عبد الهادي بلخياط: الغياب وتمام الحضور
نيسان ـ نشر في 2026/02/10 الساعة 00:00
من الصعب أن نكتب عن عبد الهادي بلخياط، بينما لا يزال خبر وفاته يخيم بحزنه على القلوب، لكن القلم يأبى إلا أن يمسك بطرف من سيرة فنية عظيمة، اكتملت بالرحيل، لتكتسب وجوداً جديداً وتمضي في طريقها نحو الذاكرة الخالدة. رحل الفنان عبد الهادي بلخياط منذ أيام قليلة، رحل المطرب المغربي الكبير، الذي هو من أعز من يفخر بهم المغرب ويزهو، وبمثله لا يجود الزمان كثيراً. ماذا يمثل بلخياط بالنسبة للمغرب؟ هو جزء لا يستهان به من تاريخه الفني وهويته الثقافية ووجدانه العام، فلا يمكن الحديث عن تاريخ الغناء والطرب في المغرب، من دون أن يكون اسم عبد الهادي بلخياط بين أول ما يذكر من أسماء، فقد أهدى بلاده ثروة فنية كبيرة، تبلغ من الإجادة الفنية أعلى المراتب. وماذا يمثل بلخياط بالنسبة للغناء العربي عموماً؟ هو بلا جدال من صفوة الأصوات العربية على الإطلاق، بل من صفوة الصفوة، إذ تفوق على كثيرين في غناء القصيدة العربية، وكذلك في الغناء باللهجة المغربية الدارجة، بالإضافة إلى تنوع مجالات وفنون الأداء لديه، وعنده يجد السامع العربي تنغيماً جديداً على الأذن، وطرباً فريداً بصوت شديد الجمال والتميز، وأقصى درجات الإتقان الفني، كما يجد من التحف الموسيقية ما يأسر الوجدان ويثري الذوق والإحساس ويدهش الخيال.
وربما لن يختلف معي أحد إذا قلت إن قصيدة «القمر الأحمر»، وقد كتبت عنها من قبل مقالاً منفرداً، تأتي على رأس قائمة أعمال عبد الهادي بلخياط، كأعجوبة نادرة، وعمل فني اجتمعت فيه عناصر الإبداع وقاربت حد الكمال. وقد يرى البعض أنها من أسمى النماذج في تلحين وغناء القصيدة العربية، هي القصيدة التي أدهشت الموسيقار محمد عبد الوهاب، وآثر أن يضمها إلى ما يحتفظ به من قطع في مكتبته الموسيقية. وكما تأتي هذه القصيدة على رأس قائمة أعمال عبد الهادي بلخياط، فإنها كذلك كانت من بواكير أعماله، حيث كان لا يزال في بداية العشرينيات من عمره، هو والشاعر عبد الرفيع جواهري مؤلف تلك القصيدة الرائعة، وعبد السلام عامر ملحنها العبقري، ورغم حداثة أعمارهم أبدعوا ثلاثتهم مثالاً سامياً للقصيدة العربية المغناة.
الأغنية المغربية الحديثة
المغرب بلد غني بالموسيقى، يتنوع فيه النغم والإيقاع والغناء بشكل كبير، ولكل نوع عمقه الثقافي والتاريخي الممتد إلى أزمنة بعيدة، ومنه ما انتقل تأثيره إلى أوروبا في عصور معينة. في مطلع الستينيات في فترة ما بعد استقلال المغرب عن الحماية الإسبانية والحماية الفرنسية، ومع شمس جديدة أشرقت مواهب فنية كثيرة تتطلع إلى الكمال، وعلى مستوى الغناء إلى جانب مجموعة من الأصوات الأخرى الرائعة، برز عبد الهادي بلخياط وعبد الوهاب الدكالي كأصوات، أو كأهرام ثلاثة تقف شامخة، اتفقوا في الجمال وتفرد كل منهم بطابعه وأسلوبه وإحساسه، وقد شكلوا مع من رافقهم من شعراء وملحنين، جيلاً وحركة فنية رسمت وجهاً جديداً للأغنية المغربية الحديثة في ذلك الزمن.
