العالم كما نعرفه في أزمة.. فكيف يكون كل شيء على ما يرام؟

نيسان ـ نشر في 2026/01/30 الساعة 00:00
كيف حالك؟ آمل أن تكون بخير، رغم كل ما يحدث في العالم. إن كنت كذلك، فأنت مثل جميع الأصدقاء والزملاء الذين أرسلوا لي رسائل بمناسبة العام الجديد، جميعهم يقولون إنهم بخير أيضاً، رغم كل شيء. لكن ألا يستحق هذا التناقض المزيد من الاستكشاف؟
أنا بخير، وأنت بخير، وهم بخير، لكن العالم من حولنا في كارثة. ربما يكون السبب أن أصدقائي جميعاً محظوظون، وبمنأى عن بؤس الواقع، أو ربما يتظاهرون بالشجاعة لإخفاء معاناتهم. لذلك، سيكون من المفيد الحصول على بيانات أكثر منهجية حول هذا التناقض.
وكانت مؤسسة إيبسوس موري لاستطلاعات الرأي جمعت بعضاً منها قبل عقد من الزمن. حينها سأل الباحثون أشخاصاً في 40 دولة عن عدد مواطنيهم الذين سيقولون إنهم «سعداء إلى حد ما» أو «سعداء جداً»، ثم قارنوا هذه التقديرات بالواقع حسبما قاسه استطلاع القيم العالمية.
كان الفرق شاسعاً، فقد أعرب معظم المشاركين في استطلاع إيبسوس موري عن قلقهم بشأن رفاهية الآخرين في أوطانهم، فيما كان معظم من تحدثوا في استطلاع القيم العالمية «متفائلين جداً» بشأن سعادتهم.
وفي الولايات المتحدة قال 90 % من المشاركين إنهم «سعداء إلى حد ما» أو «سعداء جداً»، لكنهم قدروا أن أقل من نصف المواطنين الآخرين يشعرون بالشعور نفسه.
وكان الوضع مشابهاً إلى حد كبير في المملكة المتحدة. وفي كوريا الجنوبية قال 90 % من المشاركين إنهم سعداء، لكن هذه السعادة شبه العامة لم تمنع الكوريين من تقدير سعادة الكوريين الآخرين عند نسبة لا تتجاوز 24 %.
أظهرت بيانات إيبسوس موري أن كندا والنرويج كانتا الأكثر تفاؤلاً بشأن سعادة الآخرين، إذ اعتقدتا أن 60 % من مواطنيهما سيقولون إنهم، على الأقل، «سعداء إلى حد ما». وعموماً كانت الفجوة بين تفاؤلنا الفردي وتشاؤمنا تجاه الآخرين واسعة للغاية.
للأسف، لم تكرر إيبسوس موري هذه الدراسة التي أجريت قبل عقد من الزمن، لكن في مقال حديث لها، جمعت هانا ريتشي، مؤلفة كتاب «ليست نهاية العالم»، أمثلة عديدة على هذا الرضا الفردي الذي يتناقض مع التشاؤم تجاه الآخرين.
وعلى سبيل المثال، على مدى عقد من الزمن تقريباً في الولايات المتحدة، سأل الاحتياطي الفيدرالي الناس عن أوضاعهم المالية، ورأيهم في اقتصاداتهم المحلية، ورأيهم في الاقتصاد الوطني عموماً.
وعاماً بعد عام كان الناس أكثر تفاؤلاً بشأن أوضاعهم المالية الشخصية مقارنة باقتصادهم المحلي، وأكثر تفاؤلاً بشأن اقتصادهم المحلي مقارنة بالبلاد ككل.
وعلى الصعيد الدولي كان سكان معظم الدول التي شملها الاستطلاع أكثر ميلاً لوصف عام 2025 بأنه «عام سيئ لبلدي» مقارنة بوصفه بأنه «عام سيئ لي ولعائلتي».
(باستثناء سنغافورة والهند). قال أكثر من 75 % من البريطانيين إنه عام سيئ لبريطانيا، لكن أقل من 45 % منهم اعتبروه عاماً سيئاً لعائلاتهم.
