ميغا غزة… المشروع العقاري والأنقاض البشرية

سامح المحاريق
نيسان ـ نشر في 2026/01/24 الساعة 00:00
بقي الفقر يمثل أحد المشكلات الرئيسية في قطاع غزة محدود الموارد، والمزدحم سكانيا، وبعد سنوات من الحصار الخانق وتحويل القطاع إلى برميل من البارود يتكدس فيه الظلم والغضب، أتت أحداث السابع من أكتوبر لتفجره في وجه العالم بأكمله، وبعد أن كان سوء التغذية يتمدد بجانب أهالي غزة، أصبحت المجاعة شبحا يخيم على القطاع، ويغتذي على أطفاله ونسائه، وبعد بيوت توؤي مئات آلاف الأسر البسيطة وحياتهم اليومية المتواضعة، تفتح الخيام حياتهم لتصبح بثا حيا ومباشرا يستعرض ضعفهم وقلة حيلتهم أمام البرد والمطر، يتفرج العالم عليهم بسلبية وعدم اكتراث، ويتحولون إلى الكتلة التي يتحدث عنها العالم بضمير الغائب، من غير أن يستمع أحدٌ لما يقولونه، أو ما يريدون أن يقولوه.
على هامش مؤتمر دافوس 2026 الذي يجمع نخبة العالم من قادة الدول، وأثرى رجال الأعمال وأكثرهم نفوذا، يقدم الأمريكيون عرضا لمستقبل غزة، كما يتصورنه، وتظهر في الشرائح الملونة عشرات البنايات الشاهقة المصممة على أحدث الطرز، ومجمعات سكنية مترفة، وبوصفه رجل عقارات، يؤكد الرئيس ترامب أن الموقع هو أهم شيء في مشروعه، الذي يراه مدخلا لإعادة إعمار القطاع الذي دمره العدوان الإسرائيلي بشكل شبه كامل.
يفترض أن تمتلك غزة التي يضعها ترامب أمام العالم ما لا يتوفر من الإمكانيات والمرافق لعواصم عربية، أو حتى أوروبية ثرية، فهي تظهر في المشروع كمدينة قادمة من المستقبل، ويبقى التساؤل الذي لم يتفضل أحد بالإجابة عنه، هل سيقدم ذلك كله للغزيين، وكيف يفترض أن تضم الشقق الفارهة في ناطحات السحاب أهل غزة، الذين وصلت نسبة الفقر بينهم إلى 53% والبطالة إلى 45%، وذلك كله قبل بداية الحرب في خريف 2023، وتفشت لتلتهم تقريبا جميع سكان القطاع حاليا. وكيف سيتمكن الغزيون من توفير ما يلزم لإدامة حياتهم في مدينة المستقبل الفارهة، في ظل مواردهم المحدودة، وتكدسهم السكاني الكبير في مساحة صغيرة من الأرض، تمكنت إسرائيل من الحصول على أجزاء واسعة منها تحت ذرائع أمنية، وقسمت أهلها فعليا بين من يمكن أن يندمجوا في مناطقها، ومن سيبقون في المناطق الأخرى، التي تظهر بوصفها سجونا يمكن أن تحظى ببعض الجمالية التي تتسق مع تصورهم لمدينة المستقبل؟ ما يمكن استنتاجه أن هذه المدينة ليست مصممة لأهالي غزة، ومن يقومون عليها ليسوا ملائكة يرون أنه من العادل تعويض من تبقى من أهالي المدينة عن الحرب الوحشية التي تعرضوا لها، بالسكن في مدينة عصرية تبدو أمامها مدن مثل برشلونة ومارسيليا وأثينا مجرد ظلال باهتة، وذلك يعني أن التهجير ما زال مشروعا قائما، فغزة القادمة هي للأثرياء والمتنفذين، ولمهاجرين جدد قادمين يريدون الاستفادة من وضعيتها العالمية المفتوحة، ومن قوانين ستصمم خصيصا من قبل الأمريكيين. ليس تهجيرا كاملا وشاملا، فالمدينة ضمن هذا التصور ستحتاج إلى من يقوم بالخدمات، من عامل النظافة والنادل، إلى غيرهم من أصحاب الوظائف البسيطة، وستكون هذه الفئة من نواتج البرمجة الاجتماعية التي تضعها إسرائيل، وستخضع بشكل متواصل لرقابتها، والمتوقع أن يتم التخلص من المرتبطين بحركة حماس في صفقة، أو مجموعة صفقات مختلفة ليخرجوا من غزة إلى محطات تستقبلهم في دول أخرى، وبعد ذلك الطبقة الوسطى التي يمكن أن تؤمن لنفسها خروجا من معبر رفح، وإقامة انتقالية في القاهرة لينطلقوا منها إلى محطات مختلفة حول العالم.
