محمود درويش في الأسلوب المتأخّر: حظ النبيّ
نيسان ـ نشر في 2026/02/22 الساعة 00:00
تلوح القصيدة مع محمود درويش في كتبه الشعريّة المتأخرة، مشرعة على أنساق ثقافيّة وفنّيّة؛ إلى حدّ تمّحي فيه الحدود والفروق بينها وبين الأجناس؛ أو هي ليست بالوضوح الكافي أو المفترض عند القارئ. وقد تعزّز الحوار بين الأدب والفنون (الموسيقى والأوبرا والرسم والعمارة والنحت والرقص والسينما، بل التصوير الفوتوغرافي أيضا). وفي سياقه يمكن تُطرح علاقتها بـ«الأسلوب المتأخّر» على إقرارنا بقلق ترجمة هذا المصطلح الوافد على أدبنا ومقارباتنا النقديّة.
ما هي مظاهره أو تجلّياته الفنّيّة حيث الأسئلة شتّى: ما هو مصدر هذا «الأسلوب» عند درويش؟ وهل هو «كمّيّ» أم هل هو «نوعيّ» إذ يضع اللغة الشعريّة موضع سؤال، ويدفع إلى إعادة تعريف الشعر نفسه ووظيفته؟ وهل هناك قواعد أو حدود يلتزمها الشاعر وهو يتخطّى سالف نصوصه، من أجل تحقيق «وحدة» «الفنّ الشامل» أو «الفنّ الكامل» أو «النصّ الجامع» الذي»تتناسق» فيه الأجناس والأنواع جميعها في هذا «الأسلوب المتأخّر» الذي يمكن أن نباشره من منظور «اللعبيّة» [الليديولوجيا]؟ وهكذا نرى أنّ هذا الطرح مُشرع على مناهج ومنهجياّت مختلفة تجمع بين أنساق التاريخ والسياسة والفلسفة وعلم الجمال والأدب وعلوم اللغة، وهي كلّها تنضوي إلى الثقافة بالمعنى الواسع للكلمة.
ولا نملك ها هنا إلاّ أن نستأنس بمراجع علميّة لا غنى عنها. وبالرغم من أنّ «عُمدةَ» القراءة النصّيّة هي شواهدَ وأدلّةً شعريّة، فإنّ المراجع الأجنبيّة لا تصادر حقّ القارئ في استئناف القراءة من منظور «الشعريّة العربيّة المعاصرة»، على أساس التمييز بين خصائصها عند الشاعر نفسه وهو ينتقل بقوّة ودراية من أسلوب اشتُهر به إلى أسلوب «متأخّر» يجلب «الشعريّة» من حيث ندري ولا ندري. حيث يتوزّع النصّ في مستويين متلازمين: تمثيلي/ تجريدي، كما هو الشأن في فنون أخرى: في النحت/ العمارة، وفي الرسم/ الأرابيسك، وفي اللوحة التمثيليّة/ النقيّة، وفي الموسيقى/ الموسيقى الدراميّة أو الوصفيّة وفي التمثيل الإيمائي/ الرقص وفي الأدب والشعر النقي/ العروض، وفي السينما وتحميض الصور…
وواضح من هذا التصنيف «المختزل» أنّ القصيدة المتأخّرة عند درويش شأنها شأن الفنون بصريّة وسمعيّة، تنضوي إلى «دائرة الفنون» بعبارة الرومنطيقيّين الألمان أو «دائريّة الفنون». والحقّ أنّني بهذا إنّما أنوّع على ما أثبته هيغل في سياق كلامه على نسقيّة الفلسفة منظّمةً مثل «دائرة دوائر»، وكلّ منها تدرك الواقع أو تعقله من منظور مخصوص شأنها شأن العلم في تقديره؛ فهو يتكوّن من بيانات وإجراءات تتوافق ومستويات مختلفة من أجل إعداد موضوعه. وهو يقول إنّه «يحسن تصوّر الفلسفة مثل دائرة تعود على نفسها أبدا».