ولد عبد الهادي بلخياط عام 1940 في مدينة فاس العريقة، ثم انتقل إلى الدار البيضاء ومنها إلى الرباط حيث الانطلاقة الفنية، التي كانت من خلال الإذاعة بطبيعة الحال، التقى صوته بأسماع الجمهور المغربي الذي عشق ذلك الصوت، الذي عندما يستمع إليه المرء يشعر بأنه يتلقى الغناء من أعذب موارده وأصفاها. ذهب إلى مصر في الستينيات ليمتع الجمهور المصري ببديع أغانيه، وأقام عدة حفلات على مسارح القاهرة والإسكندرية، كما نال تقديراً من القصر الملكي في الرباط في عهد الحسن الثاني ومحمد السادس. وهناك في القصر اجتمع أكثر من مرة بالموسيقار محمد عبد الوهاب، وعندما استمع عبد الوهاب إلى صوته، طلب من الملك الحسن أن يبعث بلخياط إلى مصر من أجل أن يعد له مجموعة من الأعمال، فانفرد الحسن الثاني بعبد الهادي بلخياط ثم حدثه قائلاً: «هو عبد الوهاب في بلاده، وأنت عبد الهادي في بلادك، والله إلا مشيت معاه ندخلك الحبس». وهذا من طريف ما يرويه عبد الهادي بلخياط نفسه ضاحكاً في حواراته التلفزيونية.
كان الحسن الثاني مهتماً بالفنون كما هو معروف، وفي عصره فتحت أبواب القصر للكثير من فناني المغرب، في الغناء والموسيقى والتمثيل والكوميديا، وكثيراً ما نجد فناناً مغربياً يروي موقفاً أو حديثاُ مباشراً كان بينه وبين الملك الراحل، ومن مصر تعددت زيارات بعض الفنانين إلى القصر الملكي وعلى رأسهم عبد الحليم حافظ. ما رواه بلخياط يعكس اهتماماً آخر ورؤية أخرى امتلكها الحسن الثاني تجاه الفن، فالحفاظ على الفنان يعد حفاظاً على ثقافة الوطن وهويته وقوته الناعمة، لا بأس بالطبع أن يغني فنان مغربي باللهجة المصرية، أو بأي لهجة عربية أخرى، لكن لا بد أن تقام الأغنية المغربية بلهجتها، وأن تسخر المواهب من أجل إعلاء الفن في أوطانها. والفنان الحق في أي بلد من البلدان يعد ثروة وطنية يجب أن تقدر قيمتها، والفن في وطنه يقام وفق شروط بيئته ومحيطه الثقافي، وذوقه المحلي وأهدافه المرجوة من أجل الارتقاء الدائم، وبهذا يكتسب المزيد من الإعجاب الخارجي ويكون سفيراً لثقافة بلاده، وقد رأينا ما حدث في مصر على سبيل المثال من انهيار وتدهور في بعض مجالات الفنون، عندما بات يعمل وفق شروط خارجة عن البيئة المصرية، وأخذ يخاطب ذوقاً آخر ليصير غريباً في بلده.
كانت كلمات الحسن الثاني لعبد الهادي بلخياط وهو لا يزال مطرباً شاباً في العشرينيات من عمره، تذكيراً له بأهمية رسوخه في أرضه وبلاده، والغناء بلسانها والتعبير عن مشاعر وأحاسيس وهموم الشعب الذي ينتمي إليه، وكان الحسن الثاني أيضاً هو من اقترح عليه غناء قصيدة «المنفرجة» وهي من درر الغناء الديني، تلك القصيدة المباركة التي لها شأن عظيم في المغرب، ينشدها المنشدون وترددها الألسنة في جنبات الزوايا والمحافل المختلفة، وقد غناها بلخياط بأروع وأجمل ما يكون، وقد كتبت عنها هي الأخرى مقالاً منفرداً من قبل، واليوم تختلف الكتابة ويختلف السماع، وترتبك المشاعر بين الحضور والغياب، فالحضور خالطه الغياب والغياب صار حضوراً مغايراً لم نألفه من قبل، لكنه حضور باق لن يعرف غياباً بعد الآن.