الكلام الكثير عن غزة وبناياتها الشاهقة على مياه المتوسط وعالمها الحديث لا يقابله سوى القليل من الاهتمام بواقع المعيشة لأهلها ومعاناتهم من غير تقديم إجابات واضحة
يعلن رئيس مجلس غزة المعين علي شعث، أن معبر رفح سيفتح أبوابه في الاتجاهين خلال أيام، ومن جانبها تؤكد إسرائيل أن العودة للقطاع ستكون متاحةً للحالات الإنسانية وبعد تفتيش دقيق، وبالتزامن مع ذلك، تطلق الداخلية المصرية حملات موسعة، للرقابة على إقامات اللاجئين وتسوية أوضاعهم، بما يعني أنها مقاربة جديدة لتضمن أن القادمين الجدد من القطاع سيمكثون بصورة رسمية وتحت الرقابة، أو سيبحثون مع الوقت عن الانتقال إلى محطات أخرى، ليصبح التهجير التدريجي واقعا مع الوقت، وخلال أشهر سيخرج من غزة من يستطيعون توفير حياة انتقالية، أو طويلة الأمد في مصر، ويتبقى قليلو الحيلة من غير أصحاب الموارد المالية، ومن ليست لهم صلة قرابة مع أشخاص يمكنهم تمويل تنقلهم وإقامتهم محطات مختلفة حول العالم. هذه الفئات ستكون موضوع الهندسة الاجتماعية الجديدة، وستبدأ غزة في استقبال الإحلال السكاني المستهدف في المشروعات العقارية الكبرى، التي يتصورها المشروع الجديد، ولكن ما يجب الانتباه له هو منهج الرئيس الأمريكي نفسه الذي يقدم سقفا مرتفعا عند طرحه أي موضوع أو مطالبته بأي شيء، فمن الاستحواذ إلى غرينلاند إلى وضعية سيطرة عملية، بقي الرئيس ترامب يناور ويراوح مع الأوروبيين، ومن تعرفة جمركية مرتفعة، ينطلق بازار تفاوضي يعيدها إلى حدود معقولة نسبيا، وبالتالي، فالميجا غزة التي يقدمها في مشروعه أمام منتدى دافوس، يتوقع أن تكون شيئا أصغر وأقل بكثير، وأن تمثل استحواذا أمريكيا على المناطق الأفضل في غزة لوضعها في منطقة حرة عالمية مفتوحة، والإبقاء على واقع تباين كبير يحشر من تبقى من الفلسطينيين في مجمعات سكنية على الأنماط التي تبنى لاستيعاب الفقرا،ء وسكان العشوائيات في دول عديدة من العالم.
الحصول على الأراضي المحاذية لشاطئ غزة سيغطي شيئا من التكلفة، وسيوفر مزيدا من الامتداد لإسرائيل على البحر المتوسط، خاصة أن الهجرة اليهودية حرصت منذ البداية على الوجود على الساحل لا في الداخل، على الرغم من الادعاءات التوراتية الكثيرة المتعلقة بمواقع أخرى داخلية، تركت لتصبح على الأقل نظريا من حصة الفلسطينيين. الموقع هو أكذوبة أخرى، أو حقيقة ناقصة لا تجيب عن كل شيء، فالمواقع على المتوسط كثيرة، ودول مختلفة تعرض تنمية مدن جديدة في مواقع ساحلية متميزة، وفي ظروف أفضل نسبيا من ناحية التكامل مع البنية التحتية، لذلك يبقى الناقص في الصورة هو وجود هامش واسع لدى الأمريكيين مع سعيهم لاستقطاب شرعية ما من خلال مجلس السلام الجديد الذي ينطلق في المؤتمر نفسه، وهو ما سيتيح للأمريكيين أن يضعوا واقعا قانونيا وتنظيميا خاصا، يكون محركا أساسيا لوضع المدينة كفرصة استثمارية بعد استكمال شيء من الشكل العقاري الطموح الذي طرحه المؤتمر.
هذه الحالة ستكون محصلة لموجات تهجير أو (تطفيش) منظمة، وعمليات فلترة وهندسة اجتماعية متلاحقة، ومن الصعب تصور أن ما سيتوفر فيها من مقاعد محدودة، لمن نراهم اليوم وعلى مدار الساعة من الأهالي في الخيام المفتوحة للبرد والمطر. والكلام الكثير عن غزة وبناياتها الشاهقة على مياه المتوسط وعالمها الحديث لا يقابله سوى القليل من الاهتمام بواقع المعيشة لأهلها وسكانها الذين تتواصل معاناتهم من غير تقديم إجابات واضحة حول مصيرهم في المدى المنظور أو البعيد.
    نيسان ـ نشر في 2026/01/24 الساعة 00:00