الأيام الصعبة لم تأتِ بعد!

د. محمد أبو رمان
نيسان ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 00:00
تكشف الرسالة الملكية لرئيس هيئة الأركان، الأول من أمس، عن إدراك ملكي للتحول الكبير في مصادر التهديد والتحديات الخارجية التي تواجه الأمن الوطني الأردني خلال المرحلة الراهنة والمستقبلية؛ فقد دعت الرسالة رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، اللواء يوسف الحنيطي، إلى تشكيل لجنة من أجل وضع استراتيجية لتطوير القوات المسلحة، وجعلها أكثر رشاقة ومرونة وفعالية، وتطوير الكفاءة والقدرة على التعامل مع البيئة المحيطة المسكونة بتحديات ومصادر تهديد مختلفة عن تلك التقليدية التي كانت الجيوش تتعامل معها سابقاً.
ومن الملاحظ أيضاً أن الرسالة طلبت، بالإضافة إلى المرونة والرشاقة، التركيز على الذكاء الاصطناعي، لأنّه أصبح أحد أهم مصادر القوة العسكرية والأمنية، كما أثبتت الحروب الأخيرة، وكذلك زيادة عدد القوات الاحتياطية لتكون جاهزة بصورة دائمة، وأيضاً ربط ذلك بالصناعات العسكرية والحروب السيبرانية ومراكز الدراسات والأبحاث، وهي قضايا وموضوعات تنبئ عن أننا أمام «تغيير بنيوي»، كما وصفته الرسالة، في المفاهيم الاستراتيجية العسكرية والأمنية الوطنية تجاه ما يحدث في المنطقة.
هذا التحول الكبير المنشود في العقيدة العسكرية الأردنية لم يأت من فراغ، بل هو مرتبط بثلاثة متغيرات رئيسية، الأول اللحظة الانتقالية على صعيد النظام الدولي، والثاني التحول في مصادر التهديد وعدم الاستقرار الإقليمية، والثالث التغير الجوهري في طبيعة الحروب اليوم والانتقال إلى جيل جديد من الصراعات والحروب يستدخل التكنولوجيا والسيكولوجيا والدعاية والاختراقات الأمنية والتلاعب بالعقول بوصفها المقومات الجديدة للقوة العسكرية بالتزاوج مع العناصر التقليدية المعروفة.
ثمة ما يشبه حالة الاتفاق بين أغلب الخبراء والسياسيين، حتى على مستوى النظرية كما يؤكد ذلك جون ميرشايمر (أحد أبرز منظري الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية)، أنّنا في لحظة انتقالية في طبيعة النظام الدولي، الذي ساد منذ ما يقارب 35 عاماً، وهذا التحول سيكون معقداً وله اهتزازات وارتدادات عديدة، ومن السهولة بمكان ملاحظة حالة السيولة الراهنة في التحالفات الدولية والإقليمية وتقلبات المواقف وكيف تعيد العديد من الدول اليوم تعريف مصالحها الاستراتيجية والأمنية، ولعلّ المثال الأكثر وضوحاً هو ما يحدث للعلاقات الأوربية- الأميركية في التحول من التحالف الوثيق عسكرياً واقتصادياً وسياسياً إلى التوتر، وربما التنافس أو الصراع بين أميركا والعديد من الدول الأوروبية.
مثل هذه السيولة والتحولات ومصادر التهديد والتوتر والارتباك في علاقة الدول ببعضها، ينعكس أكثر ما ينعكس على منطقة الشرق الأوسط، والأردن في البؤرة المركزية فيه، ولا نستطيع، مهما حاولنا، أن نفصل أنفسنا عن الصراعات والأزمات والتوترات الإقليمية، والبيئة المتحولة بصورة كبيرة حولنا، ففي العراق هنالك اليوم إرهاصات لتشكل حكومة جديدة، وقد يعود رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، بما يحمله ذلك من نقاش حول علاقات العراق بالأردن والمحيط العربي، وعلى صعيد سورية لا تزال الحكومة هناك تصارع من أجل الدفع نحو الوحدة والاستقرار في مواجهة ديناميكيات داخلية وخارجية تحرّك الأمور بالاتجاه المضاد، والحال كذلك بالنسبة للبنان الذي لا يزال في مرحلة من التوتر والأزمة الداخلية والخارجية مع إسرائيل.
أمّا مصدر القلق والتوجس الكبير أردنياً فهو في السياسات الإسرائيلية والصهيونية في الضفة الغربية وما يحمله هذا العام من تسريع متوقع باتجاه الضمّ وقضاء إسرائيل على السلطة الفلسطينية، وحتى على مستوى إقليمي أوسع لا تبدو الحالة العربية في اليمن وليبيا والسودان والصومال وغزة بأفضل حالاً مما نراه في المشرق. فوق هذا وذاك ما تزال دول المنطقة تقف على أقدامها تحسباً للضربة الأميركية المتوقعة لإيران، ولحجم ردود الفعل الإيرانية.
في الخلاصة؛ هنالك لحظة انتقالية ومرحلة جديدة لم تتشكل بعد، بالتزامن والتزاوج مع حالة من عدم اليقين التي تربط المستقبل وسيناريوهاته بالعديد من الجمل الشرطية (في حال كذا.. سيحدث كذا)، وفي مثل هذه المرحلة العاصفة بالمتغيرات الهائلة فإنّ كل الدولة تعيد تعريف مصالحها وحماية أمنها الوطني وتفكر بصورة غير تقليدية وتجتهد في رسم التحديات ومصادر التهديد وإدارة التعامل معها، ولعلّ أكثر جملة معبّرة عن هذه الحالة هي العبارة الشهيرة للمفكر الإيطالي، أنطونيو غرامشي «العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفاصل الزمني تظهر الوحوش».
    نيسان ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 00:00