وقصيدة درويش التي أنا فيها، قد تكون صورة من «دائرةِ دوائرَ» عند بعضهم، وذات شكل «لولبيّ» أو «حلزونيّ» عند آخرين، بما يعني أنّها تُفتح ولا تغلق كما هو الشّأن في الدّائرة. وقد يكون هذا الشّكل اللّولبيّ أشبه بدائرة، غير أنّها دائرة تتحرّك وتنتشر؛ أو هي، إذا جاز لي أن أتمثّل بصورة الأرض، تدور حول نفسها أي نسقها أو أسلوبها الأصلي وهو الشعر منشأً، وحول الأساليب التي تجري فيها ظاهرة أو خفيّة؛ فيتعدّد المعنى وينتشر، وتتمهّد السبيل إلى دلالة القصيدة أي ما تنتجه القراءة أو التفسير والتأويل. وبالرغم من القصيدة هي التي تنشئ هذا الأسلوب أو هي التي تصنعه أو توطّئُ له، فثمّة «مُصادرة» أسلّم بها؛ وأحاول أن أتّخذها أساسا للاستدلال على «الأسلوب المتأخّر»الذي يميّز تجربة محمود درويش في أعماله الأخيرة؛ ومفادها أنّ إنشائيّة الفنّ لا تعدو أن تكون غير نشاط «لعبيّ».
ولا آتي بجديد وأنا أسوق هذه «المُسلّمة» أو «الفرض الأوّلي»؛ ولا أدّعي ريادة في هذا المضمار؛ وإنّما همّي أن أرى إلى شعريّة محمود درويش في نصّ من نصوصها، عبر كوّة في «شبكة القراءة» من شأنها أن تتعامل مع خطابه إنشائيّا لا غرضيّا؛ أي بمعزل عن «فلسطينيّته» وقضيّة شعبه. ولا يعني ذلك طبعا أنّني أقلّل من شأن المقاربات التي ترتكز على هذا الموضوع أو ذاك؛ فلا أظنّ أو أزعم أنّ الهمّ الإيديولوجي قد ولّى إلى غير رجعة في ما يتعلّق بمجمل المنجزات الفنّيّة والأدبيّة بما في ذلك تجربة محمود درويش، لكن ليس من حقّنا مقايستها بوقائع ليست نصّية؛ وهو ما كان يزعج درويش نفسه.
ويصعب أن ننكر أنّ النّصّ أو الأثر ـ أيّ نصّ أو أيّ أثرـ لا ينتسب بنَسَب من الأنساب إلى ما يوجد خارجه، أي إلى وقائع قد لا تكون بالضّرورة من طبيعة نصّية. وهذا النصّ يحفل بإحالات وإيحاءات إلى واقع يوجد خارجه؛ ويعلم القارئ الحصيف طبيعته ومجرياته، وإنْ بتفاوت لا محالة؛ أو كان يعلمه في سياقات أخرى وخطابات أخرى غير سياق القول الشّعريّ وخطابه. ولعلّ في اتّخاذ مفهوم «اللّعب» براديغما [أنموذجا تفسيريّا] في النصّ عنده، مسوّغات قد لا تتوفّر في غير هذه «الإنشائيّة اللّعبيّة» أو هذا «الأسلوب المتأخّر».
وأشيرُ، بدءا، إلى أنّ هذا الأسلوب هو حاصل حركة مزدوجة تتراوح بين التّأليف والتّحليل. فهو جينيالوجيًّا حاصل جهد تأليفيّ مُشرع أبدا على أكثر من طرح ومن أفق. أقول هذا وأنا أتّبع منهجا تقليديّا إلى حدّ ما؛ أقتدي فيه بـ هويزنغا في قراءة «لاعب النّرد»من منظور «الأسلوب المتأخّر» و«اللعبيّة» معا؛ دون أن يعني ذلك إقرارا بتقابل بينهما؛ وإنّما هو اختلاف مردّه إلى اختلاف مقاربة كلّ منهما.
