مدينة عربية سُوِّيت بالأرض… فنهضت بعد ألف عام في الأندلس

نيسان ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 00:00
تمكن فريق بحثي في قرطبة من تحديد الموقع الدقيق لمدينة الزاهرة، العاصمة الإدارية قصيرة العمر التي بناها القائد المنصور في أواخر القرن العاشر الميلادي، والتي كانت منافسا مباشرا لمدينة الزهراء التاريخية، ويعتبر هذا الاكتشاف أحد أهم الإنجازات في علم الآثار الأندلسي، بعد أكثر من قرن من محاولات تحديد موقع المدينة.
مدينة الزاهرة كانت العاصمة التي أسسها القائد الأموي المنصور بن أبي عامر، المعروف باسم الحاجب المنصور، في أواخر القرن العاشر الميلادي (حوالي عام 936م) بالقرب من قرطبة في الأندلس، وعلى الرغم من شهرتها التاريخية، فإنها كانت قصيرة العمر، إذ لم تستمر كمركز إداري طويل الأمد، لكنها بقيت محط اهتمام الباحثين بسبب روعتها المعمارية وتصميمها الحضري الفريد.
ومدينة الزهراء تقع بالقرب من مدينة قرطبة في جنوب إسبانيا، في منطقة الأندلس التاريخية، بالتحديد، شُيدت المدينة على بعد حوالي 8 كيلومترات إلى الغرب من وسط قرطبة الحالية، على ضفة نهر الوادي الكبير (Guadalquivir). أسسها الخبير المعماري والحاكم عبد الرحمن الثالث في القرن العاشر (بين 936 و940 ميلادية) لتكون عاصمة إدارية وسياسية لدولة الخلافة الأموية في الأندلس، ومركزا للحكم، وقد تميزت بتصميمها الفاخر وحدائقها ومعمارها المذهل.

وأظهرت دراسة البيانات أن الموقع، المعروف تاريخيا باسم "كابيزوس دي لاس بندولياس" بالقرب من ألكولا، يحتوي على مجموعة من الشذوذات الطبوغرافية التي تشير إلى بنية حضرية مدرجة، تضم مباني مستطيلة أو مربعة، وبعضها يخرج عن المحاذاة العامة ليتجه نحو الجنوب الشرقي، وهو ما يعكس تخطيطا واعيا للموقع.
وتثبت هذه النتائج أن المدينة كانت مركزا إداريا وتجاريا وعسكريا، يحوي القصر، والإدارة، وجيش المَنْصور، إضافة إلى سكان المدينة من موظفين وحرفيين وتجّار.
وتعكس هذه الاكتشافات التزام الباحثين بربط الأدلة التكنولوجية الحديثة بالسياق التاريخي والأدبي، فقد كانت المنطقة المستهدفة، منذ القرن الخامس عشر، جزءا من "الدهيسا الملكية" المرتبطة بالممتلكات الملكية الإسبانية، كما احتضنت الإسطبلات الملكية منذ عهد فيليب الثاني، مما يؤكد أهمية الموقع في إطار السلطة منذ العصور الوسطى.
وكانت مدينة الزاهرة قد شهدت صعودا سريعا بعد أن وصل المَنْصور إلى السلطة كحاجب للخليفة هشام الثاني، لكنها تعرضت للتدمير الكامل بعد وفاته عام 1002 على يد سكان قرطبة، الذين أرادوا محو أي أثر لسلالة الأموَريين، وبحسب مؤرخين ومهندسين معماريين، فإن الدمار كان شاملاً إلى درجة محو ذكرى موقعها من التقاليد المحلية، ما جعل تحديده تحديا كبيرا للباحثين لعدة قرون.
وتشير الدراسة إلى أن البيانات المستقاة إلى جانب التحليل التاريخي للأدلة المكتوبة، توفر أساسا ماديا يمكن التحقق منه في الحملات المستقبلية من خلال المسح الجيوفيزيائي أو التنقيبات الأثرية.
ويأمل الباحثون في أن يفتح هذا الاكتشاف الباب لإجراء حفريات علمية وعرض الموقع للعامة، ليصبح واحدا من الرموز التاريخية الكبرى المفقودة لسلطة الخلافة الأموية في الأندلس.
هذا الاكتشاف يعكس الإمكانات الهائلة للتكنولوجيا الحديثة في إعادة رسم الخرائط التاريخية للمواقع الأثرية، ويعزز فهمنا للتخطيط الحضري والسياسي في العصور الوسطى في شبه الجزيرة الإيبيرية.
    نيسان ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 00:00