لماذا كل هذا الرعب من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف؟!
نيسان ـ نشر في 2026/02/03 الساعة 00:00
تتزايد المخاوف لتصل إلى حالة من الرعب من تأثير كارثي للذكاء الاصطناعي على الوظائف. ففي دافوس صرحت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، بأن هذه التقنية ستضرب أسواق العمل كـ«تسونامي». كما حذر صادق خان، عمدة لندن، الشهر الماضي من «عصر جديد من البطالة الجماعية».
ويزيد الوضع الراهن لسوق العمل في الاقتصادات المتقدمة من حدة القلق المتزايد، إذ ترتفع معدلات البطالة، وتزداد صعوبة إيجاد وظائف للمبتدئين، وتبلغ الشركات عن موجة من التسريحات المرتبطة بالتكنولوجيا. لكنني أتبنى موقفاً مخالفاً يدحض هذه الرواية القاتمة.
صحيح أن أسواق العمل في الاقتصادات القائمة على الخدمات والمعرفة قد شهدت تباطؤاً منذ إطلاق شات جي بي تي، في نوفمبر 2022، لكن الارتباط لا يعني السببية.
وبالتركيز على الولايات المتحدة، حيث الاستثمار في الذكاء الاصطناعي واعتماده بارز بدرجة كبيرة، يستشهد بانخفاض في فرص العمل المتاحة منذ حوالي عام 2023 كدليل على تأثير التكنولوجيا السلبي على الوظائف.
لكن بالتدقيق ينهار هذا التقييم، إذ نلاحظ أن انخفاض الوظائف الشاغرة يسبق إطلاق النماذج اللغوية الضخمة من «أوبن ايه آي»، وأنه تزامن مع فترة ضغط فيها الاحتياطي الفيدرالي على الاقتصاد الأمريكي برفع أسعار الفائدة بمقدار 5 نقاط مئوية.
علاوة على ذلك، وبسبب الطفرة التي أعقبت الجائحة في فرص العمل والتوظيف، يبدو أن الانخفاض اللاحق يعكس عودة الأمور إلى طبيعتها. وتستمر هذه الاتجاهات العامة في التوظيف ورفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية في العديد من دول مجموعة السبع خلال الفترة نفسها.
وهناك أيضاً عوامل أخرى غير الذكاء الاصطناعي تسهم في ضعف سوق العمل، فعلى سبيل المثال، في بريطانيا، يرتبط ارتفاع معدل بطالة الشباب جزئياً بسياسات حكومة حزب العمال، مثل زيادة ضريبة الرواتب.
وفي منطقة اليورو، قد يفسر الارتفاع الملحوظ في نسبة الشباب في العشرينيات من العمر الحاصلين على تعليم جامعي بين عامي 2019 و2024 جزئياً سبب ارتفاع معدل بطالة الخريجين هناك بوتيرة أسرع من معدل البطالة العام.
وبالمثل، ينبغي التعامل بحذر مع عناوين الأخبار الرئيسية للشركات التي تتحدث عن فقدان الوظائف المرتبط بالتكنولوجيا. ففي الولايات المتحدة، أحصى تقرير صادر عن «تشالنجر، غراي آند كريسمس» 54,836 تسريحاً للعمال العام الماضي مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي، وهذا لا يمثل سوى %4.5 من إجمالي إعلانات خفض الوظائف.
ويشير بن ماي، مدير أبحاث الاقتصاد الكلي العالمي في أكسفورد إيكونوميكس، إلى أن «ربط فقدان الوظائف بزيادة استخدام الذكاء الاصطناعي، بدلاً من عوامل سلبية أخرى مثل ضعف الطلب أو التوظيف المفرط في الماضي، يبعث برسالة أكثر إيجابية للمستثمرين».
وخلصت ورقة بحثية أكاديمية حديثة، استناداً إلى بيانات الشواغر الشهرية في الولايات المتحدة، إلى عدم وجود تأثير يذكر على فرص العمل أو إجمالي الوظائف في القطاعات الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي منذ ظهور هذه التقنية.
وبناءً على ذلك، وجد تحليل أمريكي أجراه مختبر ييل للميزانية أن التركيبة العامة للوظائف تتغير بوتيرة أسرع مما كانت عليه خلال فترات التغير التكنولوجي السابقة، لكن ليس بشكل ملحوظ.
وفي الواقع، شهدت الولايات المتحدة ومنطقة اليورو زيادة عامة في التوظيف في الوظائف المكتبية - بما في ذلك المناصب المهنية والإدارية والمكتبية، والتي غالباً ما تعتبر معرضة لخطر الاستغناء عنها بسبب الذكاء الاصطناعي - منذ إطلاق «شات جي بي تي».