ولذا أجدني أميل إلى الانطلاق من مقولة اللّعب كما تعبّر عنها بعض المفردات المستعملة في معظم اللّغات الأوروبيّة الحديثة. ويمكن لنا نحن أن نضيف اللّغة العربيّة، من منطلق أنّ هويزنغا نفسه يعود إلى لغتنا في أكثر من مناسبة في مصنّفه. والمشترك بين هذه اللّغات، وإن بتفاوت قليل أحيانا لا يضير الدّلالة العامّة في شيء، هو أنّ اللّعب حركة أو نشاط إراديّ، يُنجز في إطار حدود مخصوصة من الزّمان والمكان، تبعا لقاعدة متّفق عليها بحرّية، لكنّها في الوقت نفسه إلزاميّة تماما. وهو، أي اللّعب، ينطوي على غايته في ذاته، بالإضافة إلى كونه مصحوبا دائما بشعور التّوتّر والغبطة، وبوعي أنّ «الوجود متحقّق على نحو مغاير» مقارنة بـ«الحياة العاديّة».
وبتعريفها على هذا النّحو تكون مقولة اللّعب، في تقدير هويزنغا، محيطة بكلّ ما نسمّيه اللّعب في ما يخصّ الحيوانات، والأطفال، والبشر الرّاشدين: مباريات رشاقة، أو قوّة، أو تفكير، أو حظّ. ومثل هذا المعنى اللّعب يبدو، على ما يؤكّد هويزنغا، قابلا لأن يكون واحدا من العناصر الرّوحيّة الأساسيّة للحياة. إنّ من يلعبُ إنّما هو يلعبُ بغرض التّسلية، كما يقول أرسطو، دون أن ينفي ذلك أنّ اللّعب نفسه ينطوي على جدّية خاصّة به، بل وعلى جدّية مقدّسة. والذي يلعب يعرف هو نفسه أنّ اللّعب ليس إلاّ اللّعب، وأنّه يوجد في عالَم محدّد بجدّية الأهداف. وهو إذ يعرف ذلك يعرفه دون أن يفكّر، بما هو لاعب، في هذه العلاقة بالجدّية. وإذا انتبهنا إلى ما يصل الممارسةَ اللّعبيّة برهان التّحرّر، وإلى أنّ هذا الرّهان من الجدّية بمكان؛ خلصنا إلى أنّ الجدّية في اللّعب مغالبة للجديّة على صعيد الواقع، فالأولى تتمثّل سعيا إلى التّحرّر والثّانية تتمثّل قيودا تكبّل النّشاط الإنسانيّ، بما هي قيود الحاجة والضّرورة.
إنّ الإنسان يكون حرّا، طبقا لما يتصوّره شيلّلر، عندما «يفقد الواقع طابعه الجادّ»، وعندما تغدو الضّرورة «سهلة». وأقدّر أنّ منظوريّة اللّعب التي يرى الشّاعر من خلالها إلى ذاته وإلى كينونته، تخوّل لنا الاضطلاع بمهمّة ترسّم التّكامل بين ذات الشّاعر وعملها أو التّداخل بينهما في حدود الدّيالكتيك الذي يقوم بين اللاّعب واللّعبة التي لا تنفكّ تسحب الذات بمنطقها وإغراءاتها إلى عالمها المخصوص. ولعلّ هذا هو الأظهر في «الأسلوب المتأخّر» عند درويش، ولعلّه كان على دراية به بحكم معرفته بكتابات ادوارد سعيد.
وإذا ما نظرت إلى لاعب النّرد وأنا أتقصّد عبارة النّظر كما هي الممارسة التّقبّليّة في الفنون البصريّة؛ فإنّ الطّابع التّصويريّ في هذه القصيدة جليّ تماما؛ إذ هي «استعادة» ذكيّة لشريط الحياة أي لما هو من أنساق الثقافة وسننها وأعرافها في البيئة الفلسطينيّة، وإقرار من الشاعر بأنّ العالَم نفسه لاعب، وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نضمنه بأيّ ضمان غير ضمان الصّدفة؛ بما في ذلك الضّمان الإلهيّ: «أعمّدُ ريشي بغيم البحيرةِ/ ثمّ أطيلُ سلامي/ على النّاصريّ الذي لا يموتُ/ لأنّ به نفَسَ اللّه/ واللّهُ حظّ النبيّ…».
