أبو ثامر.. من أضابير المخابرات إلى “طوفان الأقصى”

نيسان ـ نشر في 2026/02/03 الساعة 00:00
بقلم: علي سعادة
أحمد عبيدات
أمضى جزءا كبيرا من حياته بين جدران دائرة المخابرات العامة، “حياة الجدران” كما وصفها ذات يوم، كونت لديه حساسا في مرحلة من حياته بأنه يعيش مع الآخرين بين “الجدران” وترتب على ذلك أعباء نفسية وجسدية؛ لأن عمل رجل المخابرات في العالم الثالث أشبه بالمشي على حبل مشدود عن آخره، ويوشك حبل الود مع الآخرين أن ينقطع.
لا يؤمن كثيرا بالصالونات السياسية، أو جلسات النميمة السياسية؛ لأنه يرى أن العمل الجماعي هو الأساس، والمجهود الفردي ضائع وسط التفاصيل.
جاد زيادة عن “اللزوم”، يبدو متوترا ومتجهما أحيانا مما ينعكس على ملامحه الخارجية بوضوح شديد، هو رجل يفضحه وجهه إذ يكشف خبايا قلبه.
يصنف نفسه: أردني وطني عربي، فهو أردني عربي، فلسطيني عربي، سوري عربي، عراقي عربي، متمنياً أن يأتي اليوم الذي يتحد فيه العرب.
لا يؤمن بالعشائرية كمرجعية، ولا يؤمن بتسييس العشيرة في بلد متطور ومعاصر يقوم على المؤسسات، يتطلع شعبها إلى المستقبل باعتباره جزءاً من الأمة العربية.
جريء في مواجهة الخطأ، لا يؤمن بلفلفة الأمور، وكثيرا ما وجد نفسه أمام معركة مفتوحة؛ بسبب صراحته وإصراره على قول ما يراه صواباً.
بين الخليل وإربد أمضى أحمد عبيدات سنوات عمره المبكرة، حيث كان مطلوبا منه الترحال بين المدن تباعاً؛ لما فرضته عليه وظيفة والده في الأمن العام.
مدينة نابلس التي كانت تعج بالحراك الشعبي كانت الشرارة الأولى في إيقاظ وعيه السياسي، وكان الانضمام للأحزاب موضة ذلك الوقت لدى الشباب في المدارس والجامعات، وهي موضة لم يلتزم بها، ولم يسع للركض وراءها.
اكتشف في أثناء المرحلة الثانوية ميوله القومية بعد أن دب فيه الحماس، فشارك في معظم المظاهرات التي شهدتها نابلس؛ احتجاجا على زيارة تمبلر وحلف بغداد، وكانت المفارقة أن والده كان ضابطا مسؤولا في تلك الفترة عن مدينة نابلس، وربما يكون هذا هو السبب الذي حال بينه وبين الانتماء الحزبي، وامتناعه من الانضمام إلى الأحزاب رغم الصداقات التي ربطته بعدد الحزبين من القوميين واليساريين والإخوان المسلمين.
ثم جاءت دراسته القانون في بغداد التي عمقت من أفقه السياسي، ووسعت مداركه، وجعلته يرى المشهد الأردني والعربي من زاوية أوسع وأعمق.
بدأ حياته العملية بعد تخرجه متدربا في مكتب بإربد، فالقانون هو الخط الأساسي الذي كان يستهويه دائما، غير أن الأمور لم تكن مشجعة في المحاماة، فتقدم بطلب لديوان الخدمة المدنية للعمل، وتم تعيينه في وزارة المالية، وكانت فترة تجربة قصيرة لم تدم سوى سبعة أشهر؛ فقد لفت انتباهه الإعلان عن دورة في الأمن العام لحملة شهادة الحقوق، وتقدم للدورة حيث عين بعد تخرجه ضابطا في الأمن العام، وفيما بعد تم تحويله إلى جهاز المباحث العامة (المخابرات العامة حاليا).
كان واحدا من مجموعة شكلت لدراسة “أضابير” المواطنين ذات الطابع السياسي، ووجد كثيرا من الخلل والعشوائية في اتخاذ القرارات، وعمل على شطب كثير من تلك “الأضابير”.
