هل انتعاش الاقتصادات الناشئة حقيقي ومستدام أم مجرد فجر زائف؟

نيسان ـ نشر في 2026/02/12 الساعة 00:00
على الرغم من كل تداعيات ومخاطر الأجندة الحمائية المتشددة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تسود حالة من التفاؤل الحذر بين صناع السياسات ومحافظي البنوك المركزية في اقتصادات الأسواق الناشئة. وشهدت الأصول في المجموعة المتنوعة من الاقتصادات نمواً ملحوظاً.
وخلال العام الماضي، تجاوزت المؤشرات القياسية للأسهم في دول مثل كوريا الجنوبية وبولندا وفيتنام ضعف مكاسب مؤشر ستاندرد آند بورز 500 التي بلغت 16 %. كما تفوقت عوائد السندات المقومة بالعملات المحلية والائتمان السيادي على عوائد الأسواق المتقدمة. واستمر هذا الارتفاع خلال عام 2026.
وقد أسهم ضعف الدولار، الذي يُعد جزئياً نتيجة لنهج الرئيس الأمريكي المتقلب في صنع السياسات، في هذا التحسن بالاقتصادات الناشئة التي أصبحت أكثر جاذبية لتدفقات الاستثمارات الدولية. كما انخفضت ديون الاقتصادات النامية المقومة بالدولار. وكذا تراجعت تكاليف الاستيراد.
بعبارة أخرى، مع بدء ظهور سمات أمريكية غالباً ما يربطها المستثمرون بالأسواق الناشئة عالية المخاطر، ازدهرت هذه الأسواق بالفعل. لكن الرغبة في تنويع المحافظ الاستثمارية التي تركز على الولايات المتحدة وضعف الدولار ليسا السبب الوحيد. فهناك عوامل هيكلية أخرى أيضاً.
أولاً، أصبحت الدول النامية أكثر مرونة بكثير مما كانت عليه في السابق. وتُظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج، والناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
وأسعار الصرف أصبحت أقل تقلباً في الأسواق الناشئة استجابةً لصدمات النفور من المخاطرة منذ الأزمة المالية العالمية. ورغم وجود بعض الاستثناءات بطبيعة الحال، فإن هذا يعكس سياسة مالية ونقدية أكثر انضباطاً، واحتياطيات أجنبية أقوى. كما كان صناع السياسات عمليين في استجابتهم للتعريفات الأمريكية.
حيث حققوا بعض النجاح في التخفيف من أثرها من خلال المفاوضات، والاتفاقيات التجارية الجديدة، والإصلاحات المحلية. وفي الأسبوع الماضي، قفزت الأسهم الهندية بأكبر قدر لها في ثمانية أشهر بعد إعلان ترامب عن اتفاق مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي لخفض الرسوم الجمركية الأمريكية.
ثانياً، لم يعد العديد من الاقتصادات الناشئة لاعبين هامشيين في التجارة والتصنيع العالميين. فالدول العشر الأعضاء في مجموعة العشرين من الأسواق الناشئة - بما فيها الصين والهند والبرازيل - تُسهم الآن بأكثر من نصف نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
كذلك، فقد استفادت دول رائدة في التصدير، مثل كوريا الجنوبية وفيتنام وتايوان، من الطفرة الهائلة الذكاء الاصطناعي، حيث تُزوّد الشركات الأمريكية العملاقة برقائق إلكترونية ومكونات تقنية متطورة. كما عزز العديد من الاقتصادات الآسيوية الناشئة انخراطها في سلاسل التوريد غير الأمريكية.
ويعني التوسع الحضري السريع، ونمو الطبقات الاستهلاكية، ووفرة الأيدي العاملة، أن المستثمرين بدأوا ينظرون إلى شركات الأسواق الناشئة بصفتها أكثر من مجرد أداة تحوط في محافظهم الاستثمارية. وتؤكد التقييمات هذا التوجه، إذ لا تزال أسعار أسهم الأسواق الناشئة جذابة مقارنة بنظيراتها في الدول المتقدمة، وذلك بعد فترة طويلة من الإهمال.
لكن هذا كله لا يعني زوال المخاطر، ذلك انه إذا ألغت المحكمة العليا الأمريكية الرسوم الجمركية المتبادلة التي فرضها ترامب، فإن أي محاولات جديدة لإعادة فرضها عبر قنوات قانونية أخرى ستُعيد إحياء حالة عدم اليقين التجاري.
علاوة على ذلك، لا يزال إغراق الأسواق بالبضائع الصينية مصدر قلق، كما أن تباطؤ دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سيؤثر بشدة على مُصدّري التكنولوجيا. ولا تزال العديد من الدول تعاني من هشاشة اقتصادية. فعلى سبيل المثال، تعرضت الأصول الإندونيسية لضغوط متزايدة بعد الإعلان عن عدد من الإجراءات المالية المتساهلة. وهكذا، لا تزال الاضطرابات في بلدٍ ما تُضعف ثقة المستثمرين في الأسواق الناشئة.
ولضمان الحفاظ على اهتمام كبير من جانب المستثمرين الدوليين، يتعين على الاقتصادات النامية تعزيز قدرتها على الصمود. وهذا يعني مضاعفة الجهود في سبيل ترسيخ أطر مالية وسياسات نقدية فعّالة، وبناء علاقات تجارية جديدة.
ودعم تطوير قطاعات الخدمات لتكون بمثابة صمام أمان. كما أن فتح الأسواق المالية بشكل أكبر، من خلال تعزيز حوكمة الشركات، وتحسين معايير الإفصاح، وتعميق الرقابة على السوق، من شأنه أن يُسهم في تحويل الأموال الساخنة إلى استثمارات أكثر استدامة.
وسواءً كان العام الماضي بداية انتعاش اقتصادي حقيقي ومستدام أم مجرد فجرٍ زائف، فسيعتمد ذلك على الخيارات السياسية المتخذة في جاكرتا وأبوجا وخارجهما، بقدر اعتماده على تقلبات المزاج في واشنطن.
    نيسان ـ نشر في 2026/02/12 الساعة 00:00