هل من الممكن عودة الأمور في أمريكا إلى سابق عهدها بعد ترامب؟

نيسان ـ نشر في 2026/02/11 الساعة 00:00
«إنها أربع سنوات فقط وستمضي»، هكذا علّق مسؤول بريطاني رفيع المستوى متذمراً عند الإعلان عن فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية لعام 2024. كانت الفكرة واضحة:
على حلفاء أمريكا أن يترقبوا بقلق حتى انتهاء فترة ولاية ترامب الثانية. ففي نهاية المطاف، ستعود أمريكا القديمة التي يعرفها هؤلاء الحلفاء.
لكن بعد عام، تغير المزاج بشكل جذري. وفي خطابه الشهير في دافوس، أكد مارك كارني، رئيس وزراء كندا ذلك بقوله: «نعلم أن النظام القديم لن يعود». وهذا الرأي أصبح شائعاً بشكل متزايد. والرأي السائد الجديد الآن هو أن رئاسة ترامب ليست شذوذاً مؤقتاً. بل على العكس من ذلك.
فإن ترامب يمثل قوى عميقة في أمريكا لن تختفي بمغادرته البيت الأبيض. ولن يكون هناك عودة إلى الوضع السابق، لا على الساحة الدولية ولا في الولايات المتحدة نفسها.
لكن، مثل أي رأي سائد، يستحق هذا الرأي الجديد التدقيق. فمع تزايد استحالة تبرير سلوك ترامب، محلياً ودولياً، بدأت أخيراً ردة فعل حقيقية. وقد تكتسب هذه الردة زخماً، وتتوج في نهاية المطاف برفض شامل لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً».
لقد شرع حلفاء أمريكا في رفع أصواتهم واستعادة بعض الشجاعة. وكان خطاب كارني مثالاً على ذلك، وكذلك كانت إدانة السير كير ستارمر لتجاهل ترامب لتضحيات القوات البريطانية وقوات التحالف في أفغانستان.
كذلك، في الأسبوع الماضي، رفض رئيس البرلمان البولندي التوقيع على عريضة تطالب بمنح ترامب جائزة نوبل للسلام؛ كما أشار نائب بالبرلمان البولندي موضحاً أن: «الزمن الذي طالب فيه نيرون، مع التهديد بالعقاب، بالاعتراف بمواهبه الموسيقية، اعتبر بداية انحدار الإمبراطورية الرومانية».
في الوقت نفسه، يجب أن تحدث ردة فعل حقيقية في الولايات المتحدة نفسها. وهنا أيضاً، بدأ الزخم يتزايد. فقد خرج آلاف الأمريكيين العاديين إلى شوارع مينيابوليس للاحتجاج على أساليب إدارة الهجرة والجمارك العنيفة.
والتي أودت بحياة أمريكيين اثنين. وقد أعرب كبار أعضاء حزب الرئيس عن استنكارهم للأحداث في مينيسوتا، ورفضوا تهديدات ترامب لغرينلاند.
وأخيراً، شعر العديد من الجمهوريين بالرعب من المنشور العنصري الذي نشره ترامب عن عائلة أوباما، ما أجبر البيت الأبيض على حذفه. كما بدأ رجال أعمال بارزون في التعبير عن آرائهم.
فخلال الأسبوع الماضي، أشار كين غريفين من شركة سيتادل، وهو مانح جمهوري ومدير صندوق تحوط، إلى أن قرارات إدارة ترامب كانت «مُثرية للغاية» لعائلته.
وللأسف، لن يكون لكل هذا تأثير يُذكر إذا استمر الشعب الأمريكي في التصويت لترامب وأتباعه. لكن الانتخابات الفرعية الأخيرة أفرزت نتائج سيئة بالنسبة للجمهوريين المؤيدين لترامب، حتى في معاقلهم التقليدية مثل تكساس ولويزيانا وفلوريدا.
ولذلك، هناك مخاوف بين كبار الشخصيات بحزب ترامب من خسارة الجمهوريين لمجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وهكذا، فإن تزايد ردود الفعل السلبية ضد ترامب يعزز من احتمالية أن يُنظر إلى رئاسته في نهاية المطاف على أنها مجرد شذوذ، وليست تحولاً دائماً. ورغم أن صعوبة عودة الولايات المتحدة إلى سياسات ما قبل عهد ترامب تبدو واقعية ومنطقية.
فقد أثبتت دول عدة أنها بإمكانها أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، حيث استعادت اليونان ديمقراطيتها عام 1975 بعد سبع سنوات من حكم مجموعة من الضباط.
كما عاشت الهند تحت حالة الطوارئ لمدة 21 شهراً في سبعينيات القرن الماضي، مع انتهاكات واسعة النطاق للحريات المدنية، إلى أن مُني حزب المؤتمر الحاكم بهزيمة ساحقة في الانتخابات التالية.
وبالعودة إلى الوراء قليلًا، شهدت إنجلترا حرباً أهلية وجمهورية دامت أحد عشر عاماً، قبل أن تعود الملكية عام 1660. فلماذا نستبعد فكرة عودة أمريكا إلى سابق عهدها؟
وإذا بدا هذا التفاؤل مفرطاً، فلننظر إلى مركز كينيدي، الذي تم تغيير اسمه الآن إلى مركز ترامب- كينيدي من قِبل المقربين من الرئيس. فمن يصدق حقاً أن مركز الفنون الرائد في واشنطن سيُسمى مركز ترامب- كينيدي إلى الأبد؟ في وقت ما في المستقبل، لا بد وأنه ستتم إزالة اسم ترامب من على المبنى لتطوى هذ الصفحة المحرجة بالكامل.
وقد حدث تطور غير متوقع في هذا السياق، فعندما تبين بجلاء أن الفنانين والجمهور يقاطعون مركز ترامب- كينيدي الجديد، أعلنت الإدارة إغلاقه لمدة عامين «لأعمال ترميم». وبالنظر إلى مصير الجناح الشرقي للبيت الأبيض، فمن يدري كيف سيبدو المبنى في عام 2028؟
فما زال أمام ترامب ثلاث سنوات متبقية في منصبه، وما يزال بإمكانه إلحاق ضرر كبير بمركز كينيدي، على نطاق أوسع، بالولايات المتحدة نفسها.
إن النزعات المعادية للديمقراطية هي الخطر الأكبر. قد تقرر أمريكا رفض ترامب، لكن من غير المرجح أن يتم تقبل هذا القرار. فلم يكن هناك تقبل للهزيمة بعد خسارة انتخابات 2020.
وهو الآن محاط بأتباع مخلصين، كما يبدو أنه يحظى بدعم قوي يصل إلى 40 % من البلاد. وهذا يشير إلى احتمال حدوث عنف واضطرابات مدنية قبل أن تتحقق عملية إعادة بناء أمريكا.
وفي ظل كل هذه الشكوك، من المنطقي أن تقلل الدول اعتمادها على أمريكا. وحتى مع تنويع حلفاء أمريكا لعلاقاتهم وتحوطهم من رهاناتهم طويلة الأمد على الولايات المتحدة، ينبغي عليهم التحلي بعقلية منفتحة. فالدول، كالأفراد، قد تتراجع أحياناً عن أخطائها وتستعيد عافيتها. وبعد ترامب، يمكن أن تعود أمريكا إلى سابق عهدها.
    نيسان ـ نشر في 2026/02/11 الساعة 00:00