جمال الصوت الرصين
امتلك عبد الهادي بلخياط ناصية الغناء في مساحات شاسعة منه، بصوت رخيم رصين طويل النفس، شديد الصفاء والنقاء، تجتمع فيه القوة مع العذوبة والحلاوة، مع فخامة اللفظ وعمق التعبير وحسن الأداء، وكان إذ يرسل صوته الجميل في أي لون من ألوان الغناء دينياً كان أم وطنياً أم عاطفياً، يستحوذ على السامع تماماً وينتقل به من حال إلى حال، ويغوص به في جماليات الغناء والتنغيم. تغنى بلخياط بالكلمات الثرية معنى وخيالاً والجميلة تركيباً وبياناً، سواء كانت فصيحة أم عامية، لم يكتب بلخياط قصائده وأشعاره الغنائية، لكن اختيارات المطرب دائماً ما تكون دالة، وكاشفة عما إذا كانت نفسه ممتلئة بمخزون فني يمكنه من الانتقاء، أم أن تلك النفس فارغة خاوية تلتقط ما يلقى إليها دون قدرة على التمييز بين الجيد والرديء. كما يدل اختيار المطرب للكلمة على ذوقه ورؤيته لما يجب أن يقدمه للجمهور، وكلما ارتقى ذوق المطرب في اختياره دل ذلك على أنه ينظر للجمهور بعين الإكبار، ويرى أنه يستحق سماع الكلمة الراقية ذات المعنى الجميل والنغم الساحر والطرب البديع، وأنه لا ينظر إليه بعين الاحتقار كما لو كان زبوناً مغفلاً لا يريد منه سوى أمواله، وأن يكون مجرد رقم يزيد أرقام المستمعين، ولا يخرج هذا الزبون إلا وقد أصيب بضرر بالغ في ذوقه، وتلوثت نفسه بقبيح الكلمات والألحان والأصوات، وشتان بين مطرب وجد ليضيف جمالاً إلى هذا العالم، وآخر وجد لينشر القبح. وقد أضاف بلخياط الجمال في كل ما غنى، فأبدع أيما إبداع في غناء القصيدة الرصينة، والأغنية العاطفية الراقية، وكذلك الأغنية الدارجة التي تتخذ من مواضيع الحياة على أرض الواقع مادة، تعيد تقديمها مغلفة بالموسيقى والكلمات الشاعرية وصور الخيال.
عرف المغاربة عبد الهادي بلخياط وعرفناه بملامحه الطيبة، وحديثه النبيل ونفسه التي تفيض فناً وموهبة، مع مسحة الهدوء والوداعة والوقار التي لازمته منذ أن كان شاباً، وكللت بالطمأنينة والسكينة بعد أن صار شيخاً. قبل رحيله في الفترة الأخيرة من حياته، كان هناك غياب من نوع آخر أو تراوح بين الغياب والحضور، فمع التقدم في العمر، وربما لاحتياج روحي خاص أعلن بلخياط اعتزاله الغناء، ثم أطلق لحيته ولم يعد يظهر إلا بالملابس المغربية التقليدية، لكنه لم يعتزل الغناء بالفعل، وظل حاضراً لكن بشكل آخر، واقتصر على أداء الأعمال الدينية والوطنية، وأقام العديد من الحفلات مع الفرق الموسيقية الكبرى على مسارح المغرب. رحل عبد الهادي بلخياط تاركاً لبلاده فناً رفيعاً وطرباً يسمو به الوجدان، وسوف يظل صوته يتردد على أسماع المغاربة وفي ذاكرتهم، ويتطلع إليه كل عربي يهوى الأصيل من الفن.
كاتبة مصرية
وربما لن يختلف معي أحد إذا قلت إن قصيدة «القمر الأحمر»، وقد كتبت عنها من قبل مقالاً منفرداً، تأتي على رأس قائمة أعمال عبد الهادي بلخياط، كأعجوبة نادرة، وعمل فني اجتمعت فيه عناصر الإبداع وقاربت حد الكمال. وقد يرى البعض أنها من أسمى النماذج في تلحين وغناء القصيدة العربية، هي القصيدة التي أدهشت الموسيقار محمد عبد الوهاب، وآثر أن يضمها إلى ما يحتفظ به من قطع في مكتبته الموسيقية. وكما تأتي هذه القصيدة على رأس قائمة أعمال عبد الهادي بلخياط، فإنها كذلك كانت من بواكير أعماله، حيث كان لا يزال في بداية العشرينيات من عمره، هو والشاعر عبد الرفيع جواهري مؤلف تلك القصيدة الرائعة، وعبد السلام عامر ملحنها العبقري، ورغم حداثة أعمارهم أبدعوا ثلاثتهم مثالاً سامياً للقصيدة العربية المغناة.