كاتب من تونس*
ما هي مظاهره أو تجلّياته الفنّيّة حيث الأسئلة شتّى: ما هو مصدر هذا «الأسلوب» عند درويش؟ وهل هو «كمّيّ» أم هل هو «نوعيّ» إذ يضع اللغة الشعريّة موضع سؤال، ويدفع إلى إعادة تعريف الشعر نفسه ووظيفته؟ وهل هناك قواعد أو حدود يلتزمها الشاعر وهو يتخطّى سالف نصوصه، من أجل تحقيق «وحدة» «الفنّ الشامل» أو «الفنّ الكامل» أو «النصّ الجامع» الذي»تتناسق» فيه الأجناس والأنواع جميعها في هذا «الأسلوب المتأخّر» الذي يمكن أن نباشره من منظور «اللعبيّة» [الليديولوجيا]؟ وهكذا نرى أنّ هذا الطرح مُشرع على مناهج ومنهجياّت مختلفة تجمع بين أنساق التاريخ والسياسة والفلسفة وعلم الجمال والأدب وعلوم اللغة، وهي كلّها تنضوي إلى الثقافة بالمعنى الواسع للكلمة.
ولا نملك ها هنا إلاّ أن نستأنس بمراجع علميّة لا غنى عنها. وبالرغم من أنّ «عُمدةَ» القراءة النصّيّة هي شواهدَ وأدلّةً شعريّة، فإنّ المراجع الأجنبيّة لا تصادر حقّ القارئ في استئناف القراءة من منظور «الشعريّة العربيّة المعاصرة»، على أساس التمييز بين خصائصها عند الشاعر نفسه وهو ينتقل بقوّة ودراية من أسلوب اشتُهر به إلى أسلوب «متأخّر» يجلب «الشعريّة» من حيث ندري ولا ندري. حيث يتوزّع النصّ في مستويين متلازمين: تمثيلي/ تجريدي، كما هو الشأن في فنون أخرى: في النحت/ العمارة، وفي الرسم/ الأرابيسك، وفي اللوحة التمثيليّة/ النقيّة، وفي الموسيقى/ الموسيقى الدراميّة أو الوصفيّة وفي التمثيل الإيمائي/ الرقص وفي الأدب والشعر النقي/ العروض، وفي السينما وتحميض الصور…
وواضح من هذا التصنيف «المختزل» أنّ القصيدة المتأخّرة عند درويش شأنها شأن الفنون بصريّة وسمعيّة، تنضوي إلى «دائرة الفنون» بعبارة الرومنطيقيّين الألمان أو «دائريّة الفنون». والحقّ أنّني بهذا إنّما أنوّع على ما أثبته هيغل في سياق كلامه على نسقيّة الفلسفة منظّمةً مثل «دائرة دوائر»، وكلّ منها تدرك الواقع أو تعقله من منظور مخصوص شأنها شأن العلم في تقديره؛ فهو يتكوّن من بيانات وإجراءات تتوافق ومستويات مختلفة من أجل إعداد موضوعه. وهو يقول إنّه «يحسن تصوّر الفلسفة مثل دائرة تعود على نفسها أبدا».
