تلاشي المعاني في زمن تفكير المقاطع
نيسان ـ نشر في 2026/02/02 الساعة 00:00
نعيش زمنا لا يمنح الأفكار فرصة لتنضج، ولا يتيح للمعنى أن يكتمل. هو زمن «بصلته محروقة» كما يقول المثل الدارج. كل شيء يمر مسرعا، كومضة تلمع وتنطفئ، تاركة خلفها شعورا غامضا ومضللا بالامتلاء. نفتح أعيننا على شاشة، ونغلقها على تشويش، ونحسب أننا عرفنا العالم وهضمناه؛ لأننا مررنا عليه مرورا خاطفا. هكذا يتسلل إلينا تفكير المقاطع، لا بوصفه عادة عابرة، إنما كطريقة عيش تعيد تشكيل وعينا.
تفكير المقاطع، أو ما يسمى أحيانا بالتفكير المجزأ، فحواه أن تتعامل عقولنا مع المعرفة كما لو كانت شريطا من اللقطات السريعة، لا كونها قصة ببداية ومسار وخاتمة. الأفكار لا تأتي مترابطة، ولا تسكن العقل، بل تنفذ منه. معلومة من هنا، صورة من هناك، عنوان صارخ يلفتنا، ومقطع قصير نحرك أصبعنا لنزيحه عن الشاشة، ورأي جاهز نراه، ثم قفزة أخرى قبل أن يتشكل السؤال أصلا في أرواحنا. في هذا النمط من التفكير السطحي، لا يمنح العقل نفسه زمنا كافيا للفهم والتمعن، بل يكتفي بالانطباع، ويخلط بين المرور على الفكرة وامتلاكها.
يمكن رؤية ذلك في شخص يريد أن يفهم قضية سياسية أو اقتصادية معقدة. فبدلا من قراءة تحليل متأن أو متابعة نقاش معمق، يكتفي بعنوان مثير في فيسبوك، ثم فيديو لا يتجاوز نصف دقيقة، ويقول إنه كوّن موقفا واضحا وشكل فهما دقيقا، لكنه في الحقيقة لا يحمل إلا شظايا معرفة غير متصلة. تفكير المقاطع ببساطة أكثر، رأي بلا جذور، ومعرفة بلا عمق.
خطورة هذا النمط السائد الآن لا تكمن في الجهل، بل في وهم المعرفة. وهذا مقتل. فالعقل مشغول على الدوام، لكنه نادرا ما يكون مفكرا محللا. بل ينتقل ويتفاعل ويحكم بسرعة، غير قادر على الربط، والصبر، والجلوس مع الفكرة لفهمها. هنا تصبح الحقيقة لقطة، والمعنى قابلا للاستبدال بأي شيء، والتركيز يصير جهدا ثقيلا.
مع هذا المناخ، تتغير علاقتنا بالزمن وبالآخرين وبأنفسنا. الأخبار تجتاحنا بلا سياق، القضايا الكبرى تختزل في شعارات معلبة، والمآسي تتحول إلى محتوى وميضي. حتى الحوار الإنساني يتقزّم متعجلا، خاليا من الإصغاء. نحن لسنا فقراء بالمعلومات، بل مثقلون بها، إلى حد إنهاك الإدراك وتآكل القدرة على الفهم.
ومع كل ذلك السوء البليغ فإن استعادة العمق ما زالت ممكنة، لكنها تتطلب قرارا واعيا. أن نختار البطء زمن اللهاث، والقراءة المتمعنة زمن العناوين، والانتباه بوصفه فعل مقاومة للخراب. أن نعيد للعقل حقه في التأمل، وللمعنى حقه في الاكتمال والنضج.
تفكير المقاطع، أو ما يسمى أحيانا بالتفكير المجزأ، فحواه أن تتعامل عقولنا مع المعرفة كما لو كانت شريطا من اللقطات السريعة، لا كونها قصة ببداية ومسار وخاتمة. الأفكار لا تأتي مترابطة، ولا تسكن العقل، بل تنفذ منه. معلومة من هنا، صورة من هناك، عنوان صارخ يلفتنا، ومقطع قصير نحرك أصبعنا لنزيحه عن الشاشة، ورأي جاهز نراه، ثم قفزة أخرى قبل أن يتشكل السؤال أصلا في أرواحنا. في هذا النمط من التفكير السطحي، لا يمنح العقل نفسه زمنا كافيا للفهم والتمعن، بل يكتفي بالانطباع، ويخلط بين المرور على الفكرة وامتلاكها.
يمكن رؤية ذلك في شخص يريد أن يفهم قضية سياسية أو اقتصادية معقدة. فبدلا من قراءة تحليل متأن أو متابعة نقاش معمق، يكتفي بعنوان مثير في فيسبوك، ثم فيديو لا يتجاوز نصف دقيقة، ويقول إنه كوّن موقفا واضحا وشكل فهما دقيقا، لكنه في الحقيقة لا يحمل إلا شظايا معرفة غير متصلة. تفكير المقاطع ببساطة أكثر، رأي بلا جذور، ومعرفة بلا عمق.
خطورة هذا النمط السائد الآن لا تكمن في الجهل، بل في وهم المعرفة. وهذا مقتل. فالعقل مشغول على الدوام، لكنه نادرا ما يكون مفكرا محللا. بل ينتقل ويتفاعل ويحكم بسرعة، غير قادر على الربط، والصبر، والجلوس مع الفكرة لفهمها. هنا تصبح الحقيقة لقطة، والمعنى قابلا للاستبدال بأي شيء، والتركيز يصير جهدا ثقيلا.
مع هذا المناخ، تتغير علاقتنا بالزمن وبالآخرين وبأنفسنا. الأخبار تجتاحنا بلا سياق، القضايا الكبرى تختزل في شعارات معلبة، والمآسي تتحول إلى محتوى وميضي. حتى الحوار الإنساني يتقزّم متعجلا، خاليا من الإصغاء. نحن لسنا فقراء بالمعلومات، بل مثقلون بها، إلى حد إنهاك الإدراك وتآكل القدرة على الفهم.
ومع كل ذلك السوء البليغ فإن استعادة العمق ما زالت ممكنة، لكنها تتطلب قرارا واعيا. أن نختار البطء زمن اللهاث، والقراءة المتمعنة زمن العناوين، والانتباه بوصفه فعل مقاومة للخراب. أن نعيد للعقل حقه في التأمل، وللمعنى حقه في الاكتمال والنضج.
نيسان ـ نشر في 2026/02/02 الساعة 00:00