الأغنية المغربية الحديثة
المغرب بلد غني بالموسيقى، يتنوع فيه النغم والإيقاع والغناء بشكل كبير، ولكل نوع عمقه الثقافي والتاريخي الممتد إلى أزمنة بعيدة، ومنه ما انتقل تأثيره إلى أوروبا في عصور معينة. في مطلع الستينيات في فترة ما بعد استقلال المغرب عن الحماية الإسبانية والحماية الفرنسية، ومع شمس جديدة أشرقت مواهب فنية كثيرة تتطلع إلى الكمال، وعلى مستوى الغناء إلى جانب مجموعة من الأصوات الأخرى الرائعة، برز عبد الهادي بلخياط وعبد الوهاب الدكالي كأصوات، أو كأهرام ثلاثة تقف شامخة، اتفقوا في الجمال وتفرد كل منهم بطابعه وأسلوبه وإحساسه، وقد شكلوا مع من رافقهم من شعراء وملحنين، جيلاً وحركة فنية رسمت وجهاً جديداً للأغنية المغربية الحديثة في ذلك الزمن.
ولد عبد الهادي بلخياط عام 1940 في مدينة فاس العريقة، ثم انتقل إلى الدار البيضاء ومنها إلى الرباط حيث الانطلاقة الفنية، التي كانت من خلال الإذاعة بطبيعة الحال، التقى صوته بأسماع الجمهور المغربي الذي عشق ذلك الصوت، الذي عندما يستمع إليه المرء يشعر بأنه يتلقى الغناء من أعذب موارده وأصفاها. ذهب إلى مصر في الستينيات ليمتع الجمهور المصري ببديع أغانيه، وأقام عدة حفلات على مسارح القاهرة والإسكندرية، كما نال تقديراً من القصر الملكي في الرباط في عهد الحسن الثاني ومحمد السادس. وهناك في القصر اجتمع أكثر من مرة بالموسيقار محمد عبد الوهاب، وعندما استمع عبد الوهاب إلى صوته، طلب من الملك الحسن أن يبعث بلخياط إلى مصر من أجل أن يعد له مجموعة من الأعمال، فانفرد الحسن الثاني بعبد الهادي بلخياط ثم حدثه قائلاً: «هو عبد الوهاب في بلاده، وأنت عبد الهادي في بلادك، والله إلا مشيت معاه ندخلك الحبس». وهذا من طريف ما يرويه عبد الهادي بلخياط نفسه ضاحكاً في حواراته التلفزيونية.
كان الحسن الثاني مهتماً بالفنون كما هو معروف، وفي عصره فتحت أبواب القصر للكثير من فناني المغرب، في الغناء والموسيقى والتمثيل والكوميديا، وكثيراً ما نجد فناناً مغربياً يروي موقفاً أو حديثاُ مباشراً كان بينه وبين الملك الراحل، ومن مصر تعددت زيارات بعض الفنانين إلى القصر الملكي وعلى رأسهم عبد الحليم حافظ. ما رواه بلخياط يعكس اهتماماً آخر ورؤية أخرى امتلكها الحسن الثاني تجاه الفن، فالحفاظ على الفنان يعد حفاظاً على ثقافة الوطن وهويته وقوته الناعمة، لا بأس بالطبع أن يغني فنان مغربي باللهجة المصرية، أو بأي لهجة عربية أخرى، لكن لا بد أن تقام الأغنية المغربية بلهجتها، وأن تسخر المواهب من أجل إعلاء الفن في أوطانها. والفنان الحق في أي بلد من البلدان يعد ثروة وطنية يجب أن تقدر قيمتها، والفن في وطنه يقام وفق شروط بيئته ومحيطه الثقافي، وذوقه المحلي وأهدافه المرجوة من أجل الارتقاء الدائم، وبهذا يكتسب المزيد من الإعجاب الخارجي ويكون سفيراً لثقافة بلاده، وقد رأينا ما حدث في مصر على سبيل المثال من انهيار وتدهور في بعض مجالات الفنون، عندما بات يعمل وفق شروط خارجة عن البيئة المصرية، وأخذ يخاطب ذوقاً آخر ليصير غريباً في بلده.