وقصيدة درويش التي أنا فيها، قد تكون صورة من «دائرةِ دوائرَ» عند بعضهم، وذات شكل «لولبيّ» أو «حلزونيّ» عند آخرين، بما يعني أنّها تُفتح ولا تغلق كما هو الشّأن في الدّائرة. وقد يكون هذا الشّكل اللّولبيّ أشبه بدائرة، غير أنّها دائرة تتحرّك وتنتشر؛ أو هي، إذا جاز لي أن أتمثّل بصورة الأرض، تدور حول نفسها أي نسقها أو أسلوبها الأصلي وهو الشعر منشأً، وحول الأساليب التي تجري فيها ظاهرة أو خفيّة؛ فيتعدّد المعنى وينتشر، وتتمهّد السبيل إلى دلالة القصيدة أي ما تنتجه القراءة أو التفسير والتأويل. وبالرغم من القصيدة هي التي تنشئ هذا الأسلوب أو هي التي تصنعه أو توطّئُ له، فثمّة «مُصادرة» أسلّم بها؛ وأحاول أن أتّخذها أساسا للاستدلال على «الأسلوب المتأخّر»الذي يميّز تجربة محمود درويش في أعماله الأخيرة؛ ومفادها أنّ إنشائيّة الفنّ لا تعدو أن تكون غير نشاط «لعبيّ».
ولا آتي بجديد وأنا أسوق هذه «المُسلّمة» أو «الفرض الأوّلي»؛ ولا أدّعي ريادة في هذا المضمار؛ وإنّما همّي أن أرى إلى شعريّة محمود درويش في نصّ من نصوصها، عبر كوّة في «شبكة القراءة» من شأنها أن تتعامل مع خطابه إنشائيّا لا غرضيّا؛ أي بمعزل عن «فلسطينيّته» وقضيّة شعبه. ولا يعني ذلك طبعا أنّني أقلّل من شأن المقاربات التي ترتكز على هذا الموضوع أو ذاك؛ فلا أظنّ أو أزعم أنّ الهمّ الإيديولوجي قد ولّى إلى غير رجعة في ما يتعلّق بمجمل المنجزات الفنّيّة والأدبيّة بما في ذلك تجربة محمود درويش، لكن ليس من حقّنا مقايستها بوقائع ليست نصّية؛ وهو ما كان يزعج درويش نفسه.
ويصعب أن ننكر أنّ النّصّ أو الأثر ـ أيّ نصّ أو أيّ أثرـ لا ينتسب بنَسَب من الأنساب إلى ما يوجد خارجه، أي إلى وقائع قد لا تكون بالضّرورة من طبيعة نصّية. وهذا النصّ يحفل بإحالات وإيحاءات إلى واقع يوجد خارجه؛ ويعلم القارئ الحصيف طبيعته ومجرياته، وإنْ بتفاوت لا محالة؛ أو كان يعلمه في سياقات أخرى وخطابات أخرى غير سياق القول الشّعريّ وخطابه. ولعلّ في اتّخاذ مفهوم «اللّعب» براديغما [أنموذجا تفسيريّا] في النصّ عنده، مسوّغات قد لا تتوفّر في غير هذه «الإنشائيّة اللّعبيّة» أو هذا «الأسلوب المتأخّر».
وأشيرُ، بدءا، إلى أنّ هذا الأسلوب هو حاصل حركة مزدوجة تتراوح بين التّأليف والتّحليل. فهو جينيالوجيًّا حاصل جهد تأليفيّ مُشرع أبدا على أكثر من طرح ومن أفق. أقول هذا وأنا أتّبع منهجا تقليديّا إلى حدّ ما؛ أقتدي فيه بـ هويزنغا في قراءة «لاعب النّرد»من منظور «الأسلوب المتأخّر» و«اللعبيّة» معا؛ دون أن يعني ذلك إقرارا بتقابل بينهما؛ وإنّما هو اختلاف مردّه إلى اختلاف مقاربة كلّ منهما.