ويشير ديفيد ديمينغ، خبير اقتصادات العمل وأستاذ في جامعة هارفارد، إلى أن الشباب تاريخياً كانوا الأكثر استفادة خلال فترات التغيير التكنولوجي. ويقول: «على مدى القرن الماضي، فضلت الابتكارات الثورية عموماً الشباب والمتعلمين تعليماً جيداً. أما اليوم فإن إلمام الشباب بالتكنولوجيا وقدرتهم على إعادة التدريب يتيح لهم التكيف مع أساليب العمل الجديدة».
وتأكيداً لذلك، أظهرت دراسة أمريكية أجراها بيتر هودوميت وروبرت ويليس عام 2021 أن العمال الأكبر سناً والأقل دراية بالتكنولوجيا كانوا الأكثر تضرراً من ثورة تكنولوجيا المعلومات التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، فقد واجهوا تخفيضات في الرواتب، وتقاعداً مبكراً، ونقلاً إلى وظائف أقل كثافة.
وعموماً، كان التغير التكنولوجي المحرك الرئيسي لنمو التوظيف عبر التاريخ. ووجد تحليل أكاديمي أجري عام 2022، استناداً إلى بيانات أمريكية، أن %60 من العاملين اليوم يشغلون وظائف لم تكن موجودة عام 1940.
ويحدث خلق الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا عبر قنوات متعددة، حيث يمكنها خلق وظائف جديدة بشكل مباشر، كما فعلت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو.
اليوم، هناك طلب متزايد على الأدوار التي تركز على تطوير وتدريب وإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي. تقدر «لينكدإن» أن الذكاء الاصطناعي قد خلق 1.3 مليون وظيفة جديدة على مستوى العالم بين عامي 2023 و2025.
ويمكن أيضاً للذكاء الاصطناعي خلق وظائف جديدة من خلال التخصص، كما هو الحال مع فنيي الروبوتات وفنيي التصوير الطبي. أخيراً، يمكنها تعزيز الطلب الاختياري في وظائف، مثل الرعاية الشخصية، التي تنشأ نتيجة لأي مكاسب في الدخل.
وبطبيعة الحال، قد يكون للذكاء الاصطناعي تأثير تحويلي أكبر من التقنيات السابقة، لكن هذا لا يعني بالضرورة الاستغناء عن عدد كبير من الوظائف.
لكن الخلاصة هي أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل اليوم ليس بالحدة التي تصورها العناوين الرئيسية، كما أن تأثير هذه التقنية على التوظيف في المستقبل ليس بالضرورة سلبياً، ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لن يقلص بعض الوظائف أو أنه لا يقلصها بالفعل.
ويزيد الوضع الراهن لسوق العمل في الاقتصادات المتقدمة من حدة القلق المتزايد، إذ ترتفع معدلات البطالة، وتزداد صعوبة إيجاد وظائف للمبتدئين، وتبلغ الشركات عن موجة من التسريحات المرتبطة بالتكنولوجيا. لكنني أتبنى موقفاً مخالفاً يدحض هذه الرواية القاتمة.
صحيح أن أسواق العمل في الاقتصادات القائمة على الخدمات والمعرفة قد شهدت تباطؤاً منذ إطلاق شات جي بي تي، في نوفمبر 2022، لكن الارتباط لا يعني السببية.
وبالتركيز على الولايات المتحدة، حيث الاستثمار في الذكاء الاصطناعي واعتماده بارز بدرجة كبيرة، يستشهد بانخفاض في فرص العمل المتاحة منذ حوالي عام 2023 كدليل على تأثير التكنولوجيا السلبي على الوظائف.
لكن بالتدقيق ينهار هذا التقييم، إذ نلاحظ أن انخفاض الوظائف الشاغرة يسبق إطلاق النماذج اللغوية الضخمة من «أوبن ايه آي»، وأنه تزامن مع فترة ضغط فيها الاحتياطي الفيدرالي على الاقتصاد الأمريكي برفع أسعار الفائدة بمقدار 5 نقاط مئوية.
علاوة على ذلك، وبسبب الطفرة التي أعقبت الجائحة في فرص العمل والتوظيف، يبدو أن الانخفاض اللاحق يعكس عودة الأمور إلى طبيعتها. وتستمر هذه الاتجاهات العامة في التوظيف ورفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية في العديد من دول مجموعة السبع خلال الفترة نفسها.
وهناك أيضاً عوامل أخرى غير الذكاء الاصطناعي تسهم في ضعف سوق العمل، فعلى سبيل المثال، في بريطانيا، يرتبط ارتفاع معدل بطالة الشباب جزئياً بسياسات حكومة حزب العمال، مثل زيادة ضريبة الرواتب.