كانت كلمات الحسن الثاني لعبد الهادي بلخياط وهو لا يزال مطرباً شاباً في العشرينيات من عمره، تذكيراً له بأهمية رسوخه في أرضه وبلاده، والغناء بلسانها والتعبير عن مشاعر وأحاسيس وهموم الشعب الذي ينتمي إليه، وكان الحسن الثاني أيضاً هو من اقترح عليه غناء قصيدة «المنفرجة» وهي من درر الغناء الديني، تلك القصيدة المباركة التي لها شأن عظيم في المغرب، ينشدها المنشدون وترددها الألسنة في جنبات الزوايا والمحافل المختلفة، وقد غناها بلخياط بأروع وأجمل ما يكون، وقد كتبت عنها هي الأخرى مقالاً منفرداً من قبل، واليوم تختلف الكتابة ويختلف السماع، وترتبك المشاعر بين الحضور والغياب، فالحضور خالطه الغياب والغياب صار حضوراً مغايراً لم نألفه من قبل، لكنه حضور باق لن يعرف غياباً بعد الآن.
جمال الصوت الرصين
امتلك عبد الهادي بلخياط ناصية الغناء في مساحات شاسعة منه، بصوت رخيم رصين طويل النفس، شديد الصفاء والنقاء، تجتمع فيه القوة مع العذوبة والحلاوة، مع فخامة اللفظ وعمق التعبير وحسن الأداء، وكان إذ يرسل صوته الجميل في أي لون من ألوان الغناء دينياً كان أم وطنياً أم عاطفياً، يستحوذ على السامع تماماً وينتقل به من حال إلى حال، ويغوص به في جماليات الغناء والتنغيم. تغنى بلخياط بالكلمات الثرية معنى وخيالاً والجميلة تركيباً وبياناً، سواء كانت فصيحة أم عامية، لم يكتب بلخياط قصائده وأشعاره الغنائية، لكن اختيارات المطرب دائماً ما تكون دالة، وكاشفة عما إذا كانت نفسه ممتلئة بمخزون فني يمكنه من الانتقاء، أم أن تلك النفس فارغة خاوية تلتقط ما يلقى إليها دون قدرة على التمييز بين الجيد والرديء. كما يدل اختيار المطرب للكلمة على ذوقه ورؤيته لما يجب أن يقدمه للجمهور، وكلما ارتقى ذوق المطرب في اختياره دل ذلك على أنه ينظر للجمهور بعين الإكبار، ويرى أنه يستحق سماع الكلمة الراقية ذات المعنى الجميل والنغم الساحر والطرب البديع، وأنه لا ينظر إليه بعين الاحتقار كما لو كان زبوناً مغفلاً لا يريد منه سوى أمواله، وأن يكون مجرد رقم يزيد أرقام المستمعين، ولا يخرج هذا الزبون إلا وقد أصيب بضرر بالغ في ذوقه، وتلوثت نفسه بقبيح الكلمات والألحان والأصوات، وشتان بين مطرب وجد ليضيف جمالاً إلى هذا العالم، وآخر وجد لينشر القبح. وقد أضاف بلخياط الجمال في كل ما غنى، فأبدع أيما إبداع في غناء القصيدة الرصينة، والأغنية العاطفية الراقية، وكذلك الأغنية الدارجة التي تتخذ من مواضيع الحياة على أرض الواقع مادة، تعيد تقديمها مغلفة بالموسيقى والكلمات الشاعرية وصور الخيال.
عرف المغاربة عبد الهادي بلخياط وعرفناه بملامحه الطيبة، وحديثه النبيل ونفسه التي تفيض فناً وموهبة، مع مسحة الهدوء والوداعة والوقار التي لازمته منذ أن كان شاباً، وكللت بالطمأنينة والسكينة بعد أن صار شيخاً. قبل رحيله في الفترة الأخيرة من حياته، كان هناك غياب من نوع آخر أو تراوح بين الغياب والحضور، فمع التقدم في العمر، وربما لاحتياج روحي خاص أعلن بلخياط اعتزاله الغناء، ثم أطلق لحيته ولم يعد يظهر إلا بالملابس المغربية التقليدية، لكنه لم يعتزل الغناء بالفعل، وظل حاضراً لكن بشكل آخر، واقتصر على أداء الأعمال الدينية والوطنية، وأقام العديد من الحفلات مع الفرق الموسيقية الكبرى على مسارح المغرب. رحل عبد الهادي بلخياط تاركاً لبلاده فناً رفيعاً وطرباً يسمو به الوجدان، وسوف يظل صوته يتردد على أسماع المغاربة وفي ذاكرتهم، ويتطلع إليه كل عربي يهوى الأصيل من الفن.
كاتبة مصرية
نيسان ـ نشر في 2026/02/10 الساعة 00:00