الأثر العربي والإسلامي في أدب بوشكين

نيسان ـ نشر في 2026/02/13 الساعة 00:00
غسان إسماعيل عبد الخالق
لماذا أتذكر أبا فراس الحمداني كلما ذكر بوشكين؟! هل لأن كليهما مات دون الأربعين و(لم يُمتّع بالشباب)، أم لأن كليهما كان فارسا كريما وعاشقا كبيرا، أم لأن كليهما اكتوى بنار الأسر والوحدة، أم لأن كليهما استدرج الى حتف وكان يمكن له - أستغفر الله- أن يراوغه دون أن تعوزه الأعذار؟!
لكنني سأضرب صفحا عن الاستطراد في هذه المقارنة، التي أردت من خلالها الإلماح الى بعض المشترك بين الروس والعرب في الأقدار والثقافة، وسوف ألتفت إلى رصد الأثر العربي والإسلامي في إبداع بوشكين، الشاعر والروائي العظيم، بالقدر الذي تسمح به هذه المقالة.
إن جانبا من هذا الأثر، قد رُكِّب خِلقة في بوشكين ورغما عنه، إذ لم تعد سرا منذ أواخر القرن التاسع عشر، حقيقة أن «إبراهيم» والد جدّه لأمه، قد كان حبشيا وفي روايات أخرى أريتيريا مسلما؛ اختطفه الأتراك وهو ما زال طفلا، ثم اشتراه سفير روسيا في القسطنطينية، وأهداه إلى بطرس الأكبر الذي أعجب بإخلاصه ونجابته، فجعله من أخلص خلصائه. بل أتاح له فرصة البقاء في فرنسا- في إحدى رحلاته- لتلقّي العلوم العسكرية، ودفع به الى أعلى المناصب، حتى غدا نبيلا يحمل لقب «فارس النجمة الذهبية»، الذي كان مقتصرا على نخبة المجتمع الروسي. وقد احتفل بوشكين بهذا النسب الذي يصله بالإسلام وبإفريقية أيّما احتفال، في ملحمته التاريخية «عبد بطرس الأكبر»، وهو نسب تفضحه -على أي حال - ملامح وجهه.
كما وجد نفسه محاطا بجانب من هذا الأثر، حينما التحق عام 1817 بمدرسة «الليسيه»؛ درّة المعاهد الراقية في روسيا آنذاك، وراح يغرق شيئا فشيئا في خضم الحركة «الديسمبرية» التي ضمّت صفوة المثقفين الروس، واتخذت - مما اتخذت - من القرآن الكريم ونبي الإسلام وسيرته الحافلة بالآلام والانتصارات، مثالاً للسمو الروحي والنضال الدؤوب والتفاؤل بحتمية الظفر والانتصار.
حتى على صعيد علاقاته الشخصية، وبعيدا عن مدرسة«الليسيه»، لم يكن بمقدوره أن ينأى بنفسه عن الاستجابة لهذا الأثر؛ فأقرب أصدقائه إلى نفسه «علي» البحّار المصري الذي كان يكثر من التردّد على ميناء «أوديسا» عام1832 . وقد ظل بوشكين يحمل لهذا الصديق البّحار كثيرا من الودّ، إلى الحد الذي أقدم معه على التفرّد بارتداء الزي العربي خلال حفلة تنكرية أقيمت عام 1827، وإلقاء قصيدة لم يدخر فيها وسعا للتعبير عن حنينه لإفريقية وعشقه لمصر.
وأما بخصوص أكثر أدباء روسيا احتراما؛ أي «غوغول» ، الذي ألقى في بطرسبرغ عام 1814 محاضرة عن الخليفة العربي المسلم المأمون وعصره العباسي الذهبي، فإن بوشكين لم يجد مندوحة عن التوجه إلى المدينة والاستماع للمحاضرة، نظرا لما كان يكنّه من اهتمام عميق بالثقافة العربية والإسلامية. كما أنّ أعظم المستشرقين الروس «سينكوفسكي»، الذي كانت تربطه ببوشكين صداقة حميمة، توّج إنجازاته بكتاب «قصص شرقية»، الذي استحوذ على إعجاب بوشكين أيّما استحواذ.
وثمة من قبل، اعتبارات وعوامل وظروف تاريخية وثقافية، ما كان لبوشكين أو غيره من المثقفين أن يكون في منأى عنها؛ ثمة جوار إسلامي كثيف قائم يتمثل في الدولة العثمانية، وثمة ذكريات كثيرة وعاصفة عن التتار والمغول، بل ثمة حادثة كان يمكن أن تحوّل مجرى التاريخ الروسي برمّته، وأعني بها حقيقة إقدام الأمير فلاديمير الذي تولى الحكم في روسيا عام ???م على اعتناق الاسلام، لولا أنه ارتد عنه واعتنق المسيحية، نزولا عند رغبة الإمبراطور البيزنطي، الذي اشترط تعميد فلاديمير، مقابل الموافقة على زواجه من ابنته. وليس لنا أن نستغرب مثل هذا الإقدام، لأن روسيا كانت منذ القرن الرابع الهجري، وربما قبل ذلك بكثير، أحد الأهداف التي راحت عيون الخلافة العباسية ترنو إليها. وما زالت الرسالة التي وصف فيها «ابن فضلان» رحلته الى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة عام 921م، المصدر الأول للتاريخ الروسي القديم والغامض.
