لماذا سيبقى البشر مهمين في عصر الذكاء الاصطناعي؟

نيسان ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 00:00
عادة ما تثير الثورات التكنولوجية مخاوف من أن الابتكار سيقضي على الوظائف.
ورغم أن هذه المخاوف لم تتحقق، فإنه يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي أنه الأكثر إثارة للقلق؛ نظراً لقدرته على أداء العديد من المهام كما يفعل البشر، أو حتى أفضل.
فهل يختلف التهديد الذي يواجه العمل البشري هذه المرة؟ وهل هو بهذه الخطورة؟
ما يغفله الهوس الحالي بالذكاء الاصطناعي هو أن قوة معاكسة تتقدم بسرعة هي الأخرى. فخلال العقود الأربعة الماضية، ارتفع عدد الدول التي تشهد انخفاضاً في عدد السكان في سن العمل من صفر إلى 55 دولة، ويشمل ذلك معظم الاقتصادات الكبرى. ويتسارع هذا التراجع الآن لأن الأسر تنجب عدداً أقل من الأطفال مما كان متوقعاً.
وفي العام الماضي، انخفض عدد المواليد في الصين إلى أدنى مستوى له منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وفي اليابان إلى أدنى مستوى له منذ عام 1899.
وبالمقارنة مع التوقعات قبل عشر سنوات، فإن معدل الخصوبة العالمي يمضي على مسار الانخفاض إلى ما دون المستوى المطلوب لتحقيق استقرار السكان قبل 25 عاماً من الموعد المتوقع، أي في عام 2050. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يبلغ عدد السكان في سن العمل نقطة الذروة قبل التاريخ المتوقع سابقاً بـ30 عاماً، أي في عام 2070.
وهناك مؤشرات إلى أن الذكاء الاصطناعي يرفع إنتاجية العامل، ما قد يقلل الطلب الإجمالي على العمالة البشرية، لكن في ظل التراجع السكاني السريع، من المرجح أن تؤدي إنجازات الذكاء الاصطناعي إلى التخفيف من تأثيرات النقص المتوقع في العمالة بدلاً من التسبب في بطالة جماعية.
لقد قضت الثورات التكنولوجية السابقة على الصناعات، لا على الوظائف. ففي القرن التاسع عشر، دفع ظهور الآلات العمال من المزارع إلى المصانع، ومن المصانع إلى قطاع الخدمات.
وفي عشرينيات القرن العشرين، ومع حلول السيارات محل الخيول، شغل سائقو الشاحنات وسائقو سيارات الأجرة وظائف سائقي العربات.
وبدايةً من تسعينيات القرن الماضي، وبحسب أحد التقديرات، أدى الإنترنت إلى فقدان حوالي 3.5 ملايين وظيفة في الولايات المتحدة، ولكنه خلق 19 مليون وظيفة جديدة.
قد يكون للذكاء الاصطناعي تأثيرٌ أكبر بكثير، حيث تشير التوقعات إلى أن الحد الأقصى لسوق العمل «المستهدف» للذكاء الاصطناعي ونتاجه الروبوتات الشبيهة بالبشر، سيبلغ 4 مليارات وظيفة حول العالم. وحتى الآن، لا يُزاحم الذكاء الاصطناعي البشر بوتيرةٍ سريعة.
فمعدل البطالة يقترب من أدنى مستوياته منذ عقود، سواء على مستوى العالم أو في الولايات المتحدة، الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي. وفي اليابان، انخفضت البطالة وارتفعت نسبة المشاركة في القوى العاملة لسنوات، رغم الزيادة السريعة في عدد الروبوتات في البلاد.
ومن الأسهل دائماً الحديث حول الوظائف المُهددة بالخطر الآن، فيما لا يتم تخيّل وظائف المستقبل.
وعلى سبيل المثال، فإن حوالي ثلث الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة هي من أنواع لم تكن موجودة قبل 25 عاماً. واليوم، يميل الوضع لصالح العمال الذين يعرفون كيفية بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، أو استخدامه كأداة.
وتتزايد بالفعل المسميات الوظيفية الجديدة لمطوري محتوى الذكاء الاصطناعي، ومديري المنتجات، والمهندسين، ومصممي الأنظمة، ومن الواضح أنها تعوض بشكل كبير الخسائر في فئات الوظائف التقليدية.
صحيح أن الوقت لا يزال مبكراً، وقد نشهد المزيد من التغييرات الجذرية، لكن إذا تسبب الذكاء الاصطناعي في بطالة جماعية، فهل سيقف البشر مكتوفي الأيدي؟ خلال العقد الأول من الألفية الثانية، أدت «الصدمة الصينية» إلى تشريد نحو 6 ملايين عامل في المصانع الأمريكية في المناطق الصناعية القديمة، وكان يمكن لذلك أن يشعل ثورة شعبوية.
يقول المتفائلون بالتكنولوجيا إن الذكاء الاصطناعي سيكون مختلفاً تماماً لأنه سيوفر محل الوظائف المزيد من أوقات فراغ.
سيُتيح للناس العيش براحة على حساب أرباح عمل الذكاء الاصطناعي، التي يعاد توزيعها عليهم من قِبل حكومات تتدخل بشكل متزايد في شؤونهم. وطالما بقي العمل ركيزة أساسية للكرامة الإنسانية، فإن هذه الرؤية قد تكون مجرد خيال سوداوي.
ولذلك، كلما زاد تهديد الذكاء الاصطناعي للوظائف، زادت احتمالية مطالبة الناخبين للحكومات بإبطاء تقدمه.
إن التركيبة السكانية تبقى هي المحرك الأهم للتنمية الاقتصادية. ولم يتمكن أي اقتصاد من النمو السريع دون دعم من قوة عاملة متنامية.
وتسعى دول عديدة اليوم إلى استباق الآثار السلبية لانخفاض عدد السكان. وبقيادة المجتمعات التي تشهد شيخوخة سكانية متسارعة، تُقدم هذه الدول مساعدات مالية للعائلات لتشجيعها على إنجاب المزيد من الأطفال، إلا أن «مكافآت المواليد» لم تُحقق بالمرة النجاح المأمول. فالدول لا تستطيع التدخل على نحو فعال في قرار شخصي كقرار إنجاب طفل.
وتُعدّ الهجرة إحدى الوسائل الواضحة لتوسيع القوى العاملة، إلا أن صافي الهجرة انخفض بشكل حاد في معظم المجتمعات الغربية مؤخراً.
ومن الوسائل الأخرى تشجيع كبار السن على البقاء في وظائفهم من خلال رفع سن التقاعد، أو تشجيع المزيد من النساء على الانخراط في سوق العمل، ولا سيما أن مشاركة المرأة في سوق العمل العالمي اليوم أقل مما كانت عليه قبل ثلاثين عاماً.
إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في إنقاذ العالم من نقص العمالة، ومن غير المرجح أن يُؤدي إلى بطالة واسعة النطاق.
لذلك، سيظل للبشر دورٌ مهم، كعمال وكقوة سياسية، في عصر الذكاء الاصطناعي.
    نيسان ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 00:00