وينطبق الأمر نفسه على المستقبل: «نحو 58 % من البريطانيين متفائلون بأن عام 2026 سيكون عاماً أفضل لهم»، كما توضح ريتشي، «لكن 32 % فقط يعتقدون أن البريطانيين عموماً سيبدؤون بالشعور بمزيد من التفاؤل بشأن مستقبل البلاد على المدى الطويل».
ومن الملاحظ أن الناس يركزون على قضايا مختلفة عند تقييم الأوضاع، ففي أواخر عام 2024 أفاد 32 % من المشاركين البريطانيين في استطلاعات الرأي أن الهجرة من أهم القضايا التي تواجه البلاد، بينما قال 4 % فقط إنها قضية مهمة بالنسبة لهم شخصياً.
ومن اللافت للنظر اتساع هذه الفجوات عبر مختلف المواضيع. فلماذا توجد، وهل هي ذات أهمية؟ التفسير الأرجح هو نوعية المعلومات التي نتلقاها. ولنأخذ الجريمة كمثال.
يُظهر مسح الجريمة في إنجلترا وويلز انخفاضاً في معدلات الجريمة لعقود. وللعلم فإن تجاربي الشخصية كضحية للسطو والسرقة والحرق العمد تؤكد ذلك - فقد وقعت جميعها قبل أكثر من 25 عاماً.
ومع ذلك، عندما أشاهد نشرة الأخبار المسائية أجد أن هناك جرائم ما زالت تُرتكب. وقد يكون معدل الجريمة في انخفاض، لكن دائماً ما تظهر جريمة تستحق النشر. وربما لا تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تحسين الوضع.
ومن هنا تأتي تلك النقاشات الغريبة على الإنترنت من أشخاص (أو حسابات آلية) لم يزوروا لندن قط، حول كونها مدينة بائسة. وبغض النظر عن قضية الجريمة، فإننا نحصل على معلوماتنا عن الوطن والعالم من خلال وسائل الإعلام، التي تعطي الأولوية دائماً للأحداث المثيرة للجدل.
هناك أيضاً مسألة التحكم والسيطرة، فقد درس الخبير الاقتصادي يوهانس سبينوين معتقدات وسلوكيات الباحثين عن عمل، ووجد أنهم، بشكل عام، كانوا متفائلين أكثر من اللازم بشأن فرصهم، ومتشائمين أكثر من اللازم بشأن قدرتهم على تغيير هذه الفرص.
فهم ينظرون إلى العالم من خلال «التفاؤل المفرط والتشاؤم تجاه التحكم»، فتوقعوا العثور على وظيفة بسرعة، ولم يبذلوا جهداً كافياً، فخاب أملهم. أما الأقلية التي كانت متشائمة بشأن الوضع العام، لكنها متفائلة بإمكانية تغييره، فقد بذلت جهداً أكبر ووجدت الوظيفة التالية أسرع.
لكن متى ينبغي أن نشعر بقدر أكبر من التفاؤل بشأن قدرتنا على التأثير في الأحداث؟ ليس عندما نغرد بغضب عن فظائع تحدث في مكان بعيد من العالم، بل عندما نتصرف على أرض الواقع. ويمنحنا واقعنا اليومي فرصة للتفاؤل بشأن الوضع الراهن وإمكانية تحسينه.
وللأسف، تدفعنا حياتنا الرقمية في الاتجاه المعاكس، فمع تراجع الأخبار المحلية وصعود وسائل التواصل الاجتماعي أصبح استهلاكنا للأخبار مركزاً بشكل متزايد على الأحداث الوطنية والعالمية، وهي تحديداً المجالات التي نشعر فيها بأكبر قدر من الكآبة، وهذا أمر مدمر.
فإذا قضيتَ 16 ساعة في تصفح الأخبار الكئيبة تستنتج أن نهاية العالم قد حلّت، أما إذا قضيت 16 ساعة في عيش حياتك فقد لا تبدو الأمور سيئة للغاية.
    نيسان ـ نشر في 2026/01/30 الساعة 00:00