كان يسكن في جبل التاج بعمان حين خطفته “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، في مكان سري داخل مخيم الوحدات.
رجل مرتاح الضمير يقول إن العمل ليس بحد ذاته الذي يريح الضمير وإنما الأسلوب والطريقة، وفي العالم العربي يعطى الإنسان في المخابرات والأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة أكثر بكثير مما يستحق، وهنا لا يوجد رادع سوى الحد الأدنى من المساءلة حسب التسلسل الهرمي للمسؤولين وللناس، وتبدو المهمة في دول المؤسسات أسهل مما هي عليه في الدول الأخرى التي تفتقر لمثل هذه المؤسسات.
يرى أن “الصورة السلبية” عن رجل المخابرات تعود إلى طبيعة المهام التي يقوم بها، فعلاقته تنحصر في التعامل مع الموطنين في مناسبات “سلبية” في الغالب -كما يقول- ومن هنا قد يقع بعض الظلم على الناس؛ إذ يخضع الأمر للتقييم الشخصي.
يقول إنه خرج من العمل في المخابرات لنحو 20 عاما مرتاح الضمير؛ لأنه سعى في كل خطوة إلى تصحيح الأخطاء ورفع الظلم، محاولا تطبيق المهمة الموكلة له وفقا للقانون.
الفترة التي سبقت تعيينه مديرا للمخابرات العامة كانت قلقة، وحبلى بالمفاجآت، وأسهمت في تسلمه الموقع خلفا للفريق محمد رسول الكيلاني. ويؤكد أبو ثامر أن تسلمه رئاسة المخابرات لم يكن بناء على تنسيب من أحد، وإنما فرضه التسلسل الوظيفي والرتبة العسكرية.
ونتيجة لتعيين المرحوم سليمان عرار وزيرا للداخلية في رئاسة المجلس الوطني الاستشاري، عُين عبيدات وزيرا للداخلية في تعديل طفيف جرى على حكومة مضر بدران، وهذا الأمر كان متوقعا، ولم يكن خارج السياق، لكن الشيء المفاجئ بالنسبة له كان تكليفه برئاسة الوزراء كما كشف ذات يوم، لكن الظروف حكمت، وتحمل المسؤولية لفترة عام وثلاثة أشهر، وولدت حكومته مع نضوج شروط الاتفاق الأردني الفلسطيني الذي نتج عنه استضافة عمان لاجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني المثيرة للجدل، والذي كان نقطة تحول في تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية.
وكما كان تعيينه مقلقاً كانت استقالته من الحكومة مثار جدل وسلسلة طويلة من التكهنات.
ويقال إن الحيتان والطفيليات التي نشأت على هامش المجتمع الأردني، قاوموا التغيير وسمموا الأجواء بعد أن وضع نصب عينيه وقف تصاعد المديونية، وتطبيق سياسة صارمة لضبط الإنفاق العام في القطاعين العام والعسكري.
وطرح خطة شاملة للتطوير والإصلاح الإداري، وبدأ بمراجعة وتصحيح أوضاع المؤسسات العامة والشركات الإنتاجية الكبرى، وقرر نقل إدارتها إلى مواقع العمل، وفتح تحقيقا في أوضاع الشركات المساهمة العامة التي بددت أموال المواطنين، وتقرر إعداد تشريع للجرائم الاقتصادية لحماية المواطن والمال العام وقطع الطريق على الفساد.
خارجياً، كانت القوة أكبر بسبب قرار الحكومة “أردنة البنوك”؛ بهدف إخضاع الحكومة للتطبيع خاصة في مجال البلديات وفروع البنوك الأردنية في فلسطين، وكان أحد أشكال الضغط تجميد المساعدات الأميركية الاقتصادية والعسكرية، وخاصة بعد إبرام الحكومة اتفاقية ناجحة مع الاتحاد السوفيتي لشراء منظومة الصواريخ المعروضة.
وفي نهاية عام 1985 وضع مع مجموعة من السياسيين بيانا موجها للرئيس المصري حسني مبارك على أثر الاجتماع مع شمعون بيريز في الإسكندرية، ناشده فيه باسم الشهداء أن لا تغيب القدس عن المباحثات. وصدر بيان عن لقاء مبارك بيريز لم يتضمن أية إشارة للقدس، أو الانسحاب من الأراضي المحتلة، وعلى ضوء هذا البيان استقال من منصبه في مجلس الأعيان.