وإذا كان القرآن الكريم قد استأثر عبر حركة الاستشراق الروسي بترجمات عدة منذ عام 1716م، فإن مأثرة الشرق الفاتنة (ألف ليلة وليلة) قد راحت تنقل إلى الروسية عبر الترجمة الفرنسية منذ عام 1763م. كما أن الكلام على حركة الاستشراق الروسي، يستدعي بالضرورة الكلام على حركة الاستشراق الألماني ويعنينا منه، النفاذ الى غوته (1749-1832م) شاعر ألمانيا الأكبر الذي استأثر باهتمام واحترام بوشكين، والذي غدا القطع بعمق تأثره بالإسلام وكتابه ونبيّه، أحد المسلّمات المحسومة في زمننا هذا.
إن كل ما تقدم، يؤكد أن بوشكين تشرّب الثقافة العربية الإسلامية وعالمها ورموزها ومثُلَها. وقد تمخّض ذلك كلّه عن توظيف «ألف ليلة وليلة» في قصته الشعرية الرومنتيكية «روسلان ولودميلا» وقصائد الغزل العربي والفارسي في قصته الشعرية الرومنتيكية أيضًا «سنافورة باختشي سراي»، علاوة على بعض القصائد العاطفية الغزلية مثل «القمر يسطع» و «التعويذة» التي اتجه فيها إلى تكثيف المجازات والاستعارات والتشبيهات والغرابة والفخامة المستمدة من الشرق. كما تبرز قصائده «قبسات من القرآن الكريم» تأثره العميق بالقرآن الكريم وشخصية رسول الإسلام وسيرته.
ولعل أهم ما يمكن تأكيده ها هنا، ذلك التزامن بين الأثر العربي الإسلامي، والاتجاه نحو الرومانتيكية فالواقعية على التوالي في شعر بوشكين؛ آخر الشعراء الكلاسيكيين وأول الشعراء الرومنتيكيين الواقعيين في روسيا. ولا ريب في أن نموذج الحاكم المسلم الحازم المتفرّد المستنير العادل الرحيم القريب من رعاياه وصورته النمطية المشهورة (هارون الرشيد)، علاوة على الحرية اللامتناهية التي تمتع بها العربي ابن الصحراء المترامية الأطراف في مخيّلة بوشكين – والديسمبريين وغوته - قد كانا من أبرز الروافع التي حملت تيار الرومانتيكية، بما هي التعبير الأدبي عن حلم الخلاص الفردي، من الاضطهاد الإقطاعي المتمثل في نموذج الحاكم الغربي المستبد الفاسد الباطش، البعيد عن رعاياه. كما أنهما يفسران هذا الولع بالشرق والاسلام والعرب، إلى الحد الذي دفع بفكتور هوجو إلى أن يهتف في مقدمة ديوانه «موسيقات شرقية» قائلا: (في قرن لويس الرابع عشر كنا هيلينيين، أما الآن فقد بتنا مستشرقين)! ولعل من المفارقات الطريفة أيضًا، ملاحظة أن الرومنتيكيين الأوروبيين قد عمدوا إلى استحضار صورة الشرق في أذهانهم، إمعانا منهم في التمرّد على قيم الغرب الكلاسيكي وثقافته الرصينة الوقورة، فيما استقلب كثير من الرومنتيكيين العرب الصورة والدور، فعمدوا إلى استحضار صورة الغرب كما رسموها في أذهانهم، إمعانا منهم في السخرية من قيم الشرق الجامد والمتخلف !
إن كثيرا من هذه الملاحظات، ما كان له أن يظهر أو ينتشر، لولا جهود بعض الباحثات والباحثين المخلصين، مثل الدكتورة مكارم العمري التي نشرت كتابين ضافيين في الأدب الروسي: ( مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي، الكويت 1991) و(الرواية الروسية في القرن التاسع عشر، الكويت، 1981). والدكتورة كاتارينا موفرن التي تُرجم كتابها (غوته والعالم العربي، الكويت، 1995) إلى العربية. والأستاذ رانيلا الذي تُرجم كتابه (الماضي المشترك بين العرب والغرب، الكويت، 1999) إلى العربية أيضا . إضافة إلى كتاب رفعت سلام (بوشكين - الغجر وقصائد اخرى، بيروت،1982).
    نيسان ـ نشر في 2026/02/13 الساعة 00:00