ولذا أجدني أميل إلى الانطلاق من مقولة اللّعب كما تعبّر عنها بعض المفردات المستعملة في معظم اللّغات الأوروبيّة الحديثة. ويمكن لنا نحن أن نضيف اللّغة العربيّة، من منطلق أنّ هويزنغا نفسه يعود إلى لغتنا في أكثر من مناسبة في مصنّفه. والمشترك بين هذه اللّغات، وإن بتفاوت قليل أحيانا لا يضير الدّلالة العامّة في شيء، هو أنّ اللّعب حركة أو نشاط إراديّ، يُنجز في إطار حدود مخصوصة من الزّمان والمكان، تبعا لقاعدة متّفق عليها بحرّية، لكنّها في الوقت نفسه إلزاميّة تماما. وهو، أي اللّعب، ينطوي على غايته في ذاته، بالإضافة إلى كونه مصحوبا دائما بشعور التّوتّر والغبطة، وبوعي أنّ «الوجود متحقّق على نحو مغاير» مقارنة بـ«الحياة العاديّة».
وبتعريفها على هذا النّحو تكون مقولة اللّعب، في تقدير هويزنغا، محيطة بكلّ ما نسمّيه اللّعب في ما يخصّ الحيوانات، والأطفال، والبشر الرّاشدين: مباريات رشاقة، أو قوّة، أو تفكير، أو حظّ. ومثل هذا المعنى اللّعب يبدو، على ما يؤكّد هويزنغا، قابلا لأن يكون واحدا من العناصر الرّوحيّة الأساسيّة للحياة. إنّ من يلعبُ إنّما هو يلعبُ بغرض التّسلية، كما يقول أرسطو، دون أن ينفي ذلك أنّ اللّعب نفسه ينطوي على جدّية خاصّة به، بل وعلى جدّية مقدّسة. والذي يلعب يعرف هو نفسه أنّ اللّعب ليس إلاّ اللّعب، وأنّه يوجد في عالَم محدّد بجدّية الأهداف. وهو إذ يعرف ذلك يعرفه دون أن يفكّر، بما هو لاعب، في هذه العلاقة بالجدّية. وإذا انتبهنا إلى ما يصل الممارسةَ اللّعبيّة برهان التّحرّر، وإلى أنّ هذا الرّهان من الجدّية بمكان؛ خلصنا إلى أنّ الجدّية في اللّعب مغالبة للجديّة على صعيد الواقع، فالأولى تتمثّل سعيا إلى التّحرّر والثّانية تتمثّل قيودا تكبّل النّشاط الإنسانيّ، بما هي قيود الحاجة والضّرورة.
إنّ الإنسان يكون حرّا، طبقا لما يتصوّره شيلّلر، عندما «يفقد الواقع طابعه الجادّ»، وعندما تغدو الضّرورة «سهلة». وأقدّر أنّ منظوريّة اللّعب التي يرى الشّاعر من خلالها إلى ذاته وإلى كينونته، تخوّل لنا الاضطلاع بمهمّة ترسّم التّكامل بين ذات الشّاعر وعملها أو التّداخل بينهما في حدود الدّيالكتيك الذي يقوم بين اللاّعب واللّعبة التي لا تنفكّ تسحب الذات بمنطقها وإغراءاتها إلى عالمها المخصوص. ولعلّ هذا هو الأظهر في «الأسلوب المتأخّر» عند درويش، ولعلّه كان على دراية به بحكم معرفته بكتابات ادوارد سعيد.
وإذا ما نظرت إلى لاعب النّرد وأنا أتقصّد عبارة النّظر كما هي الممارسة التّقبّليّة في الفنون البصريّة؛ فإنّ الطّابع التّصويريّ في هذه القصيدة جليّ تماما؛ إذ هي «استعادة» ذكيّة لشريط الحياة أي لما هو من أنساق الثقافة وسننها وأعرافها في البيئة الفلسطينيّة، وإقرار من الشاعر بأنّ العالَم نفسه لاعب، وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نضمنه بأيّ ضمان غير ضمان الصّدفة؛ بما في ذلك الضّمان الإلهيّ: «أعمّدُ ريشي بغيم البحيرةِ/ ثمّ أطيلُ سلامي/ على النّاصريّ الذي لا يموتُ/ لأنّ به نفَسَ اللّه/ واللّهُ حظّ النبيّ…».
كاتب من تونس*
نيسان ـ نشر في 2026/02/22 الساعة 00:00