وفي منطقة اليورو، قد يفسر الارتفاع الملحوظ في نسبة الشباب في العشرينيات من العمر الحاصلين على تعليم جامعي بين عامي 2019 و2024 جزئياً سبب ارتفاع معدل بطالة الخريجين هناك بوتيرة أسرع من معدل البطالة العام.
وبالمثل، ينبغي التعامل بحذر مع عناوين الأخبار الرئيسية للشركات التي تتحدث عن فقدان الوظائف المرتبط بالتكنولوجيا. ففي الولايات المتحدة، أحصى تقرير صادر عن «تشالنجر، غراي آند كريسمس» 54,836 تسريحاً للعمال العام الماضي مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي، وهذا لا يمثل سوى %4.5 من إجمالي إعلانات خفض الوظائف.
ويشير بن ماي، مدير أبحاث الاقتصاد الكلي العالمي في أكسفورد إيكونوميكس، إلى أن «ربط فقدان الوظائف بزيادة استخدام الذكاء الاصطناعي، بدلاً من عوامل سلبية أخرى مثل ضعف الطلب أو التوظيف المفرط في الماضي، يبعث برسالة أكثر إيجابية للمستثمرين».
وخلصت ورقة بحثية أكاديمية حديثة، استناداً إلى بيانات الشواغر الشهرية في الولايات المتحدة، إلى عدم وجود تأثير يذكر على فرص العمل أو إجمالي الوظائف في القطاعات الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي منذ ظهور هذه التقنية.
وبناءً على ذلك، وجد تحليل أمريكي أجراه مختبر ييل للميزانية أن التركيبة العامة للوظائف تتغير بوتيرة أسرع مما كانت عليه خلال فترات التغير التكنولوجي السابقة، لكن ليس بشكل ملحوظ.
وفي الواقع، شهدت الولايات المتحدة ومنطقة اليورو زيادة عامة في التوظيف في الوظائف المكتبية - بما في ذلك المناصب المهنية والإدارية والمكتبية، والتي غالباً ما تعتبر معرضة لخطر الاستغناء عنها بسبب الذكاء الاصطناعي - منذ إطلاق «شات جي بي تي».
ويشير ديفيد ديمينغ، خبير اقتصادات العمل وأستاذ في جامعة هارفارد، إلى أن الشباب تاريخياً كانوا الأكثر استفادة خلال فترات التغيير التكنولوجي. ويقول: «على مدى القرن الماضي، فضلت الابتكارات الثورية عموماً الشباب والمتعلمين تعليماً جيداً. أما اليوم فإن إلمام الشباب بالتكنولوجيا وقدرتهم على إعادة التدريب يتيح لهم التكيف مع أساليب العمل الجديدة».
وتأكيداً لذلك، أظهرت دراسة أمريكية أجراها بيتر هودوميت وروبرت ويليس عام 2021 أن العمال الأكبر سناً والأقل دراية بالتكنولوجيا كانوا الأكثر تضرراً من ثورة تكنولوجيا المعلومات التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، فقد واجهوا تخفيضات في الرواتب، وتقاعداً مبكراً، ونقلاً إلى وظائف أقل كثافة.
وعموماً، كان التغير التكنولوجي المحرك الرئيسي لنمو التوظيف عبر التاريخ. ووجد تحليل أكاديمي أجري عام 2022، استناداً إلى بيانات أمريكية، أن %60 من العاملين اليوم يشغلون وظائف لم تكن موجودة عام 1940.
ويحدث خلق الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا عبر قنوات متعددة، حيث يمكنها خلق وظائف جديدة بشكل مباشر، كما فعلت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو.
اليوم، هناك طلب متزايد على الأدوار التي تركز على تطوير وتدريب وإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي. تقدر «لينكدإن» أن الذكاء الاصطناعي قد خلق 1.3 مليون وظيفة جديدة على مستوى العالم بين عامي 2023 و2025.
ويمكن أيضاً للذكاء الاصطناعي خلق وظائف جديدة من خلال التخصص، كما هو الحال مع فنيي الروبوتات وفنيي التصوير الطبي. أخيراً، يمكنها تعزيز الطلب الاختياري في وظائف، مثل الرعاية الشخصية، التي تنشأ نتيجة لأي مكاسب في الدخل.
وبطبيعة الحال، قد يكون للذكاء الاصطناعي تأثير تحويلي أكبر من التقنيات السابقة، لكن هذا لا يعني بالضرورة الاستغناء عن عدد كبير من الوظائف.
لكن الخلاصة هي أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل اليوم ليس بالحدة التي تصورها العناوين الرئيسية، كما أن تأثير هذه التقنية على التوظيف في المستقبل ليس بالضرورة سلبياً، ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لن يقلص بعض الوظائف أو أنه لا يقلصها بالفعل.
نيسان ـ نشر في 2026/02/03 الساعة 00:00