خارطة ملكية لجيش المستقبل.. عملياتياً وسيبرانياً
نيسان ـ نشر في 2026/01/25 الساعة 00:00
تفرض التحولات المتسارعة في طبيعة الصراع الإقليمي والدولي إعادة تعريفٍ مستمرة لمعنى القوة العسكرية، بحيث بات التفوق اليوم مرتبطًا بمرونة المؤسسة القتالية وقدرتها على التكيّف السريع بقدر ارتباطه بامتلاك السلاح والعتاد. فبيئة الحرب الحديثة أكثر تعقيدًا وتشابكًا؛ تتداخل فيها الحروب الهجينة والتهديدات غير التقليدية، ويتقدّم فيها «زمن القرار» على حجم القوة نفسها، بما يجعل الجاهزية الحقيقية رهينةً بقدرة الجيوش على حماية مراكز ثقلها، وضمان استمرارية القيادة والسيطرة والاتصالات، وتجاوز الصدمة التشغيلية قبل أن تتحول إلى خسارة استراتيجية.
في هذا السياق، يكتسب توجيه جلالة الملك عبد? الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإعداد استراتيجية وخارطة طريق لتحقيق تحوّل بنيوي في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي خلال السنوات الثلاث القادمة، في رسالة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، أهمية تتجاوز طابعه الإجرائي المباشر. فهو لا يضع جدولًا للتحديث فحسب، بل يؤسس لتحوّل مؤسسي يعيد ترتيب عناصر القوة ذاتها، ويُرسّخ نموذجًا لجيشٍ أكثر قدرة على العمل ضمن بيئات عمليات متغيرة، حيث لم يعد معيار التفوق هو امتلاك العتاد وحده، بل امتلاك القدرة على تشغيله ضمن منظومة متماسكة تحفظ المبادرة وتمنع الانكشاف.
هذا المسار يمكن قراءته باعتباره انتقالًا حاسمًا من مقاربة «التطوير التدريجي» إلى مقاربة «إعادة التشكيل» بما تعنيه من مراجعة عميقة لبنية القوات المسلحة وعقيدتها وأساليب تدريبها وتسليحها، وصولًا إلى تثبيت منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات الآمنة كعمود فقري لأي ردع حديث. فالقوة في الحروب المعاصرة تُقاس بمدى صلابة المنظومة تحت الضغط، وبقدرتها على الحفاظ على القرار والاتصال وتدفق المعلومات والتنسيق والتكيّف لحظة بلحظة؛ لأن الانقطاع هنا لا يعني تعطّل خدمة، بل يعني تعطّل قدرة قتالية.
يبرز التوجيه الملكي - وفي قلب هذا التحول البنيوي- بوضع «مجال العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية» ضمن الأولويات التي يمكن الاستثمار فيها وبناء القدرات لتحقيق التنافسية، بوصفه أكثر من مجرد تحديث تقني أو استجابة ظرفية لموجات الهجمات الرقمية. فإدراج السيبراني في صلب الرؤية القتالية يعني أن المعركة لم تعد تُدار فقط عند خطوط التماس، بل داخل بنية الدولة نفسها: في الشبكات والاتصالات والبيانات، وأنظمة القيادة والسيطرة، وسلاسل الإمداد، والوعي المعلوماتي الذي يسبق القرار العسكري ويحدد مساره. وفي زمن الحروب الهجينة، يصبح استهداف هذه الطبقات قادرًا على إحداث أثر عملياتي يعادل الضربة الميدانية وربما يسبقها، لأن تعطيل الاتصال أو التشويش على منظومة القيادة أو اختراق تدفق المعلومات لا يُربك وحدة واحدة فحسب، بل يُربك «منطق المعركة» بأكمله ويقوّض القدرة على المبادرة.
من منظور الردع الاستراتيجي، لا تُقرأ العمليات السيبرانية بوصفها دفاعًا لحماية الشبكات فقط، بل كرافعة سيادية ترفع كلفة الاستهداف على الخصوم وتمنع تحول الهجوم الرقمي إلى أداة ابتزاز أو تعطيل للقرار الوطني. فالخصم الذي يدرك أن استهداف الأردن سيقابله ثمن مضاد في المجال الرقمي سواء عبر الإحباط الاستباقي للهجوم، أو عبر الاستجابة السريعة التي تُبطل مفاعيله، أو عبر قدرة هجومية محسوبة تُنتج أثرًا معاكسًا سيتعامل مع الساحة الأردنية بوصفها ساحة عالية الكلفة، لا ساحة رخوة يمكن اختبارها. وهنا تتجلى «التنافسية» التي ألمحت إليها الرسالة الملكية: تنافسية لا تقوم على العدد أو الاستعراض، بل على امتلاك قدرة تشغيلية متماسكة تُحسن كشف التهديدات، واحتواء الاختراق، واستعادة السيطرة، وتحويل المجال السيبراني إلى أحد مصادر التفوق النوعي بأقل كلفة مقارنة بسباقات التسلح التقليدية.
في المحصلة، يُرجّح أن السنوات الثلاث المقبلة ستشكّل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة القوات المسلحة الأردنية على الانتقال من منطق التحديث المتدرّج إلى منطق التحول البنيوي الشامل، بما يعنيه ذلك من إعادة تشكيل العقيدة والهيكلة وأنماط التشغيل، وتثبيت منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات الآمنة كعمود فقري للجاهزية، وتطوير قدرة سيبرانية عملياتية قادرة على الردع والاحتواء وصناعة الكلفة المضادة. وفي بيئة إقليمية تتزايد فيها هشاشة التوازنات وتتوسع فيها أدوات الاستنزاف غير المرئي، فإن نجاح هذا التحول لن يُقاس فقط بما يُضاف من معدات أو قدرات، بل بقدرة المؤسسة العسكرية على امتلاك المبادرة وحماية مراكز الثقل والاستمرار بكفاءة تحت الضغط، بما يضمن للأردن ردعًا أكثر صلابة ومناعة أعلى وقدرة تنافسية تتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة وتعقيداتها الهجينة.
