنا تتسامى المرأة الطينية، وتغادر واقعها، أو طينها، لتكون فكرة بيضاء منزهة عن « الحمأ المسنون»، والطين الملوث. هل لنا أن نتخيل امرأة « يحفظ الفراش اسمها»، بعيدا عن المجاز الذي يركبه الخيال ويرتبه، نعم ثمة فراش يحفظ اسم تلك المرأة التي لا وجود لها إلا في خيال الشاعر، أو في «مطر سري»، امرأة لا وجود ترابيا لها، بل هي امرأة يصنعها الخيال، وبالفعل المجازي نفسه يمكن للفراش أن يحفظ اسمها.
«هل كان الغياب مكاننا المفتوح كالماضي/ على النسيان» لندرك أن الغياب مكان، ولكنه ماض منسي، ما يبقى منه هو آثاره، أو على حد تعبير درويش « أثر الفراشة»، أو على حد تعبير علي محمود طه « أقبلي الان من شواطئ أحلامي».
«حلمت أنك تنزلين/ وأنت عارية تماما/ في مياه الحلم» نعم هي كذلك حلم في حلم، مثل نساء الشعراء العذريين الذي يخلقون المرأة بالخيال، واللغة، والصور الحلمية المتمناة، المرأة التي لا تحضر إلا في الحلم، وتغتسل بمياه الحلم التي يسكبها عليها العشاق. إنها صورة تمزج ما تظنه واقعا بالحلم؛ لتبصر الشاعر العاشق مبللا بالحلم. «
«ليلي بلا نبيذك/ متى فمك المتشهى/ بانتظار يدين/ أنت أعلى بلحا/ فرشت عباءتها الحرير/ احمل ناري بيدي..». هذه نصوص حسية شهوانية متخيلة ترسم في صور على الرغم من حسيتها، فإنها تبدو في صور نورانية مخلقة من مجاز لغوي حميم. هذا نمط من التشهي الذي لا يشبعه سوى الخيال الجامح، الخيال الذي يجعلك تدرك المتعة المعراة من موضوعها؛ لأن الموضوع الحسي قد يكون سببا في طيران المتعة المتخيلة. فنحن نوغل في خيالاتنا أكثر من وقوعنا في أرض الواقع الطيني. ألا يعود هذا إلى مقولة بروست: «الحب يتولد غالباً عن السرّ، والسعادة التي تقترن بالحب لا تكمن في الواقع نفسه، بل في خيالنا نحن». السر كامن في الغياب وفي الحلم، إن انكشف سقط. فهل نؤمن بأن «الحب للحب لا نبغي به غرضا» آخر.
إن كل النصوص المبدعة نابعة من حالة الغياب، من السر المخبوء الذي تكمن فيه سعادتنا المتوهمة، فالشوق يزول بالوصال؛ «لأنه سفر القلب إلى المحبوب، فإذا وصل انتهى السفر». ولأننا لا نصل، يظل حلمنا حيا فعالا يمتعنا بالمجاز، وبالصور المدهشة. أما الصور الاثنينية المنجزة فسر بين اثنين، لا وجود لها إلا في الغياب. ونحن هنا ننشغل بالنصوص والطروس، لا بالشخوص الذين اشتغلت بهم إيزابيل اليندي في دقائقها الطائرة. لكن اريك فروم في المقابل رأى المسألة في إطار إنساني محكوم بعلم النفس، وبالتكوين العميق للبشر، ورأى إلى الموضوع بوصفه مشكلة تتعلق بالوجود الإنساني.
ثمة دقائق، أو أوقات تمضي وتنسى، وثمة نصوص تبقى في ديوان شعري يحفظ الماضي المتحقق المحفوظ في الرؤوس التي تمضي، ويبقى الورق، وتبقى الحروف، ويبقى « مطر سري» يحيلنا إلى غياب يحفظ الغيبوبة، بلغة زهير أبو شايب.
    نيسان ـ نشر في 2026/01/24 الساعة 00:00