لعب دورا توفيقياً في تمرير قانون الأحزاب في التسعينيات على أثر احتدام الخلافات بين النواب والأعيان، ووقف ضد اتفاقية وادي عربة، ويبدي معارضة شديدة للعلاقات المفتوحة بلا قيد أو حساب مع الولايات المتحدة الأميركية.
اكتسب المركز الوطني لحقوق الإنسان مصداقية عالية محلية ودوليا بعد التقارير الدقيقة المهنية الجريئة التي أصدرها المركز خلال فترة تشكيله.
يعتقد أن الفساد الاقتصادي والسياسي هو مقتل لأي نظام حكم، وقد اكتسب البيان الذي وقعه مع 150 شخصية حول وقف الخصخصة ومحاربة الفساد، والبدء بسياسة وطنية جادة للإصلاح الشامل ثقلا سياسيا ونضوجا كبيرا.
وضمن هذا السياق، تزعم الجبهة الوطنية للإصلاح التي رفضت في أكثر من بيان ناري العبث بقوانين الإصلاح السياسي، خصوصا قانون الانتخاب، وقال إن الإصلاح يهدف إلى ضمان “استمرار الشرعية الدستورية للحكم في المملكة الأردنية الهاشمية، والحفاظ على استقرار وطننا وكرامة شعبنا، وسلامة نسيجه الوطني”.
وكثرا ما حث رؤساء الحكومات المتعاقبة على ترجمة تصريحات الملك، المتعلقة بالحراكات الشبابية والشعبية على أرض الواقع، بعد أن اعتبرها عبيدات “مبادرة سياسية رسمية طيبة”، مطالبا بتحقيق خطوات عملية على طريق الإصلاحات الشاملة” من خلال حزمة إجراءات، ناصحا بأن تسعى بجدية لتلطيف الأجواء العامة، والتوقف عن أجواء التجييش والتحشيد السياسي المضاد، عبر وسائل الإعلام الرسمي.
كما نصح بـ”التأني والهدوء في التصريحات الرسمية”، وأن “لا تكون موجهة بقصد الإمعان في سياسة الإقصاء والتحريض”.
محافظا، بشكل استثنائي، على التوازن بين المعارضة الواعية الناضجة والولاء للوطن الذي هو أساس كل شيء.
وفي مقابلة مع التلفزيون العربي ضمن برنامج “وفي رواية أخرى”، تحدث عبيدات مطولًا عن تجربته السياسية، مشيرًا في نهايات المقابلة إلى أنه يتقاضى راتبًا تقاعديًا لا يتجاوز ألفي دينار أردني (نحو 3 آلاف دولار)، ما اضطره للعمل في المحاماة لتأمين دخل مناسب له ولأسرته.
حين يتحدث عن “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يتحدث بحماس وفخر شديد يقول “استفاق العالم كلّه على قلّة مؤمنة تخرج من غزة، وتوجه ضربة لجيش العدو الصهيوني أذهلت وزلزلت أركانه وأركان الدولة العبرية بجميع مؤسساتها المدنية والعسكرية، وبعثت في الأمة روح النضال والتضحية والأمل من جديد، وانتشلت قضيه فلسطين من تحت ركام النسيان والإهمال”.
وحتى آخر أيامه كان عبيدات يعتقد “أن أي مسلم عربي حاكم أو من الشعب، يفرط في ذرة تراب من أرض فلسطين التاريخية يكون خائنا لأمته ووطنه ودينه”، مضيفاً: “غزة ليس بمفردها، وإن كانت تبدو وحيدة أمام الموقف الأوروبي والأمريكي الظالم، ولكن رد فعل المقاومة يخرجها من حالة الوحدة إلى الفعل المتعدي على العدوان؛ بالتالي الأمة كلها معها”.
لم يتعب، ولم يغب المشهد حتى رحيله، رغم ظهوره الإعلامي والاجتماعي المقل جدا، تعب كثيرون بينما هو واصل تحطيم جدران الصمت والقلق، والخروج من دائرة الشك إلى فضاء اليقين الوطني والعربي.
    نيسان ـ نشر في 2026/02/03 الساعة 00:00