في هذا السياق، يكتسب توجيه جلالة الملك عبد? الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإعداد استراتيجية وخارطة طريق لتحقيق تحوّل بنيوي في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي خلال السنوات الثلاث القادمة، في رسالة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، أهمية تتجاوز طابعه الإجرائي المباشر. فهو لا يضع جدولًا للتحديث فحسب، بل يؤسس لتحوّل مؤسسي يعيد ترتيب عناصر القوة ذاتها، ويُرسّخ نموذجًا لجيشٍ أكثر قدرة على العمل ضمن بيئات عمليات متغيرة، حيث لم يعد معيار التفوق هو امتلاك العتاد وحده، بل امتلاك القدرة على تشغيله ضمن منظومة متماسكة تحفظ المبادرة وتمنع الانكشاف.
هذا المسار يمكن قراءته باعتباره انتقالًا حاسمًا من مقاربة «التطوير التدريجي» إلى مقاربة «إعادة التشكيل» بما تعنيه من مراجعة عميقة لبنية القوات المسلحة وعقيدتها وأساليب تدريبها وتسليحها، وصولًا إلى تثبيت منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات الآمنة كعمود فقري لأي ردع حديث. فالقوة في الحروب المعاصرة تُقاس بمدى صلابة المنظومة تحت الضغط، وبقدرتها على الحفاظ على القرار والاتصال وتدفق المعلومات والتنسيق والتكيّف لحظة بلحظة؛ لأن الانقطاع هنا لا يعني تعطّل خدمة، بل يعني تعطّل قدرة قتالية.
يبرز التوجيه الملكي - وفي قلب هذا التحول البنيوي- بوضع «مجال العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية» ضمن الأولويات التي يمكن الاستثمار فيها وبناء القدرات لتحقيق التنافسية، بوصفه أكثر من مجرد تحديث تقني أو استجابة ظرفية لموجات الهجمات الرقمية. فإدراج السيبراني في صلب الرؤية القتالية يعني أن المعركة لم تعد تُدار فقط عند خطوط التماس، بل داخل بنية الدولة نفسها: في الشبكات والاتصالات والبيانات، وأنظمة القيادة والسيطرة، وسلاسل الإمداد، والوعي المعلوماتي الذي يسبق القرار العسكري ويحدد مساره. وفي زمن الحروب الهجينة، يصبح استهداف هذه الطبقات قادرًا على إحداث أثر عملياتي يعادل الضربة الميدانية وربما يسبقها، لأن تعطيل الاتصال أو التشويش على منظومة القيادة أو اختراق تدفق المعلومات لا يُربك وحدة واحدة فحسب، بل يُربك «منطق المعركة» بأكمله ويقوّض القدرة على المبادرة.
من منظور الردع الاستراتيجي، لا تُقرأ العمليات السيبرانية بوصفها دفاعًا لحماية الشبكات فقط، بل كرافعة سيادية ترفع كلفة الاستهداف على الخصوم وتمنع تحول الهجوم الرقمي إلى أداة ابتزاز أو تعطيل للقرار الوطني. فالخصم الذي يدرك أن استهداف الأردن سيقابله ثمن مضاد في المجال الرقمي سواء عبر الإحباط الاستباقي للهجوم، أو عبر الاستجابة السريعة التي تُبطل مفاعيله، أو عبر قدرة هجومية محسوبة تُنتج أثرًا معاكسًا سيتعامل مع الساحة الأردنية بوصفها ساحة عالية الكلفة، لا ساحة رخوة يمكن اختبارها. وهنا تتجلى «التنافسية» التي ألمحت إليها الرسالة الملكية: تنافسية لا تقوم على العدد أو الاستعراض، بل على امتلاك قدرة تشغيلية متماسكة تُحسن كشف التهديدات، واحتواء الاختراق، واستعادة السيطرة، وتحويل المجال السيبراني إلى أحد مصادر التفوق النوعي بأقل كلفة مقارنة بسباقات التسلح التقليدية.
في المحصلة، يُرجّح أن السنوات الثلاث المقبلة ستشكّل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة القوات المسلحة الأردنية على الانتقال من منطق التحديث المتدرّج إلى منطق التحول البنيوي الشامل، بما يعنيه ذلك من إعادة تشكيل العقيدة والهيكلة وأنماط التشغيل، وتثبيت منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات الآمنة كعمود فقري للجاهزية، وتطوير قدرة سيبرانية عملياتية قادرة على الردع والاحتواء وصناعة الكلفة المضادة. وفي بيئة إقليمية تتزايد فيها هشاشة التوازنات وتتوسع فيها أدوات الاستنزاف غير المرئي، فإن نجاح هذا التحول لن يُقاس فقط بما يُضاف من معدات أو قدرات، بل بقدرة المؤسسة العسكرية على امتلاك المبادرة وحماية مراكز الثقل والاستمرار بكفاءة تحت الضغط، بما يضمن للأردن ردعًا أكثر صلابة ومناعة أعلى وقدرة تنافسية تتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة وتعقيداتها الهجينة.
نيسان ـ نشر في 2026/01/25 الساعة 00:00