غياب للوجه القوي بين الأوروبيين حتى في الرمزية النقدية

نيسان ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 00:00
تلوح في الأفق بوادر معركة جديدة حول العملة الأمريكية، لكن هذه المرة لا يدور الصراع حول الاحتياطي الفيدرالي، أو انخفاض قيمة الدولار، بل هو صراع رمزي، ففي أواخر العام الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن إمكانية إصدار عملة معدنية من فئة الدولار احتفالاً بالذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة، تحمل صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقد أثار هذا القرار غضب بعض أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، الذين وجهوا رسالة لاذعة يرون فيها أن «وضع صورة رئيس على قيد الحياة على عملة معدنية يتناقض مع هويتنا كأمة»، وهناك بالفعل عرف سياسي أمريكي راسخ يمنع ظهور صور القادة الحاليين على العملات.
ومع ذلك، فقد قام ترامب بتعيين أتباعه في اللجنة المسؤولة عن مراجعة تصاميم العملات المعدنية - لجنة الفنون الجميلة - بعد أن طرد أعضاءها السابقين. وبذلك، يبدو أن خطة إدارة بايدن لوضع صورة هارييت توبمان، الناشطة الحقوقية السوداء، على ورقة العشرين دولاراً (وهي خطوة تحظى بتأييد شعبي واسع) قد تم تعليقها.
بموازاة ذلك، تندلع صراعات أخرى حول الرمزية النقدية، أبرزها في البنك المركزي الأوروبي. وتكمن المشكلة في فرانكفورت في أن اليورو يُعد حالةً شاذةً ثقافياً وفقاً للمعايير التاريخية، فهو لا يمتلك هيكلاً إدارياً اتحادياً فحسب، بل تفتقر أوراقه النقدية ومعظم عملاته المعدنية إلى هوية إبداعية أوروبية موحدة.
وبينما تحمل الدولارات صور «الآباء المؤسسين»، تعرض أوراق اليورو النقدية نوافذ وأبواباً وهمية. ذلك لأن مسؤولي البنك المركزي الأوروبي، عند إطلاق اليورو، كانوا يخشون أن تكون صور الأبطال أو المعالم الوطنية «الحقيقية» مثيرةً للجدل.
لذلك، فإن فكرة تصوير مبانٍ مثل نوتردام أو الكولوسيوم؛ أو شخصيات تاريخية مثل شارلمان، ملك أوروبا القديم، أو حتى مؤسسي الاتحاد الأوروبي تقرر استبعادها. وبدلاً من ذلك، تم اعتماد نوافذ وجسور رمزية «لترمز إلى روح الانفتاح والتعاون الأوروبية»، على حد تعبير البنك المركزي الأوروبي.
مع ذلك، وكما يعلم أي عالم أنثروبولوجيا، يصعب بناء تماسك اجتماعي دون وجود أسطورة تأسيسية و«وجه» بطولي؛ فالبشر مفطورون على تفضيل الأشخاص والقصص على المُثُل المجردة.
لذا، يُمكن اعتبار غياب الوجوه الأوروبية الجامعة رمزاً غير مقصود لنقطة ضعف المنطقة: تذبذب الهوية المشتركة. وهذا يؤكد فكرة أنه يصعب على الاتحاد الأوروبي إنشاء هيكل حوكمة فعال وسريع، أو إظهار قوته على الساحة الدولية، لا سيما في مواجهة الولايات المتحدة التي تؤيد الحرب وتحتفي بالشخصية الشعبوية.
علاوة على ذلك، فإن الجهود المبذولة لإنعاش أوروبا بما يمكن تسميته استراتيجية «دراجي والطائرات المسيّرة» - أي التنفيذ الفوري للإصلاحات الاقتصادية التي وضعها ماريو دراجي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، إلى جانب زيادة الإنفاق العسكري - تعد صعبة بدرجة كبيرة في ظل ثقافة يسودها التشاور الحذر؛ أو، كما وصفها سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، بازدراء، «مجموعة العمل الأوروبية المخيفة».
لكن هل يمكن لهذا الوضع أن يتغير؟ كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، تحاول ذلك، على الأقل فيما يتعلق بالأوراق النقدية. ففي عام 2021، قرر البنك المركزي إعادة تصميم عملته، مستعيناً بلجنة استشارية للزخارف. وبعد استطلاع آراء 365 ألف أوروبي، حدد البنك موضوعين رئيسيين للتصميم:
أحدهما هو «الثقافة»، إذ إن الأوروبيين «يتبادلون إبداعاتهم ومعارفهم ومهاراتهم منذ قرون. لذا، ستظهر شخصيات مثل ماري كوري وليوناردو دافنشي في نهاية المطاف على الأوراق النقدية، إلى جانب مباني البنك المركزي «الحقيقية». وتقول لاغارد: «علينا أن نمنح الأوراق النقدية وجهاً حقيقياً لا مجرد نصب تذكاري زائف».
أما الموضوع الثاني فهو «الأنهار والطيور»، لاستحضار الوحدة العابرة للحدود وحب الطبيعة. وهذا يختلف تماماً عن استخدام أمريكا للطيور: ففي دافوس هذا الشهر، برز نسر غاضب من مقر الوفد الأمريكي، بغرض استعراض قوته.
إن إعادة تصميم اليورو يعتبر تقدماً، لكن العملية «الشاملة» كانت بطيئة للغاية لدرجة أن الأوراق النقدية الجديدة لن تظهر إلا بعد انتهاء ولاية لاغارد. وتضيف متحسرة: «لن أتمكن من توقيع الأوراق النقدية لأن الأمر استغرق وقتاً طويلاً - وهذا أمر مؤسف».
وهكذا، هناك غياب واضح لزعيم أوروبي قوي - سواء من الناحية التاريخية، كما هي الحال مع الأوراق النقدية، أو بالمعنى الجيوسياسي المعاصر، قادر على إحداث توازن مع ترامب. كما يبدو الاتحاد الأوروبي حالياً وكأنه مجموعة من الكشافة تُواجه المافيا. لتتذكر هذا عندما تنظر إلى ورقة اليورو في المرة القادمة.
    نيسان ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 00:00